Tuesday, September 30, 2008

!! حادثة اشتباه


الحب لا يأتى صدفة، انه يولد ويعيش بالادارة البارعة، انها سلسلة من الملاطفات المناسبة والخوف المبرر والمؤامرات الصغيرة.

فى صباح اليوم الثانى من الأسبوع المناسب، تأكدت أن أولادنا ذهبوا جميعا لأشغالهم، وأن زميلى فى العمل نجح فى تسليك اجازة لى من فم رئيسنا المباشر، وأن بقايا مرتب الشهر تكفى خمسة أيام قادمة، وأن شمسا هادئة تضم شقتنا فى دفئ لذيذ، عندها قررت الجلوس فى الشرفة مع زوجتى الطيبة نتناول كوبين من الشاى بالنعناع نرشف معهما جرعات وصل ورضا، وحين أضاءت شمس الشرفة بهاء زوجتى, رأيت أن شاى الأرض ونعناعها لا يفيان بمتطلبات الوصال بين الأحبة وقررت النزول فورا متواثبا فوق سلالم العمارة لأشترى زجاجة مياه غازية، مؤكدا لنفسى أن العاشق الكبير لا يشرب إلا من عبوات كبيرة.

فى محل البقالة ظهرت الزجاجة كبيرة مليئة بمياه غازية باردة، وحين تماوجت أساريرى تغازل الظلال حول الزجاجة ابتسم صديقى البائع وغمز بعينه اليسرى وأعطانيها فى كيس مزركش مع قطعتين من اللبان الدّكر، عدت أدراجى إلى الشرفة حاملا الكيس المزركش واللبان الدّكر ووضعتهم حانيا أمام زوجتى بجوار كوبين فخيمين من زجاج لامع، وبدلال العاشقين فتحت الكيس وسحبت الزجاجة متمهلا شمسنا الهادئة كى تشهد عواطفى الكبيرة.

لم تكن الشمس هادئة تماما فقررت أن تسلط ضوئها على جلستنا، بدت الزجاجة محكمة الإغلاق لكن لون مياهها الغازية مختلف، فجأة ظهر بداخلها كتلة من جسد حيوانى غير واضحة الملامح، ليست جثة صرصار فإنها أكبر كثيرا، وليست جثة حمار فإنها أصغر كثيرا، ربما هى بقايا جثة كلب أو أن أحدهم قتل غريمه ووزع جثته على مئات من الزجاجات المشابهة، وحين أعلنت حدسى أن الجثة بقايا فأر رضيع، صرخت زوجتى وهاجمها القىء وتركتنى وحيدا فى شرفة الأنس، وأصبح على التوقف عن تصور المزيد من الجثث وأن أحمل الزجاجة غاضبا لأعيدها للبائع.

ساومت البائع على استرداد ثمن الزجاجة وتنابزنا بالألقاب، تدخل بعض الطامحين من الجيران وساومونى على اقتسام أموال سأكسبها من رفع دعوى قضائية على منتج يستهين بأرواح المواطنين ويبيع جثثا فى المياه الغازية، وحين تكاثرت الحكايات والنصائح تحولت الزجاجة عندى الى كنز مرتقب، يسدد ديونى ويشترى بيوتا وعمارات ويخلصنى من نكد زوجتى المخبوء، وبدأت التفكير فى اقتناص طرق الثراء.

الأفضل أن أذهب بالزجاجة لإبلاغ الشرطة وأحصل على تعويض، فرأيتنى سأقف فى طابور من يشكون إهمال جمعيات رعاية المستهلك ويشككون فى نزاهة رجال الصناعة، وسيطول انتظارى فأشعر بالتعب وتقع الزجاجة على الأرض وتتهشم ويضيع دليل الجريمة، هكذا تقبض الشرطة على بتهمة إزعاج السلطات، إذن لا داع للذهاب إلى الشرطة.

الأفضل أن أعطى الزجاجة لمحام شاطر يلعب فى المحاكم بالبيضة والحجر، وأحصل على تعويض، فرأيت المحامى سيطلب منى مقدم أتعاب ويقنعنى بأن القضية خاسرة ويقبض التعويض بالملايين ويبلع حقوقى، إذن لا داع للاستعانة بمحامى.

كان اختيارى أن أبقى حالما فقررت كتابة مقال صحفى عام، أطالب فيه جمعيات رعاية المستهلك والشرطة والمحامين والصحافة أن يهبوا من أجل صحة وكرامة المواطنين، لأعاود الجلوس هانئا مع زوجتى الطيبة، نرشف أباريق من الكركديه والشاى بالنعناع ونمضغ أطنانا من اللبان الدكر.

Sunday, September 28, 2008

تعليم بير السلم

ملايين من المصريين، ينضمون لسوق العمل الحكومى أو الخاص بمؤهلات غير جامعية، يعانون من فساد نظام إدارى وثقافى فى الدولة يعطيهم تواضعا فى المرتبات والترقيات والمعاشات والتفاخر الاجتماعى، هكذا أصبح لدى بعضهم رغبة فى الحصول على شهادات جامعية تحسن واقعهم المهنى والنفسى والاقتصادى.

مع التخطيط يرى خبراء التعليم أهمية التعليم المفتوح، انه إضافة ثقافية ومهنية لنوع من الطلاب لهم ظروفهم الخاصة، لكن مع التنفيذ فى قاعات الدرس يرى رجال التعليم أن سلوك طلاب التعليم المفتوح أبعد عن سلوك طلاب العلم واقرب إلى سلوك شحاذين يطلبون أوراقا مختومة بشهادات تحسن من وجاهتهم الاجتماعية وترفع بعضا من معاشاتهم، أنهم صيد ثمين يجب الثراء على حسابه.

فى أول محاضرة ألقيتها على طلاب من التعليم المفتوح، ظهرت الصورة واضحة أمامى، معظمهم أباء وأمهات وأصحاب بيوت لديهم إمكانياتهم فكرية وثقافية متواضعة، يملكون تصورات إنسانية جميلة عن شهادات علمية يسعون إليها، يتحملون مشقة التعليم فى جو فاسد ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، فى قاعات الدرس يبررون كسلهم الطلابى بأعباء مهامهم الوظيفية، وفى أعمالهم يبررون كسلهم الوظيفى بأعباء مهامهم الطلابية.

منذ البداية قررت أن أكون أستاذا يحاضر طلاب علم يرون أن طلب العلم جهد إنسانى شريف لا تصلح معه سلوكيات الشحاذة والغش وإبداء الأعذار، فاظهروا تعاطفهم مع موقفى، وحين منعت طالبة أتت متأخرة من دخول المحاضرة انهارت وبكت، وحين لمت طالبا على عدم التزامه بأصول المناقشة العلمية غضب وانزوى، ومع الانهيار والغضب ظهرت دلائل خداع وتدليس يمارسه كثير من أساتذة التعليم فى جامعاتنا حين قال بعضهم لى : ارحم طلبة التعليم المفتوح وارحمنا معهم، إنهم مصدر رزق لنا، إنهم مرضى اجتماعيا ومتخلفون ثقافيا، يدفعون نفقات الدراسة كاملة ليشحذوا بها شهادات علمية، وعلينا أن نعطيهم شهادات بأقل جهد ممكن ودون إحراز تفوق، هكذا نتخلص منهم ولا يطرقوا علينا أبواب الدراسات العليا.

قضية التعليم المفتوح فى بلادنا تشبه فى كثير من الأمور قضية التعليم الخاص فى مدارس بئر السلم والشقق المفروشة، إنها قضية تعليم طلاب يتناولون بداية الأمور بحسن نية ثم يتنازعون نهاية رغباتهم مع تجار علم فاسدين، هكذا يجنى المجتمع شهادات علمية مضروبة بالتدليس، ويتاجر المسئولون بأرقام صورية للمتعلمين.

المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 28 سبتمبر 2008م

Monday, September 22, 2008

رقصة ماجنة


كان جدى الأكبر رأس عائلتنا مرددا للشعائر وموزعا للبركات ومطربا عند الضرورة، يهفو على الأجران عند كل حصاد، يسقط على المآتم عند انتهاء كل أجل، يحترف تفصيل الأحجية وصَرّ الدّعاء وربط الأزواج وتسهيل الولادة.


ذاع صيت جدى الأكبر وانتشرت أسفاره يجوب القرى والكفور، يمتطى حماراّ وبطانة من المساعدين، ابن العم وكيلا عنه وحاملا عصا خيزران يهمز بها الحمار، والابن الوحيد متدرباً ووارثا شرعيا للمهنة، وابن الخال حافظا للأسرار وهاربا من فلاحة الأراضى.


فى ضحى يوم حار من أيام قحط، طوّفَ بالقرية خبر عاجل بأن عظيما مات فى قرية مجاورة، فتواثب ابن العم يهرول تحت الشمس عابرا القنوات والحقول قاصدا بيت الميت، يقدم للورثة والتابعين عروضا مغرية، كثير من الأدعية والشهرة مقابل قليل من النقود وطعام كثير اللحم والدهن، كان قحط البطانة وطموح الورثة كفيلين بنجاح المفاوضات وإبرام التعاقد.


مع حلول وقت العصر، امتطى جدى الأكبر حماره وانطلق فى موكبه يثير غبارا وأصواتا عابرا القنوات والحقول قاصدا دار الميت العظيم، ووضع بن العم خطة استبعاد جدى الأكبر بعيدا عن تناول أى لحم,


انفرد ابن العم بأهل الميت ليخبرهم أن الشيخ أصابه توعك مفاجئ لا يصلحه غير تناول خبز مفتوت فى اللبن مع السكر، فالتزم أهل الميت بتقديم طلبات وكيل الشيخ، وحين امتلأت البطون وكفّت الأفواه عن البلع، وتناثر اللبن على الذقن، انحشر رأس جدى الأكبر بتفاصيل خطة مناسبة لاغتيال ابن العم.


مع دخول الليل افتتح جدى الأكبر مراسم حفل المأتم، يقرأ ما تيسر من نصوص خالدة ونحنحات مرصوصة، وحين هاجمت رائحة اللحم خياشيمه قرر أن يترك ابنه الوحيد ليستكمل دوره فى المأتم، وأفل راجعا إلى داره مصطحبا الحمار وابن العم وابن الخال وخطة الاغتيال.


على طريق العودة تعمد جدى الأكبر أن يستريح ركبه بجوار ساقية مهجورة، وحين تأكد أن النجوم زاهية ترسل ضوئها الخافت بما يكفل له تنفيذ فعل ما دون أن تكشف لأحد تمام ذلك الفعل، أعلن رأيه صائحا للجميع : اللحم علاج لكل توعك، وهجم بكلتا يديه على رقبة ابن العم دافعا جسده إلى بئر الساقية، حين اقترب جدى الأكبر من حافة البئر تدخل ابن الخال ونهق الحمار وبدأ الجميع رقصة ماجنة.


هكذا انهارت أنسابنا ولم يبق من عائلتنا غير أربعة أشخاص، ولدى الوحيد وريث حرفتى، وابن عمى وكيل أعمالى، وابن خالتى حافظ أسرارى، وأنا الذى أعانى من جهل الآخرين بتاريخ جدى العظيم.


Sunday, September 14, 2008

حوادث تصادم

حين أصبحت الشمس شمس عصارى، درت حول سيارتى بوقار تشوبه روح غندرة شبابية، أراجع صلاحية السيارة وتمام شكلها وأتحسس انطباع الآخرين بالانبهار.

ألقيت جسدى على مقعد السيارة متحسسا أجهزة الانطلاق ثم أرسلت نظرات متتابعة أتفحص وجوه المحيطين من البشر، ألقى عليهم علامات ابتسام وعبوس وغزل وتعال، وحين أحصيت فى الوجوه عدداً مناسبا من التحيّات والسلامات وعلامات الوداع، أدرت جهاز التكييف وشرعت فى التحكم بأجهزة القيادة، وانبريت أقود السيارة متباطئا ومتسابقا ومناورا، أقطع طريق الإسفلت بين الأشجار نحو مدينتى البعيدة.

باغتتنى بين جموع المودعين ابتسامة رقيقة لفتاة بدا جمالها طاغيا، فرأيت أن أهدى الجميلة قيادة رائعة، تداعب فيها ريح العصارى سيارتى، وتصدح معها أنغام لأم كلثوم فى صالون قيادتى، ويهفو وجدانى للقاء كل الجميلات، وظللت أتهادى.
مرقت بجوارى سيارة تركبها امرأة شابة يشاكس شعرها الطويل هواء الطريق، فرأيت أصابعى فى الزمن القديم تربت على كتف زوجتى وتسرق لمسات لشعرها الطويل، ثم تعاود الإمساك بحبات الترمس والفول وزجاجات المشروبات الغازية، نأكل ونشرب ونضحك ونصنع أحاديث العصارى على شاطئ النيل، وظلت الموسيقى تنساب فى السيارة.

فجأة لمحت خلفى سيارة جيب فخمة تأكل الإسفلت مسرعة نحوى، كان الفارق كبيرا بين سرعة سيارتى الحالمة وسرعة الجيب المتفاخرة، خرجت من أخيلتى لأبتعد عن طريق الجيب وهى تتابع مناوراتها فى تخطى سيارة أخرى تسير فى رعونة، فجأة انحرفت سيارة الجيب إلى أقصى يمين الطريق واندفعت إلى حقل قطن مجاور، انقلبت الجيب مرتين ثم استقرت على ظهرها، وبدأت عجلاتها تدور فى الهواء، وفرت السيارة الأخرى.

