Friday, May 09, 2008

أولاد الـــًعم تــاج

كان العم تاج رجلا صاحب منهج، يؤمن بأن الحياة توهب للبهائم والبشر، لا فضل لأحد فيما هو عليه من صلاح أو فساد، متعة الحياة لا توهب لغير أذكياء يدقون الطبول وراء كل زامر، وأن الموت يخلع الأحياء من عالم ملئ بالحركة يدافعون فيه عن وجودهم ويدسهم فى عالم أخر مفعم بالسكون، وأن الموتى لا يتركون غير ذكرى يلوكها بعض الورثة وأصحاب المصالح، هكذا ظل عم تاج يطلق منهجه على الأحياء والأصدقاء والأعداء، فى القرية يلعب بالبيضة والحجر وفى المدينة يلعب بالثلاث ورقات.

كان العم تاج رجلا صاحب واجب، فى المآتم يخلع على الميت صفات الأبطال والأولياء الصالحين، بأن المرحوم كان ديمقراطيا ليبراليا ثوريا ومصلحا كبيرا، وحين تزمجر عيون السامعين فاضحة الإسراف فى خلع الصفات، يكتفى العم تاج بتنقيط الدعوات للميت والإسراف فى تناول لحوم الفراخ تقدم على صوانى الميت، وفى الأفراح يشيد العم تاج بثراء العريس، يصف العريس بأمير غنى لا يأكل الملوخية الشيطانى تنمو فى الأرض صدفة، وإنما يزرع الأمير كل ما يأكله عامدا فى براح أرضه، وحين يضج الناس من فشوش الكلام يكتفى العم تاج بتنقيط العريس بكلمات من فخار مقابل أن يتناول أكوابا من الشربات والحلوى تقدم على صوانى العريس.

كان العم تاج رجلا صاحب سخرية، فى المآتم يعرف كيف يستمطر الدعوات من المعزين على ميت تناولت الألسنة كثيرا من سيرته، كان الميت لصا نجح ذات ليلة فى سحب بقرة خارج زريبتها، وحين ربت على ظهرها نعرت البقرة بصوت جهور تطلب الوصال بأى ثور، فاستيقظ أهل الدار وطاردوا اللص فى الليل والأزقة، نجحت المطاردة وعادت البقرة لزريبتها تلعق هموم الانتظار، وافلت اللص ليموت فى الأسبوع التالى مهموما محسورا، وظل العم تاج ينثر حكمته بين المعزين وأصحاب الواجب أن اقتناء البقر يفضح الرجال والثيران.

كان العم تاج رجلا صاحب سخرية، فى الأفراح يعرف كيف يستمطر مصمصات الأسى على عريس فى يوم دخلته، يسرب أخبارا بأن نفرا من الشياطين ربطوا العريس وجعلوه ضعيفا غير قادر على المتعة أو الإنجاب، وحين يطول انتظار الأهل والجيران لأخبار اللقاء بين العروسين، ينثر العم تاج حكمته بين الجميع أن فك المربوط يتم بإهدار كثير من رقاب الديوك والهداهد والغربان والبخور والزواج مرة أخرى من أرملة أو مطلقة خبير.

كان العم تاج محبا للحياة، يجيد الكلام الساكت والتلويح بالأمانى المرجأة، وحين اختطفه الموت مبكرا دون أن يقضى عامه السابع والثمانين، أجمع حافظوا الأنساب على أنه أنجب عشرات الآلاف من المحاضرين والكتاب يبيعون مجروش الكلام فى الأندية والقصور والفنادق، يصرفون بدلات حضور الجلسات، ويتجملون أمام عدسات التصوير.

ذات مساء وعلى بساط الإعلان عن التنمية ، كان الطقس الحار كافيا لأن يسترخى عشرات من الناس على شاطئ حمام سباحة فى نادى رياضى فى مدينة جديدة ، وكانت هزائم نوادى الكرة كافية لأن يتوقف كثير من المشجعين عن تشغيل المخ وعصر الدماغ، وأمسى الوقت والناس والمدينة جاهزين لمتابعة مكلمة ثقافية تلعب بالثلاث ورقات.

جلس ابن العم تاج على منصة يحاضر الناس عن المقاومة والانتماء، امسك بالميكروفون وانساب منفردا، لولا مجانية التعليم لما أصبح ابن العم تاج حرا غنيا مستورا، وما استطعنا نحن الكارهين أو حتى المحبين للعم تاج أن نبدى رأينا الحر فى أحداث بلاد الخارج، ذلك بأن حريتنا رآها ابن العم تاج منحة من زعيمنا الثورى الديمقراطى الذى مات، وقبل أن ينهى ابن العم تاج جرعة كلامه، نازعه ابن آخر للعم تاج يملك محلات للتجارة بالداخل، مؤكدا أننا شعب قادر على المقاومة، مقاومتنا رآها ابن العم تاج أنها فضل من زعيمنا الليبرالى الديمقراطى الذى مات، وحين احتدم النقاش بين الحضور أعلن ابن عاشر للعم تاج يعمل بدون جنسية فى بلاد الخارج، أننا شعب يمارس الانتماء، انتمائنا يراه ابن العم تاج صنعة زعيمنا المؤمن الديمقراطى الذى مات، وظل مجروش الكلام يتقاذف بين الحضور دون أن يتعرض أحد من أولاد العم تاج لحاضرنا وكأن الحاضرين موتى لا يشعرون ولا يعرفون خصائص الوقار والعصمة تتناثر حول تاريخ العم تاج، وحين توقف الجميع عن الاستماع، تسائل شاب نابه عن اقرب قسم شرطة يخدم الحضور ويفك اشتباك الجميع.

تسربت بعض الجميلات يضحكن ويتناوشن، وحين طلب أحدهم أن ابدى رأيى فى التنمية والمقاومة والانتماء، كنت وما زلت مقتنعا بأن فك المربوط عن الحرية والمتعة والنماء يتم بإهدار كثير من رقاب الخطباء والمحاضرين، وان الانتماء الجميل لا يتم بغير الزواج من بنات أفكار تغازل الحرية.

Post a Comment