Thursday, May 01, 2008

رجل غُراب .. وخُف جمل

حين أسرفت أمى فى ملأ دارنا بالبخور والدخان والأحجية تطارد الحسود صاحب العين الصفراء، بقيت أنا طوال حياتى أطارد وجوها كالحة، تقطع الخميرة من كل دار، توقف اللقمة فى كل زور، تقتل صفو المحبين والعاشقين والساعين فى كل خير، ومرت حولى حوادث مفجعة دون أن أعرف بالضبط من هو صاحب العين الصفراء.

ذات مرة أعجبتنى فتاة غزال طيبة رقيقة المشاعر، وحين أدمنت النظر إليها تزوجتنى، وما زالت طوال الخمس وعشرين سنة الماضية على جوازنا تندب حظ زواجها العاثر وتبحث عن صاحب العين الصفراء كى تقطع جثته أربا، وذات مرة أعجبتنى صحة رئيسى فى العمل، يرقص على كل حبل دون أن يقع، وحين أدمنت النظر إليه أصابه العجز وضغط الدم وغباء الإدارة، وظل سنوات ممسكا بمنصبه يسرف فى العطايا كى يرفت صاحب العين الصفراء.
وحين جمعتنى صداقة مع الصحفى (محمد الشافعى) بدار الهلال، وأصبح لائقا أن نقاوم نكد الزوجات وقرف العيال، اتجهنا فى زيارة إلى منطقة رأس سدر بمحافظة جنوب سيناء، قاصدين زيارة نفر من عرب سيناء صنعوا بطولات مقاومة ضد العدو أثناء حرب أكتوبر المجيدة، نزور مجاهدين منحتهم الدولة وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى، منهم سليم مضعان وفرج وأخوه فريج مساعيد.

على الشاطئ الغربى لقناة السويس وقفت طارحا بصرى نحو الرمال الصفراء فى الشرق مسترجعا تاريخ بلادنا مع الأرض والناس والجبال باتساع كل الأفق، فى الزمن القديم كانت سيناء أرض تيه عبرها فاتحون ورسل وغزاة وتجار مخدرات، وفى الزمن الحديث عادت بعد جهد جهيد ليرى فيها المخلصون أنها أرض فيروز نرسم عليها خطوات تقدمنا نحو المستقبل.
حين اجتاحنا الشوق للعبور نحو أرض الفيروز رصدتنا عين صفراء، دفعنا رسوما لتعبر سيارتنا نفق الشهيد أحمد حمدى تحت قناة السويس وندخل سيناء، هكذا هاجت فى الذاكرة حواجز صنعتها حكومات متتالية للفصل بين سيناء وبين بقية أرض مصر، ففى عهود مضت لم يكن لمصرى أن يدخل سيناء دون تصريحات تصدرها جهات أمنية، واليوم أصبح دخول سيناء ميسورا لكل من يدفع رسوم عبور، ربما هى موارد تستخدم فى صيانة النفق، ولكنها أموال يدفعها المواطنون لأجهزة دولة تكريس التفرقة النفسية بين بقاع الوطن الواحد.
وضعنا الرحال فى بيت من بطون آل مضعان فى منطقة رأس سدر، جلسنا فى بيت شعر يملكه مضيفنا، خيمة كبيرة من الصوف يتوسطها موقد فحم كبير يصنع الشاى والقهوة العربية يقدمها صاحب الدار للجميع، أتى غدائنا لحم ضان وأرز يملأن صينية كبيرة، وبدأ نظام تناول الطعام، الضيوف أول من يأكل، يمد الجميع أصابع أيديهم اليمنى، تنزل خاوية كرجل غراب على الطعام، تنزع اللحم وتكوره فى الأرز وتصعد مليئة كخف جمل، تدس حملها فى أفواه رجال لا يتكلمون أثناء الطعام، يأكلون قليلا ويخفون سراعا، ويأتى دور صاحب البيت يأكل من باقى طعام ضيوفه وما يفيض يذهب لأهل البيت من أطفال ونساء، هكذا تعريف أحد مظاهر الكرم فى بيئة جافة شحيحة الموارد.
وحين شعرت بالامتنان لكرم الضيافة ونحافة الرجال كانت العين الصفراء تترصدنا قاصدة أن تفسد متعتنا، هاجم المطر بيت الشعر فتماسك الصوف بالبلل ومنع الماء من النزول فوقنا، وهاجمت السيول أرجاء المنطقة وكادت أن تقطع طريق عودتنا، مياه غزيرة يلقى بها المطر على الجبال تتجمع وتأخذ طريقها فى مخرات سيول تلقى بحملها على الوديان تدمر فى طريقها كل زرع وضرع وتتجه نحو البحر.
اكتملت فى ذهنى صورة لكوارث طبيعية تحل بالمكان، وتوقعت أن يبحث الناس عن غريب صاحب العين الصفراء كى يلقوا به فى شقوق الجبال، لكن القوم استبشروا خيرا بقدومنا، ذلك بأن جفافا لحق أرضهم طوال السبع سنوات الماضية شارف على للرحيل، ورأوا فينا ضيوفا تحل معهم البركة ويعرفون أصحاب القرار فى العاصمة ويصاحبون من يعيد لسيناء بهائها كجزء من ارض مصر، وحين غمرنا ذلك السيل الجارف من المودة اكتشفت أن عينى ليست صفراء تماما، فكيف لعين أن تحسد أناسا بسطاء طيبين؟ يعيشون حياة جافة غُلبا، يعانون من مشاكل الإدارة والاقتصاد فى الدولة المركزية، حيث تتكاثر الخدمات فى العاصمة وتقل فى الأطراف.
سيناء أرض الفيروز والفحم والبترول والتاريخ، هى كذلك فى الطبيعة لكنها ارض عذاب تقع على أطراف مصر، تحتاج إلى عين رعاية فى مجالات الصحة والتعليم والنشاط الاقتصادى ليسكنها بشر أصحاء يصنعون تقدما حضاريا على أرض مصر، تقدما لا تبقى معه أرض سيناء مجرد بؤر سياحية يسترخى فيها بعض الأغنياء على ما يهبرونه منها فى خف جمل ويتلظى فيها الفقراء على ما ينتجه جفافها من نبش الغراب.

Post a Comment