اتخذت جانب الطريق مبطئا سرعتى لأستكمل رؤية المنظر، أخذت السيارات تواصل سيرها وتوقف بعضها للفرجة، وحين فكرت فى التوقف، تذكرت كراهيتى لضابط شرطة أجبرنى على تغيير طفاية حريق السيارة رغم صلاحيتها، ورأيت أن من يملكون سيارات فارهة هم لصوص يستطيعون العلاج فى الخارج، وأننا بحاجة إلى تطبيق قوانين غير موجودة ونطبق قوانين لسنا بحاجة إليها، وبأننى فى حال وقوفى سأحاكم على اعتبار أننى الصانع الوحيد لحوادث كل الطرق، والقاتل الوحيد لكل المصابين.
أسرعت مبتعدا عن موقع التصادم، وظلت إجابة السؤال معلقة، كيف لشهم ومواطن مثلى أن يترك سيارة تتلوى فى انتظار المساعدة؟
=============================
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى ، الأحد 14 سبتمبر 2008م

Monday, September 08, 2008

ثأر قديم

ظلت الشمس سنوات تحاول أن تغمر بالضوء حجرات دار أبو العز، طردا للحشرات الصغيرة وبيوت العنكبوت، إلا أن دار أبو العز كانت حجرتين وصالة ضيقة من الطوب اللبن، تغطيها طبقات قديمة من القش والحطب، تبص على السماء من فتحات طينية صغيرة وتنام محشورة فى حارة "النقرة" بين عدد من الدور المماثلة.
لأن أسماءنا ثأر قديم، أهملت القرية شأن أبو العز كما أهملوا شأن عائلته، فأهل الحل والعقد والسلطة وكبار اللصوص ينتمون إلى عائلات أخرى، وظل أبو العز يبحث عن أسباب العز، يحوم حول جلسات الكبار ويجمع أسرار القرية.
أبو العز كان عبقريا مراوغا يكره شمس الظهيرة، فى أواخر الليل هو لص رشيق يتسلق حوائط الدور والزرائب ليجمع الشارد من آهات ودجاج وبط وأوعية نحاسية، فى أوائل النهار هو تاجر ماكر يجرى اتفاقات سرية للتخلص من سرقاته نقدا أو بالمقايضة، وفى أواخر النهار هو فقير غلبان تستأجره نساء القرية، مقابل بيضة أو رغيفين من القمح، لينادى على ما ضاع منهن من دجاج وبط وأوعية نحاسية، وفى أول الليل يعود عاملا مجهدا إلى داره.
تآمرت الحكومات على أهل القرية، فضاقت معيشتهم وأفكارهم وتآكلت أنسابهم، وسافرت أفواجهم إلى بلاد الغربة، واختار أبو العز الأوقات والطرق الملائمة للسفر والعمل فى بلاد الغربة، وعاد بعد سنوات محملا بالهدوم والنقود والمراوح وزجاجة من مياه مقدسة.
على أنقاض الدار القديمة ودار غريم ملاصقة أقام أبو العز داره الجديدة، طابقين من الأسمنت المسلح، مدهونة حجراتها بالبويات الملونة، ويعلو بابها جرس يرن بأصوات البلابل، وفى مدخلها كنبات خشبية وكرسى فخيم من الخيزران.
حين أعلن رئيس الدولة عدم خجله من وجود مهندس أنهى سنوات تعليمه الجامعى وأجبرته سياسات الحكومة على العمل مبيض محارة، صار المثل الشعبى قانونا رسميا، المواطن يساوى قدر ما يملكه من نقود.
هكذا أطلت الشمس مرات عديدة على مجلس أبو العز، يركب الكرسى الفخيم وسط مريديه، يؤكد أن الدجاج فى بلاد الغربة يبيض ذهبا، يحكم بين المتخاصمين، يأمر بإصلاح أحوال النساء، يقرض الراغبين فى السفر أو الزواج، وينصح المتآمرين على صنع ثورة جديدة.
=======================

Sunday, September 07, 2008

تجربة الكتابة لجريدة البديل

فى شهر مايو الماضى، وصلنى خطاب على البريد الالكترونى من مسئول صفحة الرأى فى جريدة البديل القاهرية، يطلب منى مقالا للنشر فى الجريدة مقابل أجر، ولأن الكتابة تمثل فرحا خاصا لى تلقيت شكل الخطاب بالقبول، وحين اتصلت بالمسئول هاتفيا أخبرنى انه يعرفنى من خلال مدونتى الالكترونية (رقبة الحمامة)، وطلب منى مقالا يتواصل مع الأحداث الجارية ويعارض رأى بعض الكتاب فى الجريدة، وحين شرح وجه نظرة فى أن الكتابة على المدونات هى كتابة ذاتية لا تصلح للصحافة اكتشفت أنى أتعامل مع تاجر متواضع يخطو حديثا فى عالم الصحافة، لا يفرق بين الكتابة الجميلة وبين كتابة توصيل الطلبات للأدمغة، هكذا انتابنى مشاعر قرف من فكرة التعامل بهذه الطريقة مع الجريدة، وأهملت الاستجابة إلى طلبه.

مر شهر على حادثة مسئول صفحة الرأى، وفى شهر يونيه اتصل بى رئيس تحرير الجريدة فى خطاب على البريد الالكترونى طلب منى أن اكتب عمودا صحفيا أسبوعيا مقابل اجر، ظهر لى أن الأمر جاد فأجلت موافقتى ثلاثة أسابيع درست فيها مع بعض الأصدقاء طرق التعامل مع جريدة يرى أصحابها أنهم يساريون مصريون.

حين اختمرت رغبتى فى الكتابة إلى الجريدة تحدثت مع رئيس التحرير، وفى اتصال تليفونى ثم فى لقاء شخصى أشاد بأسلوبى فى الكتابة وقال انه نوع نادر جميل ويحبه، وطلب منى أن اكتب عمودا أسبوعيا فى الجريدة يمثل كامل حريتى فى اختيار الموضوع والأسلوب المناسب، وهذا بالطبع داخل الدائرة العامة لأخلاقيات الكتابة دون تجاوز للخطوط الحمراء للصحافة المصرية، كانت دماثة خلق الرجل ووده معى سببا فى أن اشعر بالسعادة وأقبل مخلصا فى الكتابة لجريدته، ووعدته أن أبذل جهدى كى اصنع ست أو سبع أعمدة جيدة على الأقل من بين كل عشرة أعمده اكتبها.

على مدى شهرى يوليو وأغسطس نشرت ثمانية أعمدة أسبوعية متواصلة فى صفحة الرأى، كانت كتاباتى أدبية اجتماعية فبدت نوعا غريبا فى صفحة تضم كتابات متجهمة قليلها كتابات رفيعة المستوى من حيث الصياغة ووضوح الفكرة، وكثيرها نشرات حزبية وكتابات مكرورة سطحية ساذجة.

فى عمودى الثامن كتبت رأيا عن قضية التحول الدينى فى مصر من المسيحية إلى الإسلام، بذلت جهدا فى صياغة رأيى ليحمل الصياغة العلمية والعرض السليم، وحين حادثت رئيس التحرير عن العمود فى شكل صورة أرسلتها إليه قبل النشر قال: انه يفضل لى الابتعاد عن المواضيع التاريخية وأن أبقى فى منطقة أخرى من الكتابة أجيدها، كان الرجل متحيزا لرأيه وانهى حديثه قائلا: على كل حال المقال هو رأيك، وفى موعد النشر رأيت العمود منشورا فى الجريدة كاملا.

ذهبت للجريدة فى زيارة عمل، وفى لقاء مع مسئول صفحة الرأى قال: أنا لم افهم مقالا سابقا لك وبرغم ذلك نشرناه (المقال يتكلم بأسلوب أدبى عن حالتى لحظة استلامى أول مبلغ من الجريدة، مقال يتعرض لبعض مكونات الجو النفسى المحيط بالصحفيين فى مصر)، وأردف متوجسا فى قلق وقال: أتمنى أن تقترب مقالاتك من القراء، هنا أدركت يقينا أننى أمام قارئ لأعمالى ليس لديه معرفة بالمقال الأدبى وليست لدية رغبة فى أن يرى نوعا راقيا من الكتابة الصحفية، وأكملت الزيارة بلقاء مع رئيس التحرير وحين سألته رأيه فى مقالاتى قال: أنا شخصيا أحب كتاباتك، وأرى أن اقتراب مقالاتك من القارئ أمر مطلوب، ثم أردف ملاطفا: عليك أن تستمر فى الكتابة معنا لدى الجريدة بأسلوبك التحليلى الساخر.

نظرت فى عينى رئيس التحرير ثم ألقيت نظرة ساهمة على صورة معلقة على الجدار أمامنا وبدأت استجمع أطراف الصورة من حولى، وجدتنى أكتب فى جريدة يسارية تدخل منافسه مع صحف أخرى وتشاركهم السائد بينهم من إثارة وتهييج، تلعب معى إدارتها أساليب تجميع وتفريق، من ليس من جماعتنا فهو علينا، وجدت مقالا لى لم يفهمه مسئول صفحة الرأى ومع ذلك تم نشره، ومقالا آخر يحمل رأيا مخالفا لرأى رئيس التحرير ومع ذلك تم نشره، فأصبح الأمر واضحا لى، وجدتنى أمام جريدة تلبس ثوب نشرات التهييج الحزبية، وأمام قيادات جريدة ترى أننى صالح للمساومة على طريقتى فى الكتابة.

إنى اعرف أنواعا من الكتابة المتواضعة وعشرات من مدعى الكتابة يتقيئون شهواتهم المتواضعة حروفا وكلمات تحاصر السذج من القراء، وأعرف انه من السهل جدا الاقتراب من القراء السذج بالتهييج والسطحية والمسخرة، مقال عن الحجاب، ومقال عن التوريث، ومقال عن الأقباط، ومقال عن النوبة، ومقال عن القمح المسرطن، وأخرى عن دخول أتباع الراقصات إلى مجالس الشعب والشورى وصالات التدين، أنا اعرف ولكنى أتناول كل هذه الموضوعات بأسلوب راقى بعيدا عن السذاجة أو السطحية أو الاستخفاف بالقارئ، أننى أبذل جهدا واحتشد للكتابة، أجمع أطراف الفكرة قاصدا أن أقدمها فى صياغة درامية جميلة لقراء يحتشدون بذائقة الجمال للقراءة، أنا اكتب لنوع رشيد من القراء.

هكذا جمعنى حب وود مع شخص رئيس التحرير، وفى الوقت المناسب تصافحت معه على باب مكتبه، هو يتمنى لى التوفيق فى مقالاتى القادمة بالجريدة وأنا قررت التوقف عن الكتابة لنفس الجريدة.

Saturday, September 06, 2008

حمام بالفريك

أحسن الطعام حمام محشو (بالفريك)، وأبسط التفاخر هو أنا من هناك وأنت لست من هناك، وأجمل الحواس أنوف تشم بالطريقة المناسبة.
فى ستينات القرن الماضى، كنا طلابا مغتربين للدراسة الجامعية، أنا طالب مغترب من المنصورة أسكن فى شقة متواضعة على حواف مدينة القاهرة مع طالب مغترب من سوهاج، كان لدينا خزانة لحفظ الطعام، خزانتنا (سبت) من البوص معلق فى سقف الشقة نحركه بحبل من ليف النخيل، فى قاع الخزانة نضع بعض الملح وما ندخره من نقود وفوقهم نضع العيش والجبن والطماطم والبيض المسلوق ونغطى الجميع بقطعة من القماش، هكذا يحمى السبت طعامنا من الصراصير والفئران، ويحمى الملح نقودنا من الحسد، ولأن أحدا منا لم يزر الآخر فى موطنه الأصلى أصبح التفاخر بالأنساب هو سلاحنا المعتاد نشهره فى وجه بعضا البعض كلما دخلنا معركة تنافس شرس.
فى يوم حار من مايو، عضنا فقر الخزانة وحرارة الجو وتوتر أيام الامتحانات ونقص النقود فخرجنا على طوع الزمالة ومارسنا التمييز، قلت له أنا من المنصورة، بلاد الخير والجمال ولدينا كثير من الطعام والنقود، فقال لى أنا من سوهاج، بلاد الخير والكرم ولدينا كثير من الطعام والنقود، وبدأنا معركة تنابز بالألقاب.
ولأن الصلح والتطبيع لا يأتيان صدفة، تصالحنا حين طرق بابنا ضيف رائع، انه خال زميلى قادم من سوهاج ويحمل لنا زيارة طعام تكفى إطفاء كل معاركنا، سبعة أزواج من الحمام المحشى بالفريك تغطيهم ثلاث فطائر بالسمن البلدى وجبن قديمة (بالمش) وبيض مسلوق.
حين تفحصنا محتويات الزيارة، اكتشفنا أنه طوال يوم كامل قضاها الخال فى السفر بالقطار من سوهاج إلى القاهرة، تحالفت حرارة الجو ودود المش وازدحام المواصلات لتحول الزيارة إلى فريك مهروس بجثث حمام وبيض مكسور وتتماوج حولها روائح فساد.
كان الجوع وغشم التفاخر وقلة النقود ونصائح الخال أسبابا كافية لأن تعمل حواسنا بالطريقة المناسبة وتصنع لحياتنا مذاقها الخاص، فخلال يومين كاملين ومع بعض المعالجات الحرارية أكلنا الزيارة كاملة، إلتهمنا ما كان حماما محشوا بالفريك وأصبح خليطا من فريك لاذع معجون بلحم فاسد، وظلت حواسنا تعمل بالطريقة نفسها، تصنع الرفض والقبول والصمت.
==============================
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى ، الأحد 7 سبتمبر2008م

Thursday, August 28, 2008

!!.. غلابة ترسة

يقول فصحاء العربية، أن الغلب ( بفتح الغين وكسر اللام) صفة لمن غلظ عنقه، فيكون الرجل أغلب وتكون المرأة غلباء، والجمع غلب ( بضم الغين وتسكين اللام)، وهو صفة للحديقة التى تكاثفت أشجارها والتفت، فيقولون حدائق غُلبا.

فصحاء العربية لم يكترثوا بالوقوف على أسباب غلظة العنق عند بعض الناس، فقد تكون الغلظة راجعة لتعنت ظالم انتفخت أوداجه وغلظ قلبه، يستبيح رقاب الضعفاء ضربا بالكفوف والنعال، يأكل حقوقهم ويسومهم سوء العذاب، تحشرج حناجرهم بالأنين، وتغلظ رقابهم بالأسى، يدفعون حزنهم فى قرب مقطوعة، ولا سامع لهم ولا مغيث.
يقول بسطاء المصريين عن الغلب ( بضم الغين وتسكين اللام) انه حالة إنسان شكلته طينة الأسى ليواجهه الحياة عاجزا قليل الحيلة، يدفع عن جسده عوامل الفقر المادى فلا تخور قواه، ويستجلب الثقة بنفسه فلا تنهار كرامته، ويصبح الفقير إنسانا داخل دائرة الغلب، ويكون الفقراء هم غلابة مستضعفين فى الأرض.

يقول أهل السواحل عن الترسة أنها نوع من السلاحف البحرية، يشيعون أن لجسدها خصائص فى جلب الحيوية للأجساد المنهكة، ويهيم بعضهم بشرب دمها والتغذى بلحمها، ويرى بعض أهل القرى والجبال أن فى عموم السلاحف أجزاء تصلح لعقد التعاويذ طردا للثعابين ودرءا للحسد وجلبا للذرية.

المعاصرون من أهل مدينة الجيزة اتخذوا من السلاحف عنوانا للصبر وطول التحمل، فأطلقوا اسم ترسة (أو ترسا) على شارع بمدينتهم مواز لشارع الهرم حيث الأهرامات والملاهى الليلية، ومواز لشارع الملك فيصل حيث المطاعم والمشاريع التجارية، وبرغم ذلك تقلصت الخدمات الحكومية فى شارع ترسة ليبقى مليئا بالغلابة والبيوت القديمة.

فى أخر شارع ترسة، على حافة ترعة المريوطية، دفع الغلب عشرات من العمال الفقراء، لأن يقضوا بقية لياليهم جثثا متراصة تنام على قارعة الطريق تحت الأضواء الخافتة لفوانيس الشارع، يرهقهم قيظ كل صيف ويصكهم برد كل شتاء، يتناوبون نعاسهم القلق فى بحار من مثيرات التناقض والأسى، فعلى مرأى من عيونهم المجهدة، تقبع أهرامات الجيزة والملاهى منكشفة ليلا بالأضواء والأصوات، وعلى مقربة من بطونهم الخاوية، تنتشر الفنادق والمطاعم والمقاهى يرتادها بعض المتخمين، ويشهد أبو الهول مزيدا من وقائع المعاناة لكثير من المصريين.

غلابة ترسة عمال تراحيل فقراء يتوافدون من القرى والنجوع البعيدة، هم فى مصرنا ألوف من الشباب والرجال، تغلظ البطالة فى ضرب أعناقهم، يملأون مناطق محددة من شوارع معروفة بكافة المدن، يرتدون أسمالا من الملابس الفقيرة، ينتعلون مراكيب ممزقة، يتراصون صباح كل يوم جثثا منهكة، يقوسها الجوع ويكمشها برد الشتاء، يمطها العطش ويقددها قيظ الصيف، يفترشون الأرض طلبا للعمل وبجوارهم أدوات صناعتهم، قطع حديد وفئوس وأزاميل وأخشاب وجلود من إطارات السيارات القديمة، يعرضون أنفسهم طوال اليوم للقيام بأعمال لا تحتاج إلى مهارات فنية متخصصة، ويتراصون مساء كل يوم جثثا منهكة، يلتحفون السماء فى نواصى الشوارع المظلمة، ويتغطون بالسقوف العارية داخل البنايات غير المكتملة، ينام معظمهم جلوس القرفصاء، تجنبا لرطوبة الأرض وتحسبا لمطاردة المتطفلين، ويتناوبن النعاس دفعات على الأرصفة فئة منهم تحرسها أخرى.

كلنا يرى الكثير من غلابة ترسة منتشرون فى معظم الشوارع دون قوانين تحميهم ظروف العمل العشوائى المؤقت، لا تتولى رعايتهم جمعيات أو نقابات ولا تسعى جهات متخصصة لإعادة تأهيلهم حرفيا ليمكن الاستفادة من جهودهم بدلا من تركهم عرضة لشغل السخرة وانتظار الإحسان من أصحاب البر.

غلابة ترسة هم مئات الألوف من قنابل البشر الموقوتة اجتماعيا واقتصاديا وأخلاقيا، غلظت رقاب كثير من المسئولين عن إدراك مشاكلهم، يحتاجون إلى بحوث علمية تدير أزمتهم وتبحث عن حلول لمشاكلهم قبل أن يفجعنا وقوع انفجار كبير.
=======================================
المقال نشر فى مجلة المصور المصرية ، الجمعة 29 أغسطس 2008م

Friday, August 22, 2008

عن التحول الدينى

رصد بعض المؤرخين انه فى القرن الرابع عشر الميلادى، فى العصر المملوكى، حدث تحول دينى جماعى بين المصريين من المسيحية إلى الإسلام، هذا التحول حدث لأسباب اقتصادية وعسكرية.

الأمر ليس كذلك، فالتحول الجماعى بين الأديان يرجع إلى عوامل ثقافية أهمها طبيعة الوعاء اللغوى للدين الجديد ومدى توافق الدين الشعبى مع حاجات المتحولين.

طبيعة مصر الجغرافية، باعتبارها قرية زراعية منعزلة وسط الصحراء تقع على نهر النيل، جعلت نظام الدولة المركزية تطورا حضاريا على المستوى السياسى حتى بداية العصر الحديث، هكذا تخلص المصريون من عصبية القبائل وثقافة البدو وأصبحوا قادرين على هضم وتمثل الثقافات الواردة، وصنعوا كيانا اقتصاديا وعسكريا تسوسه الدولة المركزية.

مع قدوم المسيحية إلى مصر، فى القرن الأول الميلادى، وبعد مئات قليلة من السنين حدث الهضم، ظهرت لغة مصرية جديدة غير اللغة الفرعونية وظهرت كنيسة مصرية هى الكنيسة الأرثوذكسية، وتحور الدين الشعبى ليقبل المصريون قداسة القديسين وخصوصية الفراعنة.

مع قدوم الفتح الإسلامى لمصر، فى القرن السابع الميلادى، وبعد مئات من السنين حدث الهضم، تعامل المصريون مع اللغة العربية باعتبارها الوعاء الثقافى للدين الجديد، وأصبحت العربية لغة شعبية استخدمها المسيحيون فى عباداتهم، وتحور الدين الشعبى ليقبل المصريون معجزات الأولياء وقداسة القديسين وخصوصية الفراعنة، تداوى المسلمون عند أطباء مسيحيين وتخاصم المسيحيون لدى قضاة مسلمين، مثل هذا التحول لم يحدث فى بلاد تتأثر جغرافيتها بنظام الواحات أو الجبال، إيران وتركيا وأسبانيا لم تتحول لغاتها إلى العربية برغم مئات السنين من التواجد العربى الإسلامى.

هكذا يصعب القول بأن التحول الجماعى للمسيحيين المصريين إلى الإسلام حدث نتيجة تهديد المسيحيين فى حياتهم الاقتصادية باعتبارهم من طبقة المتعلمين وجامعى الضرائب للدولة، ذلك بأن الحاكم يستعين على الحكم بالمثقفين، ولا يكفى مثقف أن يغير دينه بضغط اقتصادى، أو أن التحول تم بسبب فرض الجزية على المسيحيين، فالحاكم يجمع أموال الدولة من ضرائب مدنية عامة يدفعها الجميع، وضرائب دينية خاصة، الزكاة من الرعايا المسلمين والجزية من الرعايا غير المسلمين.

نحن نرى – خلافا لحفارى القبور- أن التحول حدث نتيجة الغلبة لثقافة جديدة لا تتناقض مع الدين الشعبى.

======================================

المقال نشر فى جريدة البديل القاهرية ، الجمعة 22 أغسطس 2008م


بعد نشر المقال ومتابعة ما وصلنى من ردود بريدية ، وجدت رأيى هذا يلقى هجوما عنيفا من حفارى القبور الداعين إلى الجيتو بين الأقباط، لأن رأيى هذا يتضمن نقدا لتناول ما رسخ بين الشعب من الدين المسيحى (الدين الشعبى)، ويلقى هجوما عنيفا من حفارى القبور من أهل اليسار لأن رأيى هذا يتضمن نقدا لانتقائهم المقصود لأحداث معينه تضرب فكرة الجدل المحورية فى أدبياتهم.

وهنا أود زيادة الإيضاح حول فكرتى عن التحول الدينى:

الدين موقف وجودى للإنسان يواجه به مشاكله فى الحياة، هذا الموقف يتمثل فى مجموعة من الطقوس والمناهج تحكم التعامل البشرى فى المكان وعبر الزمن ، الدين إذن هو ما يقر فى قلب الفرد ( الجماعة) ويصدقه عمله (عملها)، والدين الجماعى الذى نتعامل معه كمجال للدراسة الإحصائية هو ما تتبعه الجماعة البشرية المعينة من مناهج وسلوكيات دينية يتم رصدها فى آن ومكان الدراسة، ونراه ( الدين الشعبى) المرصود.

التحول الدينى الفردى له أسباب تختلف من فرد إلى فرد وعلماء الإحصاء الذين يهتمون بدراسة الأعداد الكبيرة لا يقيمون علمهم على سلوك مفردة واحدة مهما علا شأنها أو تقدس مقامها، بينما التحول الدينى الجماعى له أسباب حياتية وثقافية ملموسة يمكن رصدها إحصائيا، وعليه يصبح التحول الجماعى من دين إلى دين هو تحول مفاضلات ثقافية وتفضيلات اجتماعية بالأساس من بينها توافق (الدين الشعبى) مع طموحات المتحولين.

رأيى هذا فى التحول الدينى لا ينفى وقوع اضطهاد فردى أو جماعى يكون صاحب اثر فى التحول، لكنه يؤكد على أن العامل الثقافى هو العامل الأكثر تأثيرا وفاعلية، بتحليلنا هذا نترك الفرصة قائمة للرسل وللأولياء وللشهداء وللقديسين وللأغبياء وللمتاجرين بالتحول فى أن تكون لهم عقائدهم وشرائعهم التى يتصدون بالدفاع عنها.

وأخيرا هذا الرأى كتبته فى مساحه عمود صحفى 300 كلمة فقط، بما يعنى أنى بذلت جهدا كبيرا لأصوغ ما يمكن أن يصبح رأيا فارقا عن منهجية التحول الدينى.

Friday, August 15, 2008

الباشا مليونير

المليون جنيه مبلغ كبير جدا، يكفى كثيرا من الفقراء للتوقف عن العمل المنتج ويرفعوا أيديهم إلى السماء كى تمطر عليهم من فضل كريم، ويكفى بعض الأغنياء للتوقف عن العمل المنتج ويخفضوا أيديهم إلى الأرض بما حملت من فضل موصول.

المليون جنيه عندى أكبر من المئة جنيه بكثير، يأتى بجهد وعقل مع صبر طويل، ويكفى لشراء خمسة كيلو لحمة وثلاثة كيلو موز وعلبتين من المياه الغازية وبعض الملابس الداخلية وكيلو كنافة بالقشدة وطاقية حمراء، هكذا جلست بأفكارى الاقتصادية فى صالون أدبى ننتظر حضور رجل أعمال مليونير مصرى.

فى الوقت المرسوم دخل المليونير، رجل عادى يلبس بذلة عليها رباط عنق وتحتها هدوم كثيرة، يداه لا تحمل كنافة أو لحمة وقال: سلام عليكم أيها الحلوين، فقلنا: أهلا يا باشا.

حكاية الباشا أنه نشأ فى أسرة لموظف حكومى متوسطة الحال، خلال مرحلة الدراسة الثانوية ادخر بضع مئات من الجنيهات مقابل خدمات مدرسية أداها لزملائه التلاميذ ( سبحان الله)، وخلال مرحلة الدراسة الجامعية ادخر بضعة ألاف من الجنيهات مقابل خدمات جامعية أداها لزملائه الطلاب (فضل من الله)، وبعد تخرجه حصل على فرصة عمل فى بلاد النفط ( توجيه من الله)، وفى خلال عشر سنوات ادخر أكثر من عشرة ملايين جنيه مصرى (نعمة من الله)، وعاد الباشا إلى أرض مصر المحروسة حاجا ومليونيرا كبيرا يشارك فى توجيه الرأى العام (بركة دعاء الوالدين).

على مدى ساعتين حاول المليونير ترويج فكرته فى المحاسبة على الثروة، يا أخى: لا تسألن عن السبب إذا أعطى الكريم بما وهب، الملايين تتراكم بخلطة من الصدف ودعاء الوالدين ومصاحبة الأولياء وأهل السلطان وتقديم تبرعات وكشوف بركة.
هكذا ظهرت صورة بعض أثريائنا، إنهم تجار حروب ومنتهزو فرص يتاجرون بالأوضاع القائمة، يمارسون احتكارا هنا وتعمية فكرية هناك، يكرهون الشفافية ولا يتبعون أساليب علمية حضارية لتحقيق المنافع الاقتصادية والاجتماعية لمواردنا القومية.
مع انهيار الطبقة الوسطى تنهار قيمة العلم ويتزاحم بعض المثقفين على الفتات، هكذا حين أنهى المليونير حديثه تزاحم بعضهم يبوسه ويحضنه قاصدا حجز مكان فى كشوف البركة.

Friday, August 08, 2008

أولها صحافة

قليل من الصبر ودعاء الوالدين مع الحبر الجاف وبعض الأوراق ومداعبة الزوجة، ورهبة العمل الصحفى فى بلادنا، هى مبررات طلبى نقودا مقابل شغلى فى الصحافة.


على الطرف الأخر من الهاتف جاءنى صوت رئيس التحرير رائقا، لا غضب لديه عن مقال فاسد أو تحويل للنيابة العامة فى قضايا نشر، وقال : ابسط يا عم، يحتمل أن تتسلم أول نقودك اليوم، فرقصت أمام الزوجة صائحا: عرقى فى الصحافة يا هانم.


فى أول ساعة عمل للصراف وعلى مقرية من باب الخزانة بثلاثة أمتار بالضبط، كان العرق يتصبب منى شيخوخة وصعود سلم ورهبة أول لقاء مع صراف الصحيفة، وتآمرا على إنفاق النقود فى الهلس والمتع.

لمح عامل البوفيه غربتى فغير سحنته إلى خبير أمن وسألنى عن الموضوع، فوجدتنى استرجع خبراتى مع رجال النيابة، أقول ما عندى ويسمعون ما عندهم، وبدأت فى سرد حكايتى على أسماعه وهو يتحرك بين البوفيه وحجرات الموظفين، فجأة ألقى إلى بأمر الجلوس على كرسى وثير فى حجرة مغلقة خافته الإضاءة مكيفة الهواء، وحاول بث الطمأنينة فى قلبى قائلا: سأخبرهم بوجودك حالا، وشرع فى غلق باب الحجرة، فرأيتنى أطلب كوبا من ماء بارد يرطب جفاف حلقى، ابتسم العامل ابتسامة خبير وأغلق الباب وانصرف.

أكلتنى الوساوس، رعب فى الصحافة ورعب فى استلام نقود الصحافة، حضن الحبيب هو المكان الخالى من الرعب، فجأة انفتح الباب على موظفة جميلة، وحين ألقت إلى بابتسامة بلعت ريقى، وحين طلبت بياناتى الشخصية اختلط على الأمر وعاودنى جفاف الحلق، فى اللحظة المناسبة دخل عامل البوفيه يحمل كوب ماء بارد ويقدمه بابتسامة خاصة، ركبنى الخوف من الجميع وأخرجت هاتفى المحمول لأطلب النجدة من رئيس التحرير.

بهدوء قالت الموظفة الجميلة كلاما طيبا: اسمك موجود، ولك عندنا نقود، وخصمنا ضرائب الحكومة، وتشرفنا بحضورك، دبت الطمأنينة فى قلبى وبدأت فى رسم الخطة المناسبة للتخلص من الزوجة القديمة والزواج بكامل أجرى من الصحافة.

حين بدأت تنفيذ مؤامراتى كانت النقود لم تصل إلى يدى بعد، والموظفة الجميلة متزوجة، وزوجتى تثرثر على هاتفى المحمول، فلم استطع الاتصال برئيس التحرير.

Friday, August 01, 2008

مرشح حكومى

لست متعاطفا مع دور السلطة الحكومية فى عملية الانتخابات، أحد مرشحيها ارتدى الطربوش وفى لجنة الانتخابات أعطى صوته لمنافسه، وآخر خلع الطربوش فحرمته لجنه الانتخابات من الإدلاء بصوته لنفسه، لذلك قررت أن أتعامل بطريقتى مع مرشحى السلطة.

حين تأكدنا أن مديرنا العام اقترب من سن المعاش، وأنه بعد أسابيع سيترك منصب رأسنا الكبير ليسلم رأسه لكتبة التاريخ وجامعى الدسائس، شحذنا قدراتنا فى الغيبة والنميمة وتفسير القوانين وبدأنا نلعب حركات انتخابية تفقد السلطة قدرتها على تعيين المدراء والزملاء والسعاة والمواطنين، لكن السلطة المتآمرة جعلت ولاية المدير القادم أمرا سريا، فانحرفت قدراتنا فى اتجاه أخر.

مرت أسابيع نضع فيها خطط اغتيال لكل مرشحى السلطة، فى احدى الخطط الرائعة اقتصر دورى على انتهاز فرصة ركوب أحد المرشحين لأتوبيس العمل، وبالتواطؤ مع السائق يقترب الأتوبيس مسرعا نحو حافة البحر، من الباب الأمامى أتولى دفع جثة المرشح نحو الماء، هكذا ننجز الخطة ونقنع السلطة بأن موت هذا المرشح راجع لرغبته العارمة فى عبور البحر سباحة بملابسه الكاملة.
وصلنى الأتوبيس يحمل السائق يرافقه مرشح سلطة واحد، جلس المرشح متطوعا على الكرسى المجاور للباب الأمامى، دخلت الأتوبيس مسترجعا دعوات الجماهير لى بالتوفيق، احتفيت بالمرشح وتحسست ملابسه الجديدة، جلست خلفه مباشرة مع تنبيه السائق على السير بهدوء، تحرك الأتوبيس متلصصا يقطع الطريق بمحاذاة البحر، وحين تناغم هدوء السائق مع انسيابية عجلة القيادة أطرقت رأسى مغمض العينين أسترجع الخطة وأنتظر الفرصة واستحلب بطولات سيشيعها الزملاء عنى.

تجاهلنا حديثا عابرا للمرشح يذكر فيه مساوئ المدير القديم، فجأة انتبهنا لحديث طيب من المرشح باعتباره المدير القادم، أخذ يضع خططا لإصلاح الأحوال على أيدى الممتازين من أمثالنا، وعدنى بأن أكون ساعده الأيمن وكاتم أسراره، ووعد سائق الأتوبيس بترقية إلى سائق جناب المدير، وحين ظهرت علامات الموافقة على وجوهنا أقسم المرشح بأن نحتفل فورا باتفاقنا من جيبه الخاص. نزلت من الأتوبيس منتشيا بالساعد الأيمن للمدير لأحضر مشروبات وحلوى، ونزل السائق متعاظما بسائق جناب المدير ليشترى علبتين من السجائر، كان محل البقالة بعيدا بمسافة كفلت للمرشح أن يقود الأتوبيس وينطلق دوننا.

Friday, July 25, 2008

تسابيح ثورية

لا أحد يكره التغيير، قليل من الناس هو القادر على أن يكون ثوريا، الأزواج يمارسون تدريبات يومية فى الطلاق والخلع، قليل منهم هو القادر على فعلة الزواج من جديد، الأولاد والبنات يتشاكسون على النواصى ومفارق الطرق ويرقصون على حواف العقوق والبر مع الأبوين والأهل والجيران، قليل منهم هو القادر على فعلة الاستقلال الذاتى، معظم الفقراء يسبون الأغنياء وكثير من الأغنياء يتآمرون على الفقراء، قليل منهم ينتقل طبقيا بين الفريقين دون ضجيج.

لا أحد من الأسوياء يكره التغيير، الثوريون السذج فقط هم الذين يرفضون تغيير ثوابتهم، إنهم يصنعون الثورة على أعينهم ويجعلون من أحداثها أصناما وأقانيم للتسبيح ووصم الآخرين بالعداء، فعل الثورة لديهم مقطوع آن فى الزمن، موصول فقط بشعارات تجرى على لسان قائدهم الأوحد وزعيمهم الملهم، يفدونه بالروح حين يسلبهم روح المبادرة تكريسا لفرديته، ويفدونه بالدم حين يمتص دمائهم تكريسا لخلوده، هكذا يعود الثوريون السذج إلى رجعيين جدد، وهكذا أصبح حال القيادات المصرية طوال ستة وخمسين عاما بدأ من ثورة يوليو 1952م.

سدنة ثورة يوليو والمرددون لعهودها أفرغوا أفعالها من كل فضل، ولم يتخلص ورثتهم من توجهاتهم أو أدبياتهم، كان مأمولا أن يصبح التعليم للمصريين كالماء والهواء ضرورة وطموحا لكنه الآن أصبح تعليما آسنا وملوثا، كان مأمولا أن يتحرر الاقتصاد المصرى من عناصر الضعف لكنه الآن أصبح اقتصادا تابعا تحكمه قواعد احتكار بغيض وعولمة غاشمة، وكان مأمولا أن يعيش المصريون فى ظل نظام حكم ديمقراطى لكنه الآن أصبح نظام حكم يعتمد حزمة من عيوب كل النظم، انه نظام ديمقراطى من غير أحزاب، ودينى من غير شرائع، وملكى من غير وراثة، وعشائرى من غير ولاء.

سدنة ثورة يوليو ليسوا هم جثث الضباط الأحرار وجثث تابعيهم فقط، إنهم أدمغة تكلست أفكارها عند عصر بذاته وعند ظروف بعينها، من أخطائهم فقدنا نحن المصريين بوصلة الطريق إلى مشروع قومى فى العلم والثقافة والاقتصاد، وتحولنا إلى مجتمع ممتلئ بالثقوب والرتوق، هكذا لا يبقى أمامنا غير جدل التعامل مع موضوعية العلم وإنسانية المعرفة أملا فى بناء مجتمع متحضر.

Friday, July 18, 2008

بلطيم .. القوقعة

برغم أننى صاحب عهد مليء بالصولات والجولات وبقايا البطولة ( لا يا شيخ)، أطلقت شاربى خمس مرات وفكرت دهورا فى مصاهرة أهل الحكومة (نفديك بالروح)، الا انه فى عهدى الميمون لم يحدث شيء جوهرى، لم يتغير نظام الحكم من أصحاب الشلة إلى أصحاب الذوق، ولم أر فنانا كمحمود مختار صاحب تمثال نهضة مصر، ولم أعرف مهندسا كحسن فتحى صاحب تصميم قرى الفقراء، ولم أقابل ماسك خزانة كيوسف بن يعقوب (نفديك بالدم)، ومنذ أيام زرت مصيف بلطيم على ساحل البحر الأبيض فلقيت عهد حكم يعكس على موظفيه ملامح تخلف مبرر ( يا جامد).

وسط مصيف بلطيم تجسدت صورة فساد عبقرى يجمع نفاقا للحكومة وتخلفا فى الحس الجمالى وامتهانا للعلاقات البشرية ( يا سلام) ، على جانب محشور فى ميدان النرجس أقامت إدارة المصيف تمثالا حجريا كبيرا لقوقعة بحرية هى مسخ من قوقعتين من النوع المنتشر فى البحر الأحمر، تمثال القوقعة لا هو قراءة لواقع ولا هو ابتكار تشكيلى، انه بقايا أحجار وسيراميك جمعت من أكوام زبالة، هكذا يكون التخلف فى الحس الجمالى ( يا فنان) وأسفل القوقعة لوحة معلومات تقرر انه فى عهد السيد رئيس الجمهورية وعهد السيد المحافظ وعهود آخرين، هكذا يكون النفاق للحكومة والحاكم ( يا متهور) ، قام بعض من صغار الموظفين والمقاولين بتصميم قوقعة ساذجة ووضع أسمائهم على لوحتها وهبروا نقودا أجازتها لوائح مالية متخلفة ولم يذكروا أسماء بقية المشاركين، هكذا يكون الامتهان فى اختزال العلاقات البشرية ( يا مثير الفتنة)، الأمر كذلك لأن الموظفين مقامات وأن المصايف حظوظ ( يا حكيم) .

مبادئ الذوق الجمالى تقرن الأعمال الفنية بأسماء مبدعيها وتاريخ وجودها دون ذكر أسماء مقاولى الأنفار من القيادات والتابعين ( اختصر)، والإسفاف الفنى والإدارى فى قوقعة بلطيم نواتج عهود من قيادات لا تملك توجها حضاريا وتسمح بانتشار ظواهر متخلفة على ارض مصيف بلطيم القوقعة ( يا فاضحنا)، من بينها ضوضاء مكبرات الصوت على دور العبادة والملاهى وانتشار القمامة فى الشوارع ونزول المنتقبات إلى مياه البحر وسط الجموع بنقابهن.

Friday, July 11, 2008

الطريقة .. بـلٌبَـص


أنا لا أكره فقط وزيرا يحنث فى قسم توليه الوزارة بأن يرعى مصالح الوطن، ولا أكره فقط صاحب مصنع يحتكر منتجاته ويخشى الحسد فلا يفصح عن مصادر دخله، ولا أكره فقط قائدا يخذلنا ويجعل رقبتنا مثل السمسمة خجلا وضعفا، أنا بالفعل لا أكره فقط ولكنى أكره وأحتقر هذا الصنف من القيادات يأتى لمنصبه بالتزوير والبهتان، أفعل ذلك باعتبارى لاعب كرة قديما يحب اللعبة الحلوة حين يصنعها محترف بالتدريب والتعب.
فى قريتنا ومنذ الصغر اكتسبت مهارات كرة القدم بالقيام بالمهام الخطيرة لحارس المرمى، ملعبنا نقيمه على أرض شارع أو على ساحة جرن حصاد أو فى زنقة من حارة، حين نفتقد الأحجار الكبيرة نصنع شواهد متحركة للمرمى من أكوام تراب وطوب وملابس اللاعبين، وقت مبارياتنا مفتوح ولا مانع من أن يشاركنا اللعب بعض العابرين من بشر أو بهائم، وللجميع الحق فى الرجوع عن قراراتهم متى رغبوا.
فريق حارتنا أبدع طرقا عبقرية للفوز فى معظم المباريات، طريقة تمنع دخول الكرة فى مرمانا بتحريك شواهد مرمانا تضيقا أو توسيعا ليعجز المنافس عن التسديد، وطريقة الصياح والقسم بأغلظ الإيمان أن الكرة لم تدخل مرمانا، الطريقة (بلبص) كانت هى الأفضل، نتحرش بملابس الفريق المنافس ونضيعها بقصد المساومة عليها، ( بلبص) هى عرى الفريق المنافس وفضيحته وتجريسه فى الشارع مقابل الاعتراف بعدد الأجوال التى نريد، كنا نلعب على أرضنا وسط أهل حارتنا وبالطريقة (بلبص) تقترب نتائج مبارياتنا من ثلاثين هدفا لنا مقابل خمسة أهداف للخصم، وتنتهى مبارياتنا بمعارك يشترك فيها اللاعبون والمتفرجون وعابرى السبيل، يتبادلون الإصابات بكرات غير مكتملة من حصى وطوب وطين وجلة ناشفة.
خبرتى مع فريق حارتنا إصابتى بالإحباط والأسى، حين نحصد نتائج مبارياتنا ينهال الجميع على رأسى بالشتائم والاستهانة بإمكانياتى الكروية، إذا فزنا يتهمنى الفريق المنافس بتحريك الهدوم فضاقت شواهد مرمانا وضلت كراتهم أهدافها، وإذا هزمنا يتهمنى فريقنا بتحريك الهدوم فاتسعت شواهد مرمانا واستقبل كرات المنافسين.
مع انتشار مباريات كرة القدم كثرت الأورام والتسلخات فى جسدى وانتشرت الرتوق فى هدومى واختزن العقلاء خبرة الطريقة (بلبص) لتجريس المنافقين والمرتشين والفاسدين.
مع كل البلاوى فى بلادنا، أرانى صالحا لقيادة حكومة أضبط سيرها على التحرش بهدوم كل مسئول على الطريقة (بلُبص)، المشكلة أن بعضهم سينبسط بضياع الهدوم.

Friday, June 13, 2008

فتاوى سكانية

فى مؤتمر السكان الذى عقد مؤخرا فى القاهرة، تم اكتشاف أزمة سكانية مصرية، يقول الخطاب الرسمى فى الدولة إن المصريين مسرفون فى الإنجاب والدليل ما أوحت به إحصائية سكانية تقرر انه فى عام 1960م كان عدد سكان مصر 26 مليونا وكان عدد سكان كوريا الديمقراطية 26 مليونا أيضا، وهذا العام 2008م بلغ سكان مصر 80 مليونا بينما بلغ سكان كوريا الديمقراطية 48 مليونا، بمعنى أنه فى نفس الفترة الزمنية زاد المصريون مرتين بينما زاد الكوريون أقل من مرة واحدة فقط.
ما حدث من زيادة فى أعداد المصريين ليس ناتجا بالطبع عن فحولة للمصريين رغم خضوعهم طوال فترة الإحصاء لحكم عسكرى يوحى لأصحابه أن الأشياء مضبوطة وتحت السيطرة، فالنظام العسكرى تسبب فى ضغوط اقتصادية وثقافية جعلت بين المصريين ما يقارب تسعة ملايين من العوانس تحت سن الخمسة والثلاثين، المصريون زادوا لأنهم لا يملكون علما كافيا يساعدهم على رفع إنتاجياتهم الاقتصادية ولأنهم يعايشون حكما غير ديمقراطي يقتل حريتهم فى الاستمتاع بما يجنوه من ثمار، فلو أن نظام الحكم ديمقراطى كانت الأربعين سنة الماضية كافية لإنتاج جيل ونصف الجيل من المتحضرين، وما حدث فى كوريا من زيادة سكانية مدروسة لم يكن عجزا من الكوريين عن التمتع بالحياة انه كان علما نتج عن نظام ديمقراطى يترك للناس حرية التمتع بالحياة.
يمكننى أن أقص رأيى فى الزيادة السكانية المصرية، بطريقة أخرى، أنجبت أمى تسعة من الذرية فى عين العدو، كانت عين العدو صفراء قليلا تبخ الحسد فشهدت بنفسى موت اثنين من خلفة أمى، هى سنوات أصبحت بعدها رجلا وأبا لأطفال صغار لكننى طوال الوقت اشتاق لعطف أمى، قبل موت أمى بأسابيع وضعت رأسى على رجلها قاصدا لثم بعض من عطفها، وحين سألتها كيف أنجبت تسعة من الأطفال بسهولة، لكزتنى فى كتفى قائلة إياك والحسد، يا ولدى عدد أخوتك اقل من عزوتنا، انه القليل جنيناه من فقرنا وقلة حيلتنا وتحايلنا على الأرزاق، يا بنى لا تسألنى عن خلفتى القليلة الممصوصة غلبا، اسأل عن خلفة الأغنياء والملوك، أنت لا تعرف أسرار الملوك ولا تدرك أعمال الأميرات، فى كل إفطار يشرب الملك عصير عشرة من الخراف الصغيرة تقدم له فى كوب من ذهب والملكة تشرب فى كوب من الفضة خلاصة سبعة طسوت مليئة بالعسل والقشطة، فى كل غداء يأكلون البط السمين والحمام المحشو بالفريك، وفى كل عشاء يأكلون سمك السردين الأخضر تتساقط دهونه على الأرز المعمر باللبن، وفى كل يوم يحلون بأطباق المهلبية وعشرات من أطباق الأرز باللبن، يشربون طول النهار الكركديه والحلبة والتمر الهندى البارد، إنهم يا ولدى يأكلون ويحلون ويشربون وينامون على شبع، إنهم ينجبون كثيرا من الملوك والملكات والعبيد الطيبين، هكذا تستمر تراتيل أمى أحلاما ويهدر طوفان عاطفتها على وجودى، وحين تلمس راحة يدها جبينى وتربت على ظهرى أستسلم لخدر أحلام بتناول أطباق من الكباب واللحم المشوى مع شوربة الدجاج البلدى.
كانت أمى – رحمها الله- مقتنعة بأن الله يحب الملوك أكثر ويمد لهم فى أعمارهم، هذه القناعة عجلت بموت أمى فقضت نحبها صغيرة قبل أن تكمل عامها الرابع والثمانين.
فى أول معركة دخلتها حول ارثنا الدموى اختلفت مع إخوتى فى تفسير حكمة أمنا المرحومة، يا أولادى إن الفقراء يثورون بالإنجاب فى وجه الأغنياء، وحين أجهدت نفسى فى التعرف حكمة أمنا أخبرنى حافظوا التاريخ والأنساب أن أمى لم تدرس فى معاهد حزبية ولم تمارس مراوغات أهل السياسة، كانت أما برية تحب الحياة وتكره من يصنعون الموت، فانطلقت أهيم على وجهى فى كل الأرض متوحدا مع طريقتى فى الفهم أفسر كيف يزيد الشعب المصرى، إن ملوكنا وملكاتنا يأكلون طوال اليوم كثيرا من لحم طير وما يدعون من ورق عنب محشى وفول غارق فى الطحينة والسمن البلدى، وفى كل مساء يأخذون أدوية ومقويات وأصباغ تعطيهم الشباب والعافية، ويبقى كثير من المصريين مقتولا بالموت دون خرقة قماش يستر بها نفسه ودون مضغة عيش يبحث عنها فى بقايا الأغنياء، هكذا يتزايد فى بلادنا سكان القصور يمنحون فضلهم لكل من يذكرهم بخير، ويبسطون علينا قدراتهم الخارقة بأنا صائرون إلى ثلاثة فصائل، فصيل طاغى من ملوك وملكات يورثون أمراء وأميرات، وفصيل من الغلابة تصيبهم سياسات الحكومة بالعنة والعقم وفصيل مطحون من العبيد ينجبون فقرا ولا يورثون أحد.
ليس صعبا على الغلابة فى بلادنا أن يفهموا فتاوى السلطان فى موضوع الزواج والطلاق وكيد النساء، الصعب هو أن يحرموا من غرائزهم الجميلة، فتاوى أهل السلطان فى طرق الزواج العلنية لم تثمر شيئا، زواج المتعة والمصالح والسياسة والأعراف والمسيار والمحيار والنص نص والبوى فرند، (ما معنى المحيار والبوى فرند) كلها فتاوى جلبت على الحكومة هما إداريا ونكدا سكانيا وتخلفا ثقافيا، فهل لدى أهل السلطان من يصنع فتوى تحل مشكلة الحكومة مع الإدارة وتحل مشكلة التوازن الثقافى للغلابة، أريد فتوى تبيح زواجى من بعض ما ملكت يمين الحكومة من العوانس؟ هن تسعة ملايين مصرية يعشن واقع العنوسة، أريدها فتوى تكفى للزواج من ألف عانسة جميلة، وبرغم قدرتى على الكلام وطموحاتى فى الفعل إلا أننى أعد أهل الحكومة بالبقاء حيا دون إنجاب.

Saturday, June 07, 2008

مقامك يا مكرم عبيد

المنصفون لتاريخ المناضلين يقولون عن مكرم عبيد انه مسيحى مصرى، كان رمزا لتمازج المصريين بكل دياناتهم، قام بدور شيخ العرب فى الصلح بين جيرانه من مسلمين حين تعاركوا فى قنا جنوب مصر، كان خطيبا مفوها ومحاميا نزيها وسياسيا محنكا وصفه بعضهم بأنه ابن سعد زغلول الزعيم الشعبى لثورتنا نحن المصريين فى عام 1919م.
هذا المكرم المثير للفخر تذكرته يوم الأربعاء الماضى، الرابع من يونيه 2004م، حين حضرت ندوة عن الحريات الدينية فى مصر، ففى الندوة رأيت احد المحامين يحمل لقب مستشار يجلس على المنصة ليعرض على الحضور ووسائل الإعلام بعض القضايا القانونية المتعلقة بتغيير مواطنين لدياناتهم من المسيحية إلى الإسلام أو العكس.
حديث هذا المستشار أصاب كثيرا من الحاضرين بالإحباط، جلس على المنصة يحاضر لمدة تجاوزت ثلث الساعة، قرر بإرادته أن يكون حديثه إلينا باللغة العربية ومع ذلك كثرت أخطائه النحوية فبدا سقيم اللغة، ينصب الفاعل ويضم المفعول ولا يعرف نطق الجار والمجرور، وحين تكلم مرات قليلة باللهجة العامية ظهر للحاضرين أنه أقل إحباطا.
أمر المستشار زادنى إحباطا حين حصلت فى الندوة على كتاب قام بتوزيعه علينا دعاية لشخصه كمحامى، اقتصر الكتاب على ذكر عروض ودفوع قانونية عن حرية الانتقال بين الأديان تضمنت نصوصا دينية وشعرية، وحين تصفحت الكتاب وجدته يضم كثيرا من الأخطاء اللغوية.

إنها مأساة ثقافية وحضارية أن يتولى أحد مهام القضاء أو المحاماة من لا يعرف استخدام قواعد اللغة العربية الفصحى قراءة وكتابة ولا يجيد استخدامها فى المحافل العامة.
اللغة العربية هى لغة القانون المكتوب السارى بيننا، وإهمالها فى صورتها البسيطة خصوصا من المثقفين يؤدى لنتائج سلبية خطيرة على مستوانا الثقافى وتوجهنا العقائدى وتقدمنا الحضارى، فلو أننا كتبنا جملة عربية مثل ( إنما يخشى الله من عبادة العلماء)، واخترنا بين طريقتين لنطق الجملة المذكورة، الأولى أن ننصب لفظ الجلالة الله بالفتح، وهذا يعنى لغويا أن لفظ الجلالة الله مفعول للخشية من العلماء وبالتالى يمكننا التمهيد لقبول نظريات فلسفية ترى بالجبر وأن البشر حريتهم مقيدة وتخضع فى تقييمها لشرائع دينية سماوية، وأمامنا الطريقة الثانية أن ننطق لفظ الجلالة الله مرفوعا وهذا يعنى لغويا أن لفظ الجلالة الله هو فاعل الخشية تجاه العلماء وبالتالى يمكننا التمهيد لقبول نظريات فلسفية تنادى بحرية البشر، أفعالهم حرة من صناعتهم وتخضع فى تقييمها لشرائع وضعية أرضية، هكذا تكون الفروق الفكرية كبيرة بين معنى اللفظين باختلاف النظريات المصاحبة فى مجال الفكر والتطبيق، ولدينا قول شائع فى البدء كان الكلمة، ويكون البدء بنطق الكلمة وجود دال على توجهات صاحبها.
بداهة أن من يعرف قواعد اللغة وتستقيم له ادواتها هو أكثر قدرة على توصل صحيح وجه نظره للآخرين، ومن يختلط عليه الأمر ولا يبالى تختلط وجه نظره على الآخرين، وعليه فإذا اعتبرنا أن اللغة العربية هى لغتنا القومية، باعتبارها وعائنا الرسمى لفكرنا المكتوب وثقافتنا المتداولة، وأوكلنا مهمة قراءة وتفسير وتفعيل القوانين الحاكمة المكتوبة بلغتنا القومية إلى من يجهلون ابسط قواعد كتابة وقراءة هذه اللغة فانه يصبح منطقيا أن نرى عجزا ثقافيا عن فهم وتفسير القوانين السائدة، ويصبح من السهل أن نجد المتهم البريء والقاضى المنحاز والمحامى الأفاق.
لأننا نعانى تخلفا حضاريا كبيرا يحاول البعض منا البحث عن طرق للخلاص، هكذا انتشرت بيننا نزعات تطالب بلغة قومية تستوعب متطلبات العصر، بعض المحافظين يرى أن اللغة العربية هى لغتنا القومية وتحمل فى وجودها قداسة دينية، هذا البعض يعلن أنها لغة رحبة قابله لتحسين تناولها فى المدارس والجامعات ووسائل الإعلام وبالتالى على المستوى الشعبى، وبعض آخر يرى أن اللغة العربية لا تحمل قداسة إلا فى شعائر دينية معينة، هذا البعض يعلن ضرورة التخلى عن العربية الفصحى واستبدالها بلغة جديدة، ربما تكون لغة انتشرت إعلاميا مثل اللهجة العامية لسكان القاهرة أو لغة ماتت على جدران الأهرامات والمعابد كالفرعونية أو لغة انحسرت فى قلايات الرهبان ومذابح الكنائس كالقبطية، قليل آخر يرى أن اللهجة العامية المصرية الأكثر شيوعا إعلاميا وهى لسان أهل القاهرة المعاصرين هى اللغة المرشحة لأن تكون لغة قومية، هكذا فى حالات الضعف الحضارى تتناثر اللغات بين الأديان والجماعات العرقية.
إن الإعتساف بإحياء لغة لا يجعل منها لغة تفى بمتطلبات العصر، فإحياء اللغة الفرعونية دعوة تتضمن احتباسا فى قوقعة حضارية، وأن إحياء اللغة القبطية دعوة تتضمن احتباسا فى قوقعة دينية، وأن تغليب اللهجة العامية لفريق أو جماعة هى دعوة احتباس لغوية تغلب الفرع الضيق فى اللهجة على حساب الأصل الموجود فى الفصحى والأكثر اتساعا.
أمامنا مثال على الإعتساف فى إحياء لغة ضيقة الاستخدام كادت أن تموت، انه مثال إحياء اللغة العبرية فى العصر الحديث فبرغم كل الجهود الدينية والسياسية وإنشاء دولة إسرائيل إلا أن عدد الذين يستخدمون العبرية الآن فى حياتهم اليومية داخل إسرائيل لا يزيد عن خمسة ملايين إنسان بما يقارب ربع عدد يهود العالم، إما باقى اليهود خارج إسرائيل فلا يستخدمون العبرية إلا فى إقامة بعض شعائرهم الدينية، هكذا يصبح من المتوقع أن ينتهى أمر اللغة العبرية إلى لغة شعائر للمتدينين اليهود فقط، وهناك جانب آخر أن النسب الإحصائية للناطقين بالعبرية تتناقص باستمرار بسبب الانفجار السكانى والحضارى والمعرفى للغات الأخرى.
إن أمر إيجاد لغة قومية أخرى للمصريين مازال فى دائرة الممكن، وحتى الآن مازالت القوانين والمذكرات والشروح التفسيرية والأحكام تكتب بالعربية الفصحى، والى أن يتغير ذلك فانا أطالب جهازنا القضائى، حفاظا شكليا على هيبته ومصداقية موضوعية على نزاهته فى فهم القوانين، بأن يضع شروطا أولية لمن يشغلون مناصبه من قضاة ومستشارين ومحامين، أن يحسنوا استخدام صحيح اللغة العربية فى أحاديثهم العامة وكتاباتهم المختصة بأحوالنا القضائية، وان يتمثلوا إجادة استعمالها فى المحافل العامة.
الآن على أن أعلن الهتاف، أين انتم يا أهل القضاء المصرى؟ وعينا القومى فى حاجة إلى أمثال القاضى مصطفى عبد الرازق ووحدتنا الوطنية فى حاجة إلى أمثال المحامى وليم مكرم عبيد ودستورنا فى حاجة إلى أمثال الفقيه عبد الرازق السنهورى، ونحن جميعنا مطالبون بإحياء لغة قومية عصرية تحمل طموحاتنا نحو المستقبل.

Monday, June 02, 2008

حين يصبح الغباء إرهابا

يبدو لى أن إدارة جامعة المنصورة لا تكرهنى بصفة شخصية، فأنا مازلت موظفا لديها نتبادل حقوقا وواجبات وظيفية على مضض وتحكمنا لوائح بقوانين، يبدو واضحا أننى ما زلت أقبح قليلا من مئات الموظفين فأجد أنصارا يؤيدون توجهاتى، وأننى ما زلت أجمل كثيرا من بعض القيادات الجامعية فأجد أعداء يتربصون هفواتى، ويبدو لى أيضا أن إدارة الجامعة تكره الفهم الواعى لروح القانون ولا تصاحب مبادئ الإدارة الرشيدة تجاه موظفيها، من أجل ذلك تم تحويلى الأسبوع الماضى لتحقيق إدارى.

قصتى مع التحقيقات الجامعية بدأت بتراتيل ساذجة من الأفكار والأحاسيس المتداولة، كانت البداية مع استلامى العمل موظفا فى الجامعة، رأيت قطيعا من البشر ليسوا فوق مستوى الشبهات يحتكمون إلى قوانين مطاطة تسمح لذوى الأهواء أن يحققوا مآربهم، هذا القطيع افرز قيادات جامعية غير منتخبة تمارس عملها دون حد الكفاءة بكثير، وحين شاع ذلك خرجت شهادات علمية مضروبة وظهرت قرارات إدارية تغازل الهوى الشخصى وتسعى لتحقيق منافع فردية على حساب المجموع، وأغمض الأفراد عيونهم على كل مفسدة لا تمس مصالحهم الشخصية ولم يبق من العمل الجماعى للضعفاء غير تدبير المكائد والاكتفاء بالغيبة والنميمة، أنا ظللت معظم الوقت مثل بعضهم خارجا عن القطيع.
منذ فترة فاحت فى جامعتنا روائح الشهادات العلمية المضروبة بالتدليس والعلاقات الأسرية فلمحت فى بعض كتاباتى عن المحروس ابن الوٌز فى الجامعة الذى يستطيع فوق العوم أن يطير ويغطس ويسير على كل الحبال فيحصل على الدكتوراه فى اقل مدة قانونية ممكنة قافزا فوق عشرات من العوائق توضع أمام أقرانه الأفضل منه علميا وخلقيا، وكتبت عن محروسة تدعى أن خالها من كبار القوم، تدخل الخال لصالحها فقضت حوالى أربعة عشر عاما متصلة للحصول على درجة الدكتوراة مع بقائها طوال هذه المدة معاونا لهيئة التدريس بالجامعة، علما بأن القانون المنظم قد نص على أن مدة التسجيل والحصول على الدرجة العلمية لا تزيد عن خمس سنوات بعدها يلغى التسجيل ويحول معاون الهيئة إلى وظيفة إدارية أخرى، أى أنها قضت حوالى تسع سنوات مع منتفعين ساندوها فى التدليس لتعطيل نص قانونى، والأظهر فى وقائع التدليس أن لجنة المناقشة العلنية رفضت صلاحية رسالتها للحصول على الدرجة حين نوقشت رسالتها علنا أول مرة إلى أن عاودت المناقشة بعد عام كامل لتحصل على الدرجة العلمية بعد أن استوفت زورا وتواطئا ما طلب منها.

منذ أكثر من عام آثرت أن أبادر بهجوم موضوعى مارسته بالكتابة والنشر واللسان على فضائح أخلاقية وعلمية ارتكبتها مستويات قيادية مختلفة فى الجامعة، بدءا من قرارات المجلس العلمى وإدارة الكلية وإدارة الجامعة، وحين أسمع هجومى من به صمم اكتشفت بعض القيادات أننى أحد النعاج الخارجة عن القطيع وأننى هو المزعج المطلوب الرقبة ذبحا على موائد التقرب من السلطة، هكذا بدأت تتواتر قصصى بين السابلة وأولاد الشوارع مع التحقيق الإدارى والقتل الوظيفى والاغتيال المعنوى وتشويه السمعة.

بعد أن وضعت يدى فى عش المدلُسين، كان منطقيا أن تأتى فرصة مختلقة ويتم اتهامى بتهمة السب والقذف من المحروسة ذات التسعة أعوام من التدليس العلمى، هكذا ذهبت للنيابة العامة مشكوا فى حقى بفضل تدليس بعض الزملاء، وبعد أيام من الإرهاق أمام النيابة طلبت المحروسة التنازل عن دعواها تجاهى بشرط أن أوقع على إقرار يفيد تعهدى بعدم القيام بالتدريس لمادة علمية معينة لطلبة الكلية، وحين توجست أنا خيفة على علاقتى بالكلية، أوضح لى وكيل النيابة أنه إذا تعارض نصان أحدهما خاص والأخر عام تكون الحجية للنص العام، مثال ذلك أن النص الخاص يسمح للرجل المسلم أن ينكح ما طاب له من النساء أما النص العام فانه لا يجوز للرجل المسلم أن يجمع بين الأختين، والنص العام هو الملزم بالتطبيق.
حملت المحروسة ورقة التصالح إلى مجلس القسم بالكلية قاصدة تغليب أمورها الخاصة تجاهى على المصلحة العامة تجاه طلاب الكلية، وبرغم توقيعى على الورقة إلا أن القسم العلمى استمر فى تكليفى بأعباء علمية بالتدريس لطلاب الكلية، ولأن الأمور تسير لدى البعض بمنطق معوج رفعت المحروسة شكوى جديدة ضدى وضد القسم العلمى إلى عميد الكلية، تشكونا عدم الامتثال إلى رغباتها المريضة، وحين توجست الشاكية إبطاء من العميد ذهبت لأكثر من صحيفة تحمل أوراقا وتتصل بطلبة وطالبات وتقص علي صغار الصحفيين حكاياتنا، كانت تقص حكايتنا بحرقة كامرأة عانس أصابها فشل فى ثلاث زيجات وتسأل طوب الأرض عن زوج رابع.
وصلت شكوى المحروسة إلى عميد الكلية، وجريا على عاداتنا فى استعذاب وقائع التخلف، الاحتفاظ بسلوك الصغار، التشدق بالعلاقات الخاصة، اختراع العلاقات الكبيرة والاستيلاء على المناصب القيادية بالمحسوبية دون كفاءة، التوارى خلف الكراسى لاقتناص الفرص دون مواجهة موضوعية، كل هذه الصفات جعلت عميد الكلية يسلك طريقا يبعد عن المواجهة معنا، احتفظ بالشكوى مدة طويلة ثم حولها لإدارة للجامعة، هكذا يمكن تفسير سلوك العميد نحونا، إن سلوكه ليس نكاية فى شخصى أو تشفيا فى إدارة القسم العلمى أو إصلاحا لحالة مرض وظيفى بين أعضاء هيئة التدريس، انه سوء تصرف وجبن إدارى.

حين وصلت الشكوى إلى إدارة الجامعة ابدى المستشار القانونى كثيرا من التحفظ عن إجراء تحقيق فى غير ذى موضوع، ومع ذلك طلبت الإدارة تحقيقا معى ومع رئيسة القسم العلمى، وحين استدعى المحقق ثلاثتنا للتحقيق، المحروسة وكل من رئيسة القسم وشخصى، اعتذرت المحروسة عن الحضور، أثناء التحقيق معى رأيت فى عينى المحقق عبثية الشكوى وأنه يضيع وقتا لا طائل من ورائه فى إصلاح الأمور غير انتظار المقابل المادى يتقاضاه مكافأة عن كل تحقيق يجريه، وربما يكون التحقيق إجراء أوليا وقت اللزوم يسبق الاستعداد لإخراج أشياء من باطن الأوراق ربما تضعنى متهما بالخروج عن الآداب العامة أو على الأقل إشاعة التمنى بتغيير نظام الحكم، وكذا ظهر لى أن موقف إدارة الجامعة ليس منفصلا فى سذاجته الإدارية عن موقف عميد الكلية.

فى العام الماضى جرى تحقيق معى فى اتهامات رفعها ضدى رئيس جامعة سابق وساعده عميد كلية حالى، كلاهما عندى ليس فوق مستوى الشبهات وكلاهما عندى لا يعرف قدر الرجال، وانتهى التحقيق دون عقوبة قانونية تقع على.
فى الأسبوع الماضى بدأ تحقيق جديد لا أعرف نتيجته، وما زلت أحمل بعضا من أسئلة صماء أحاول العثور على إجاباتها، هل يجوز لى من باب السخرية أن أشعر بأن إدارة جامعة المنصورة تكرهنى؟ فأدعو بحرق القيادات الغبية التى لا تعرف الحب، وهل يجوز لى من باب الآسى أن أتساءل، كم هو حجم الغباء الإدارى يلاحقنا؟ فأطالب بانتخاب قيادات تعرف الفصل بين الغوغائى وبين العصامى، وكم هو حجم الإرهاب بالغباء يهددنا؟ فأطالب بتغيير ثقافة التواطؤ مع العقول المريضة.

Monday, May 26, 2008

بلاغ .. عن كتاباتى

منذ أكثر من عشر سنوات وأنا أكتب مقالات فى مجلات وصحف مصرية، وكتبت قليلا على مواقع عربية، صحيفة القدس العربى وموقع إيلاف الالكترونى وموقع المصريون، إلى الآن تجاوز عدد المقالات المنشورة باسمى أكثر من خمسمائة مقال بمعدل يقترب من مقال واحد أسبوعيا.

طوال هذه الفترة وجدت المقالات التى أرضى عنها لا تتجاوز المائتين وخمسين مقالا، جميعهم كتابات أفاخر بها نفسى لجمالها وجدة أفكارها، هكذا أنا راضى عن نصف أعمالى المنشورة خصوصا أن نصفها الآخر به مقالات خضعت لإعادة صياغة أو إعادة نشر، هذا الفارق بين ما ينشر من كتابات بإسمى وبين ما أرضى عنه منشورا يعود بعضه لقيود الصنعة والمهارات الحرفية المتاحة فى المطبخ الصحفى ويعود بعضه الآخر لقضايا الرقابة على النشر الصحفى ومشاكل حرية الرأى.

لأننى إنسان مصرى، مخلص لأرائى، جميل فى وجودى، بسيط فى معاملاتى، أحب مصر، أميل فى كتاباتى للأسلوب الأدبى، أحاول الابتعاد عن تسطيح الأفكار وسذاجة اللغة، بافتخار أمارس مهنة العمل أستاذا جامعيا، كل ذلك أبعدنى عن تعاطف التيار الغالب فى صناعة الجماعة الصحفية المصرية.

خلال سنوات من الكتابة أصابنى كثير من مشاكل النشر الصحفى، أجهد نفسى لأكتب مقالا متكاملا فأجد محررا فى صحيفة، ولأسبابه الخاصة، يفسد جهدى بالجور على مقالاتى فأتوقف عن الكتابة، هكذا واجهت بعض مقالاتى حذفا غير منطقى ونشرا دون توقع مثل صحيفة الأخبار، وحذفا حسب المساحة مثل صحيفة العربى الناصرى، واستبعادا حسب الهوى والإهمال مثل صحيفتا الوفد والدستور، وأصابنى الضجر من أسلوب كتابة تراتيل محفوظة للموتى مثل صحيفتا الأهرام والأهرام المسائى، وصدنى فقر عدد القراء بفقر أعداد التوزيع فوجدتنى أكتب لمئة قارئ على الأكثر مثل صحيفتا الأحرار ونهضة مصر، واستشعرت المطالبة بهتافات وشعارات لا أرضى عن أسلوب تناولها، مثل صحيفتا الأهالى والبديل.

كل ما نشرته من مقالات كان بدون مقابل مادى باستثناء ما نشرته فى صحيفة القاهرة برئاسة تحرير صلاح عيسى، وما نشرته فى مجلة الثقافة الجديدة برئاسة تحرير سامى خشبة، وهما مطبوعتان لوزارة الثقافة المصرية.

منذ عام ونصف تقريبا فى نهايات عام 2006م وجدت مخرجا رائعا للنشر، قررت أن اقيم مدونة على فضاء النت محاولا
الاستفادة من المزايا الجديدة للنشر الإلكترونى، واخترت اسما للمدونة يحمل كثيرا من صفاتى ككاتب أحاول طوال الوقت أن أنجو بحمامة أفكارى من تعسف الرقباء، هكذا اخترت اسم ( شوف الكلام ) عنوانا لمدونتى هنا وأعتبرها جريدتى الخاصة، أضع فيها بعضا من كتاباتى محافظا على نسق معرفى يرى فى المدونات نوعا حديثا من الصحافة.

المدونات باعتبارها صحافة حديثة تتيح لأصحابها أن تعبر كتاباتهم أكثر سرعة وآمانا نحو قرائها قافزة فوق حواجز جغرافية وبؤر اجتماعية وعوائق ثقافية، خصيصة العبور السريع والآمن هذه تجعل من المدونات الصادقة أداة فعالة لتحقيق كثير من أغراض الإعلام الراقي.

قناعتى بدور المدونات كصحافة حديثة جعلتنى أضع على مدونتى هنا ( شوف الكلام ) أراء أقتنع بها وأدافع عنها، لا أبنى أرائى على إسفاف أو غوغائية، لا أميل لمغازلة سلطة أو حزب سياسى أو جماعة عرقية، لا أسعى نحو قارئ بعينه، أنا اكتب ياسر العدل المصرى بما يحط عليه من أتراح وأفراح، وأغازل ياسر العدل المصرى بما يعانيه من آلام وآمال ووقائع حياة.

فى الأسابيع القليلة الماضية اتصل بى صحفيون، تحديدا فى موقعين إلكترونيين وصحيفة يومية، لأكتب مقالات لصحفهم، وبحديثهم معى اكتشفت أنهم يمارسون معى حساباتهم القديمة فى النشر الورقى ويتجاهلون ما يحققه فضاء النت من حرية ومنافع لأصحاب الأقلام الجادة.

الآن، هذا بلاغ لمن يهمهم الأمر، أنا أعرف أننى أكتب بأسلوب جميل تباطنه سخرية راقية، وأعرف أن قرائى ليسوا من السذج أو سابلة الطريق، أكتب على فضاء النت دون شروط فى مدونتى هذه
( شوف الكلام ) وأكتب دون شروط فى موقع (الحوار المتمدن )، وعليه فمن يريدنى أن أكتب مقالا خصيصا له فشروطى واضحة، عليه أن يلتزم معى بوقت محدد ومساحة محددة، وأن ينشر كتابتى دون تعديل، وأن يدفع مقابلا ماديا أراه أنا مناسبا، ومن لا يرضى بشروطى فيمكنه أن يأخذ ما يريد من كتاباتى المنشورة على فضاء النت شريطة الإشارة إلي باعتبارى صاحبا للنص.

Wednesday, May 21, 2008

دعوة للثقافة .. بشروط

مشكلتى مع الأنشطة الثقافية فى بلادنا أننى أعانى من عزلتها عن جمهور المستهلكين، فليس فعل الثقافة اختصاص للنخبة أو استعراض أمام الأصدقاء وبالطبع هى ليست المصدر الأوفر للثراء المادى، لذلك حين وصلتنى دعوة إعلامية عن بعض الندوات الثقافية بالمجلس الأعلى للثقافة بدار الأوبرا بالقاهرة، أجبت على الدعوة بالرد التالى:

الأخ المسؤول فى المجلس الأعلى للثقافة،
نحن الموقعين أدناه ، نشكركم على إعلامنا عن نشاطات المجلس الأعلى للثقافة فى مصر، ومع شكرنا تبقى فى الحلقوم كلمة ولكن،

نحيطكم علما بأن من يحضرون أنشطة المجلس ينتمون إلى واحدة من ثلاث مجموعات:

الأولى ، محظوظون يرمون بالكلمتين العسل على أسماع الحضور وفى النهاية ، وبعد التحقق من كلامهم وأخذ صورة بطاقة الرقم القومى ، يحصلون على مظروف بداخله بعض من دنانير الوالى

الثانية ، أصحاب المحظوظين من الأصدقاء والجيران وأولاد الحلال الساعين فى تسميع الناس بفضل أصدقائهم وحظوتهم بالجلوس فى قاعات مكيفة وكراسى أحيانا وثيرة

الثالثة، أناس ليس لهم أحد فى المجلس، يهربون من الزوجات والعيال وسخف وسائل الإعلام وغلاسات صبية المقاهى ، ويطمعون فى نسمات هواء وكلمتين حلوين فى قاعات المجلس قاصدين أن يرفعوا قدراتهم على الصبر واحتمال سخافات الجميع

نسيت أن أذكر أن هناك مجموعة رابعة مستقلة عن باقى المجموعات، مجموعة البصاصين والعسس وأكلى لقمة القاضى والعاسولج وبعضا من طعام الفرنجة والعجم

الأخ المسؤول فى المجلس الأعلى للثقافة
أنا الذى هو عضو فى مجموعة من ليس لهم أحد فى المجلس
فى كل مرة أقترب بسيارتى من بوابة حرم المجلس ينظر لى حارس البوابة نظرة إرهاب كأننى قاتل أبيه الوحيد ويتبعه موظف ملتزم يمسك بدفتر يلم بموجبه الخراج ، يصر الحارس والملتزم على أن أدفع لهما رسوم ما يسمونه - الباركنج .. سعادتك يا باشا –

وعلى الفور يبدأ الفصال، هما يتلصصان وأنا أغمغم وأرغى متهربا من نقود الخراج قاصدا ساحة الباركنج، ألقى بابتسامة فوقية للحارس وأدعى للملتزم قاصدا ومتمنيا - أنا مباحث أمن دولة صحفى وداخل المجلس فى طلب الباشا-

أحيانا تنجح خطة التمويه وأفلت منهما تدفعنى تطويحة يد من الملتزم إهمالا لشأنى ويتهامس مع صاحبه – اتركه يغور .. الغلاسة ظاهرة عليه-

هكذا أحضر القليل جدا من ندوات المجلس، وغالبا ما ينكشف حالى من الادعاء فتتصلب أرائهم عند وضعى أمام اختبار صعب، أقارن بين تكلفة الدخول إلى المجلس وبين تكلفة شراء كتاب، غالبا تنتصر المقارنة لصالح الكتاب الذى لا أشتريه، ويصبح لائقا أن أنسحب كسيف البال وأعود للزوجة والأولاد دون ندوات بالمرة، هكذا تكون الغلبة للفقر والفقراء ويبقون بعيدا عن نشاطاتكم
الأخ المسؤول فى المجلس الأعلى للثقافة، الله يرضى عليك

نرجوك، كلم لنا الناس الكبار لينزلوا بالندوات الى الشارع ، أو على الأقل كلم لنا الباشا صاحب الكارته ليتوقف عن أخذ الثلاثة جنيهات رسم الدخول على الواحدة من سيارات وعربات رواد الندوات - وثق انه لن يتعب فى التعرف على أمثالنا من الغلابة الشارعين فى الثقافة، عرباتنا أكفان بسيطة يركبها عدد مهدود من الأصدقاء فى الثقافة غير القادرين على السير او ركوب الحافلات او ملاطفة سائقى التاكسى، ان عملية فرزنا بسيطة، الغلب واضح على سحناتنا وأنت عارف أن الثقافة فى بلادنا لا تسمن ولا تغنى من جوع
التوقيع
هذا الكتاب مهره لجنابكم ياسر العدل، واحد ليس له أحد فى المجلس

Wednesday, May 14, 2008

أنا عاوز أتجوز

دروب حياتى الرائعة أوصلتنى إلى علاقة أقمتها مع نصف صديق، أحيانا أمارس معه علاقة نصف صديق وأحيانا أمارس معه علاقة نصف عدو، انه موظف حكومى يقاربنى سنا ومن أهل حَيٍنا، لقيته على عربة الفول المدمس الرابضة على أول شارع بيتنا العامر، على مدى شهور من اضطهاد زوجاتنا وطردنا خارج البيوت دون إفطار تناولت مع هذا الموظف عشرات من أطباق الفول مع البصل والباذنجان المخلل والخبز البلدى وقصص الثورة وفلسطين والمرتبات وفساد الأنظمة، هكذا اجتمعت فى هذا الموظف كآبة جميلة تجسدت فى ملامح نصف صديق ونصف عدو.

صباح أمس وعلى ناصية الشارع التالى لبيتنا العامر لقيت هذا النصف صديق هامًا بالسير متجها إلى عربة الفول كى يحصل على مكانة المفضل على طرفها الأيمن الغربى فى مواجهة شمس الصباح وبجوار وعاء البصل الناشف والفلفل الأخضر، مشية نصف الصديق لا تخفى بعض آلام الساقين ومشيتى لا تخفى بعض آلام الظهر والكتفين، وحين لحقت به أخبرته بأننى بدأت منذ يومين فقط العام الواحد والستين من عمرى المديد، عندها جاملنى بمجاملة باردة:
- كل سنه وإنت طيب يا باشا.
كان واضحا أن الصورة تتطلب أن أبدو سعيدا بمناسبة عيد ميلادى العظيم، لذلك أكدت لنصف الصديق إننى أرجو لكل إنسان كل الصحة وطول العمر وأن تمر أيامنا على خير، ثم أردفت مجاملا:
- وإنت بألف خير وسعادة.
انتبه نصف الصديق فجأة على أننى مشروع صديق له، وأننى أخبرته بحدث ميلادى العظيم، وأن شهر ميلادى ضم كثيرا من حوادث ميلاد مفزعة لزعماء وأفاقين وعلماء وصالحين وبعض الراقصات، فأبطأ الخطى واستدار نحوى ليظهر بعضا من الكرم والبشاشة تجاهى، طوح بكفه اليسرى يهز بعضا من وسطه ويخرق بإصبعه الوسطى هواء الكون المحيط بنا وقال :
- أرجو لك أن تصل للثمانين يا باشا . . هه هه
نظر لى الموظف الحكومى نصف الصديق بعين متوجسة كمن يتحسس صلاحيتى للحياة أصلا، وبانت حركاته أمامى حركات نصف عدو، فشهقت نصف هواء العالم ازفره فى وجهه، وحين شعر بأنفاسى تتحرك قال متهكما:
- يقولون الدهن فى العتاقى!!
أومأت برأسى مؤكدا له صدق المقولة ثم بسطت كفى اليمنى وعلقت على طبقة صوتى نبرة تحدى فاجعة وقلت:
- طبعا يا باشا . . الحمد لله الصحة تمام.
اقترب نصف الصديق منى وحط عينه فى عينى ووضع يده اليسرى على خصره ثم مال بأذنه نحوى، كنصف عدو قاصدا الاستماع إلى سر خطير، وتسائل بصوت واطئ:
- قصدى الصحة . . . تمام التمام !!
لم يترك لى فرصة للرد على تسائله بل أسرع يهز بعضا من وسطه ويطرح كفيه ورسغيه خلفا ويهز صدره كراقصه شعبية فى مولد عشوائى، ثم لوح بقبضه يده اليمنى وغمز بعينه اليسرى قائلا بصوت عال:
- تمام التمام؟ . . يا باشا !!
التقطت أنفاسى من متابعة حركاته وأجبته مؤكدا :
- تمام التمام ، وعاوز أتجوز.
صوب عينيه داخل عينى ووضع سبابته مشيرا إلى وجهى ثم مط وجهه وتسائل مستنكرا:
- إنت عاوز تتجوز؟
قلت له واثقا وكل وجهى ابتسامات تنم على التحدى:
- آه . . عاوز أتجوز . . بالعربى طالب زواج
انتظر برهة هز فيها جزءا من أسفل وسطه ثم أدار إصبعه تجاه شحمة أذنه متراجعا برأسه للخلف وابتسم ابتسامه خبيثة ويتلاعب باصبعه الوسطى ثم قال:
- قل لى بصراحة !! . . إنت عاوز تتجوز؟ . . وإلا انت عاوز تتجوز؟.
فى هذا الصباح الرائع نظرت للوحة كاملة رسمتها الحياة أمام عينى، نصف الصديق تتقاطع أجزاءه فى حركات مع الطريق والسيارات والبشر ويتناثر فى اللوحة ضوء الشمس والإضرابات وأخبار الجميلات وارتفاع الأسعار وصحراء الملوك وأزمة الغذاء العالمى وخطوات وئيدة لحمار صغير يسير بجوار حمار كبير ويجران معا عربة لجمع مخلفات البيوت، وتلتقى علاقات اللوحة عند أول الشارع حيث عربة الفول المدمس، فجأة تحوطتنى نظرات نصف الصديق وانثناءات خصره وتهكماته فقررت أن أرفع عقيرتى بمجون الواثق قائلا:
              - آه .. عاوز أتجوز.
نظر نصف الصديق إلى عينى وانفتح فمه عن ابتسامات تتشفى بمعرفة الأسرار قائلا:
- يا لــئيم.
توقفنا عن الكلام والابتسام ولم يجهد أحدنا الأخر فى تفسير ما هو المقصود باللؤم بيننا، وانطلقنا متجاورين لنصل إلى عربة فول المدمس، وصلنا متأخرين فلم يصب نصف الصديق موقعة المفضل على العربة، وحالت آلام الروماتيزم فى أصابعى بينى وبين كسر فحل البصل براحة بيدى، وتناول نصف الصديق طبق الفول المدمس خاليا من الشطة لإصابته بقرحة المعدة، هكذا تناولنا إفطارنا الشهى وسط جبل متوهج من النكات الفاضحة للأخلاق عن الرؤساء والخبزوالحكومات والفول والحمير وأهل الشمال وأهل الجنوب والنساء اللائى يمارسن الدلال على كل هؤلاء، وفى النهاية حبسنا طعامنا فى قلب المعدة بكوبين من الشاى المغلى.
حين تأكدت من اختفاء نصف الصديق عن ناظرى، أصابنى إحساس فاضل بحرية الكلام والحلم فانطلقت فى الشوارع مبتسما وضاحكا وضاجا وهازا كتفى وصدرى وكثيرا من أجزاء جسدى أبحث عن مشاريع الأصدقاء وبعض الأعداء لأطرح عليهم سؤالى العبقرى ذو الشطرين:
- إنت عاوز تتجوز؟ . . وإلا إنت عاوز تتجوز؟
ودون أن اترك لأحد فرصة للإجابة على الشطرالأول أو حتى التفكير فى الشطر الثانى أباغت المسئول بمحاولة الالتفاف حوله لأضع أصبعى الوسطى فى جنبه وأدغدغه قائلا:
- يا لئــيم.

Monday, May 12, 2008

انهم يأكلون سذاجة

وصلنى على البريد الالكترونى نشرة صحفية من موقع عربى يحاول أن يبنى مكانا للمعرفة العلمية بين قراء العربية، تقول النشرة الصحفية ما نصه ( مجلة ألمانية: الصلاة تضبط ضغط الدم ) وأرفق محرر النشرة صورة لرجل فى حالة سجود إسلامى، محاولا بالصورة أن يربط ربطا ساذجا وتعسفيا بين إنصلاح أحوال ضغط الدم وبين القيام بالصلاة فى طقسها الإسلامي، وكان لا بد أن أرد فى تعليق كتبته على الموقع لكن المحرر لم ينشر التعليق، ولأن الأمر جد مزعج وخطير على مستقبلنا الحضارى حين يسرى هذا التوجه المنهجى المتخلف فى إرشادنا وتعليمنا ، فإننى أضع هنا ذلك التعليق مع بعض التصرف قاصدا إبراز الفكرة الرئيسة:

عزيزى المحرر فى هذه الموسوعة العلمية، حرام عليك هذا التسطيح المتعمد لتأثير بعض الطقوس الدينية، المؤمنون يقبلون دينهم كحزمة واحدة من الطقوس تتضمن أعمالا وعبادات دون انتقاء، المؤمنون يؤدون طقوسهم الدينية لأنها عبادة فيها سيد يأمر وعبد يطيع، وليس لأن لها فوائد صحية أو اقتصادية أو أن القيام بها يترتب عليه أعباء وعذابات وكفارات عن ذنوب، المؤمنون يقومون بحزمة طقوسهم الدينية لأنها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغى وليس لأنها تصلح الظهر أو تقوى السمع أو ترفع الباه، هكذا يتناول المؤمنون تعاليم الدين وطقوسه.

عزيزى المحرر إن الصورة المصاحبة لنشرتكم هى لرجل يصلى صلاة إسلامية، بينما المجلة التى تقول إنها أوردت الخبر هى ألمانية، وكذلك الإحصاءات المؤيدة لرأيك تم إجراؤها مع أفراد أمريكان فى كنيسة إنجيلية ، هكذا لا صاحب الخبر ولا صاحب البحث بمسلمين ، إن صلاة ونسك أصحابك تختلف عن مثيلتها لدى المسلمين، وعليه فبأى دليل موضوعى تدافع أنت عن رأيك، أى صلاه تقصد أنت فى نشرتك حين تصفها بأنها تضبط ضغط الدم ، أتقصد الصلاة الإسلامية أم المسيحية أم اليهودية أم اللادينية ، وأخيرا الإحصاءات نفسها تقول أن عملية ضبط ضغط الدم هى أكثر إمكانية وتأثيرا مع أصحاب التقدم العلمى سواء أكانوا مؤمنين أو ملحدين.

يا أخى المحرر كفانا هذا الهراء والتخلف فى عرض المعلومات ، كفانا هراء يبثه قوم متخلفون لا يستطيعون اللحاق بالعلم والحضارة، كان أجدى بموسوعتك أن تصوغ الخبر بأسلوب علمى هكذا: ( الهدوء النفسى المصاحب للأيمان يساعد على تحسين ضغط الدم، أجريت إحصائيات على بعض المتدينين فكانت النتائج كذا وكذا)، صياغة الخبر على هذه الطريقة يترك فرصة لعقل القارئ كى لا يتوقف عند النصوص ويقارن ويفكر ويصل إلى قناعات ربما تعارض ما تريده أنت من مصادرات.

عزيزى المحرر نداء التحضر يدعوكم أن تبتعدوا عن هذا الهراء ولا تسردوا وقائع انتقائية تظهرونها وكأنها معجزات فوق مستوى البشر وهى ليست كذلك، إن ما تعرضونه على موقعكم بمثل هذه الشاكلة يتحول الى أوهام بالقداسة تعشش فى مخيلتكم فقط ، انتم تحاولون إنشاء موسوعة علمية أو هكذا أراها، فكونوا موضوعيين فى جمع معلوماتكم محايدين فى عرضها، ذلك بأن العلم نسبى يبنى على فروض ويقبل النتائج المترتبة عليها، العلم قائم على الجدل والحوار بين الفروض والنتائج ، هكذا ما يثبته العلم اليوم فى أغلبية قد ينفيه غدا فى أقلية أو يحمل له معنى مغاير، ولأن الحياة متسعة أحداثها ووقائعها فتعال معنا أيها المحرر إلى كلمة سواء هى منهج علمى يعلم يكشف ما استغلق علينا فهمه، كن جميلا موضوعيا لا تصادر على المعرفة بمقدساتك.
أخيرا أيها المحرر صاحب الموسوعة العلمية على النهج الآعلامى السائد، أنت لست وحيدا أو واحدا فى توجهاتك نحو تسطيح العقل العربى، نشاطك هو العملة الغالبة فى الإعلام العربى، فهناك أفاقون كثيرون يمارسون نفس وقائع التخلف الفكرى، بعضهم يقول بمعجزات فى بول الناقة وشخُة اليتيم وغائط المحروم، وأسماء وآيات على أنصاف حبات الطماطم والبلح والأشجار وفصوص أمخاخهم المشردة بين الأسطورة والخرافة، وبعضهم يقول أن من يذكر الورد الصغير لشيخهم الكبير تسعة وتسعين مرة يوميا تأتيه حور العين والطواشى على أرائك تجرى من تحتها نهر حليب وعسل لذة للشاربين، إنهم يقولون بالمعجزات تتناثر فى مقدساتنا قاصدين أن ينهوا الناس ويلهوهم عن الإمساك بأسباب العلم

Friday, May 09, 2008

أولاد الـــًعم تــاج

كان العم تاج رجلا صاحب منهج، يؤمن بأن الحياة توهب للبهائم والبشر، لا فضل لأحد فيما هو عليه من صلاح أو فساد، متعة الحياة لا توهب لغير أذكياء يدقون الطبول وراء كل زامر، وأن الموت يخلع الأحياء من عالم ملئ بالحركة يدافعون فيه عن وجودهم ويدسهم فى عالم أخر مفعم بالسكون، وأن الموتى لا يتركون غير ذكرى يلوكها بعض الورثة وأصحاب المصالح، هكذا ظل عم تاج يطلق منهجه على الأحياء والأصدقاء والأعداء، فى القرية يلعب بالبيضة والحجر وفى المدينة يلعب بالثلاث ورقات.

كان العم تاج رجلا صاحب واجب، فى المآتم يخلع على الميت صفات الأبطال والأولياء الصالحين، بأن المرحوم كان ديمقراطيا ليبراليا ثوريا ومصلحا كبيرا، وحين تزمجر عيون السامعين فاضحة الإسراف فى خلع الصفات، يكتفى العم تاج بتنقيط الدعوات للميت والإسراف فى تناول لحوم الفراخ تقدم على صوانى الميت، وفى الأفراح يشيد العم تاج بثراء العريس، يصف العريس بأمير غنى لا يأكل الملوخية الشيطانى تنمو فى الأرض صدفة، وإنما يزرع الأمير كل ما يأكله عامدا فى براح أرضه، وحين يضج الناس من فشوش الكلام يكتفى العم تاج بتنقيط العريس بكلمات من فخار مقابل أن يتناول أكوابا من الشربات والحلوى تقدم على صوانى العريس.

كان العم تاج رجلا صاحب سخرية، فى المآتم يعرف كيف يستمطر الدعوات من المعزين على ميت تناولت الألسنة كثيرا من سيرته، كان الميت لصا نجح ذات ليلة فى سحب بقرة خارج زريبتها، وحين ربت على ظهرها نعرت البقرة بصوت جهور تطلب الوصال بأى ثور، فاستيقظ أهل الدار وطاردوا اللص فى الليل والأزقة، نجحت المطاردة وعادت البقرة لزريبتها تلعق هموم الانتظار، وافلت اللص ليموت فى الأسبوع التالى مهموما محسورا، وظل العم تاج ينثر حكمته بين المعزين وأصحاب الواجب أن اقتناء البقر يفضح الرجال والثيران.

كان العم تاج رجلا صاحب سخرية، فى الأفراح يعرف كيف يستمطر مصمصات الأسى على عريس فى يوم دخلته، يسرب أخبارا بأن نفرا من الشياطين ربطوا العريس وجعلوه ضعيفا غير قادر على المتعة أو الإنجاب، وحين يطول انتظار الأهل والجيران لأخبار اللقاء بين العروسين، ينثر العم تاج حكمته بين الجميع أن فك المربوط يتم بإهدار كثير من رقاب الديوك والهداهد والغربان والبخور والزواج مرة أخرى من أرملة أو مطلقة خبير.

كان العم تاج محبا للحياة، يجيد الكلام الساكت والتلويح بالأمانى المرجأة، وحين اختطفه الموت مبكرا دون أن يقضى عامه السابع والثمانين، أجمع حافظوا الأنساب على أنه أنجب عشرات الآلاف من المحاضرين والكتاب يبيعون مجروش الكلام فى الأندية والقصور والفنادق، يصرفون بدلات حضور الجلسات، ويتجملون أمام عدسات التصوير.

ذات مساء وعلى بساط الإعلان عن التنمية ، كان الطقس الحار كافيا لأن يسترخى عشرات من الناس على شاطئ حمام سباحة فى نادى رياضى فى مدينة جديدة ، وكانت هزائم نوادى الكرة كافية لأن يتوقف كثير من المشجعين عن تشغيل المخ وعصر الدماغ، وأمسى الوقت والناس والمدينة جاهزين لمتابعة مكلمة ثقافية تلعب بالثلاث ورقات.

جلس ابن العم تاج على منصة يحاضر الناس عن المقاومة والانتماء، امسك بالميكروفون وانساب منفردا، لولا مجانية التعليم لما أصبح ابن العم تاج حرا غنيا مستورا، وما استطعنا نحن الكارهين أو حتى المحبين للعم تاج أن نبدى رأينا الحر فى أحداث بلاد الخارج، ذلك بأن حريتنا رآها ابن العم تاج منحة من زعيمنا الثورى الديمقراطى الذى مات، وقبل أن ينهى ابن العم تاج جرعة كلامه، نازعه ابن آخر للعم تاج يملك محلات للتجارة بالداخل، مؤكدا أننا شعب قادر على المقاومة، مقاومتنا رآها ابن العم تاج أنها فضل من زعيمنا الليبرالى الديمقراطى الذى مات، وحين احتدم النقاش بين الحضور أعلن ابن عاشر للعم تاج يعمل بدون جنسية فى بلاد الخارج، أننا شعب يمارس الانتماء، انتمائنا يراه ابن العم تاج صنعة زعيمنا المؤمن الديمقراطى الذى مات، وظل مجروش الكلام يتقاذف بين الحضور دون أن يتعرض أحد من أولاد العم تاج لحاضرنا وكأن الحاضرين موتى لا يشعرون ولا يعرفون خصائص الوقار والعصمة تتناثر حول تاريخ العم تاج، وحين توقف الجميع عن الاستماع، تسائل شاب نابه عن اقرب قسم شرطة يخدم الحضور ويفك اشتباك الجميع.

تسربت بعض الجميلات يضحكن ويتناوشن، وحين طلب أحدهم أن ابدى رأيى فى التنمية والمقاومة والانتماء، كنت وما زلت مقتنعا بأن فك المربوط عن الحرية والمتعة والنماء يتم بإهدار كثير من رقاب الخطباء والمحاضرين، وان الانتماء الجميل لا يتم بغير الزواج من بنات أفكار تغازل الحرية.

Friday, May 02, 2008

علاوات .. للرشوة والدعاء

فى شهر يوليو من كل عام يفيض خرج الحكومة المصرية بعلاوات نقدية تمنح لأكثر من خمسة ملايين موظف مصرى وترفع مرتباتهم بجنيهات قليلة، بعض الأصدقاء أكد لى - وهو كاذب - أن العلاوة كبيرة هذا العام.

أنا واحد من موظفى حكومة مصر، أتقاضى مرتبا هزيلا لا يكفى مواجهة أعباء حياتى اليومية، مرتبى يدربنى على الدخول فى زمرة العصاميين، أستعين بالصبر والشكوى والنميمة على تحمل قلة قيمة نقودى فى سوق الحياة، وأتجرع هوان أمرى على السلطات، أدفع نقودا وضرائب وهبات ورشاوى للمحليات والدولة والشركات والتجار، ادفع ثمن الطعام واللباس لأبنى الأكبر الذى تخرج متفوقا من جامعة الحكومة ولا يجد عملا لدى الحكومة، وأدفع للولد الثانى ثمن الهاتف المحمول وبعض علب السجائر التى تدسهم فى وجدانه إعلانات فاسدة يتواطأ عليها إعلام الحكومة، وادفع للولد الثالث ثمن الدروس الخصوصية فى مدارس الحكومة وقيمة الأدوية فى العلاج المجانى فى مستشفيات الحكومة، المصيبة أننى أدفع تلك النقود مجبرا بموجب عقود إذعان تفرضها على سلطات الأهل والجيران والحكومة، أدفع نقودا أكثر مقابل خدمات أقل، ومع ذلك الإذعان والتعسف لا أحصل على صفات العميل الجيد أو الأب الحنون أو المواطن الصالح.
ولأننى مازلت موظفا حكوميا مصريا اعمل تحت وطأة ستين ألف قانون تفسرها لوائح مطاطة متضاربة تسمح باختراق كل القوانين، لذلك أدور حول حقى المهضوم أخذه من المحليات والدولة والشركات والتجار والأولاد، هكذا تقرر الإحصاءات أننى موظف أعمل فى المتوسط ثلاثين دقيقة كل يوم، وانفق ما تبقى من يومى فى طوابير العيش ووسائل المواصلات والعراك مع الجيران، ولا أعرف طريقا ميسورا للعمل المنتج، ذلك بأن رئيسى فى العمل يتم تعينه بناء على علاقته بأهل السلطة، لا يملك أدوات موضوعية لتقييم أدائى ويصدر أحكامه الوظيفية بناء على معايير شخصية ترسمها مصالحة الخاصة، لذلك أسعى كل يوم للحصول على أموال وهبات ورشاوى, وحين يتحرك ضميرى ببعض الألم، أجد فى وعاء الثقافة المجتمعية السائدة ما تزكية الحكومة من أمثال وحكم تبرر أفعالى، ثقافة ترى أن أمور الحساب لن تقف عندى، فطالما أن أحدا لا يهتم باستيفاء حقوقى فلا أحد يهتم بمتابعة واجباتى، صحيح أن الغلابة يهدرون بمعاناتهم بعضا من الموارد، لكن الكبار فى بلادنا بمكرهم يأكلون كثيرا من الموارد، يهبرون أموالا بالملايين ويغسلون أموالهم فى دمائنا، عيونهم فاجرة تندب فيها ألف رصاصة دون أن يهتز لهم طرف، هكذا الغلابة فى بلادنا يبقون غلابة، ولا يملكون غير الدمع عند كل حاقة ومظلمة.
برغم أننى موظف حكومة مصرى أعانى ضعف الإدارة وإجحاف الحكومة وعجز القوانين عن تحقيق قدر معقول من العدالة، إلا أننى فى لحظة صفاء يمكننى أن استعيد قدراتى على التفكير الموضوعى، وأطرح سؤالا عاما، ماذا يحدث لو قررت الحكومة مضاعفة مرتبات العاملين بالدولة خمس مرات؟، هل سترتفع الكفاءة الإنسانية والاقتصادية لظروف العمل فى بلادنا؟ الإجابة بالنفى وسيظل حالنا كما هو عليه، نعانى من تخلف وظيفى وتسيب إدارى، ذلك لأن زيادة المرتبات وحدها دون تغيير ببقية عناصر نظامنا الوظيفى تجعلنا ندور فى حلقة مفرغة من التخلف، دائرة زيادة المرتبات وزيادة الفقر، وبمعنى أخر حين ترفع الحكومة المرتبات دون أن تسعى لإصلاح النظام الإدارى والاقتصادى فإنها تسعى دعائيا لأن تعيد رسم الصورة بمقياس رسم جديد يبدو مبهرا للبسطاء والسذج، دون أن تغير الزوايا أو العلاقات فى مكونات الصورة، هكذا يظل فقرنا الاقتصادى والأخلاقى والاجتماعى، جاثما على الصدور.
القيمة الحقيقية لزيادة للمرتبات تقاس بالقيمة العلمية لتغيير العلاقات الوظيفية، باعتبارها علاقات ديمقراطية أو استبدادية، وباعتبارها علاقات عادلة أو غير عادلة، وباعتبارها علاقات موضوعية عامة تحدد طرقا علمية لتقييم الكفاءة وإصلاح الأخطاء أو علاقات ذاتية تحمل الطموحات الشخصية لبضعة أفراد فى التملك والسيطرة، فحين يزيد مرتب موظف بألف جنيه ويزيد مرتب رئيسه بعشرة آلاف جنيه دون أن يصاحب ذلك تقدم فى بيئة العمل الحكومى، فمعنى ذلك أن الحكومة لا تتعامل بموضوعية مع مشاكل الموظفين، ترفع قدر أهل الثقة فوق قدر أهل الكفاءة، أنها حكومة تدرب شعبها على الشحاذة، تدفع لغالبية موظفيها علاوات فقر وشهادات ذل، وتدفع لبعض موظفيها رواتب تفيض عليهم وعلى أتباعهم من خدم وحشم وحراسات خاصة، إنها سياسات وظيفية تزيد التضخم وترفع الأسعار وتفتح لأهل الهوى مزيدا من أبواب الفساد.