Wednesday, October 24, 2007

!! سيناء . . أرض التيه

جمعتنى صداقة مع موظف حكومة مثلى محدود الدخل، وحين دخلت الأعياد أصبح لائقا أن نستريح بضعة أيام من نكد الزوجات والأولاد، حشرنا سيارتنا القديمة بتجهيزات رحلة فقيرة، بصل وسكر وشاى وخيار وفسيخ مع أربعين رغيفا من خبزنا البلدى وجركن ماء كبير، واتجهنا إلى وسط سيناء قاصدين زيارة بعض الأصدقاء فى أرض التيه.

وقفنا على الشاطئ الغربى لقناة السويس، نطرح البصر على الرمال الصفراء فى الشرق ونسترجع تاريخنا مع الأرض والناس والجبال باتساع كل الأفق، فى الزمن القديم عبر أرض سيناء فاتحون ورسل وغزاة وتجار مخدرات، وفى الزمن الحديث نرسم على أرضها خطوات نتقدم بها نحو المستقبل.عند مدخل نفق الشهيد أحمد حمدى تحت قناة السويس، كان علينا أن ندفع رسوما لتعبر سيارتنا النفق وندخل سيناء، وحين مددت يدى بالرسوم أعطيها للموظف المختص هاجت فى ذاكرتى حواجز تصنعها حكومات متتالية للفصل بين سيناء وبين بقية مناطق مصر، ففى عهود مضت لم يكن لمصرى أن يدخل سيناء دون موافقات تصدرها جهات أمنية، واليوم أصبح الأمر أكثر تعنتا نفسيا حين يفرض الحكومة رسوما للعبور فى النفق، صحيح أن تلك الرسوم تمثل إيرادا ربما يستخدم فى الصيانة، لكنها إيرادات دولة يمكن تعويضها من مصادر أخرى دون أن نلح على ذاكرتنا الجماعية بتلك الفواصل بين بقاع الوطن الواحد.

دخلنا سيناء قاصدين الاتجاه شرقا على طريق إسفلتى فى وسط الصحراء، يبلغ طوله ثلاثمائة وخمسين كيلومتر يبدأ من نفق أحمد حمدى ويمر بمدينة نخل وسط صحراء التيه وينتهى عند نويبع على خليج العقبة، انه طريق سفر حجاج ومصريين عاملين فى دول الخليج، ويمتد الأفق مساحات شاسعة على صحراء يسكنها حوالى خمسة آلاف نسمة من أهل سيناء بينهم موظفون قادمون من بقية أنحاء مصر.وكان زادنا من البصل والخبز والفسيخ كافيا لأن نعيش حياة أهل المنطقة، فبعيدا عن المكاتب الحكومية واستراحات الطريق، يعيش البدو من أهل وسط سيناء حياة جافة غلبا، تنقصهم كثير من الخدمات فى مجالات الصحة والتعليم والنشاط الاقتصادى، يحيط بهم فقر التجهيزات المادية والبشرية، وتلفهم وقائع الأمية والفقر والأمراض.

الأكثر غلبا من البدو هم الموظفون الحكوميون، حياتهم مأساة حقيقية، يعانون نقصا فى الماء والمواصلات والسكن ووسائل الترفيه، حياتهم جافة لا تشفع فيها الزيادة النسبية فى مرتباتهم التى قد تصل إلى ثلاثة أمثال مرتبات زملائهم فى وادى النيل، ولا تسلم بيوتهم وأسرهم من نظام عمل يقوم نظريا على بقاء الموظف بعيدا عن أهله يعيش فى المنطقة لمدة ثمانية عشر يوما متصلة، مقابل اثنتى عشر يوما إجازة كل شهر، موظفون يقضى معظمهم سنوات طوال فى صحراء التيه دون قدرة على تغيير المكان أو العلاقات الاجتماعية.

إن بقاء وسط سيناء على وضعها الحالى يترك فرصا لانتشار كثير من الانحرافات بين السكان وموظفى الحكومة العاملين معهم، ويصنع بيئة جاهزة لتفريخ متطرفين عقائديا يصيبهم هوس دينى، منحرفين فى نشاطهم الاقتصادى، مرضى نفسيين معزولين فى سجن واسع الأرجاء.سيناء ارض الفيروز والفحم والبترول والتيه، تحتاج إلى إمكانيات مادية وجهود علمية ليسكنها بشر أصحاء نفسيا وبدنيا واجتماعيا يصنعون تقدما حضاريا على أرض مصر.

وفى طريق العودة كان علينا أن نتجرع مشقة دفع رسم أخر لعبور قناة السويس فوق كوبرى مبارك، صحيح أن الكوبرى عمل حضارى وإنجاز علمى كبير أنشئ على ارتفاع أكثر من مائة متر فوق سطح الماء لكن رسوم العبور جعلتنى أشعر بعزلة سيناء من جديد وأخشى أن تظل أرض الفيروز مجرد بؤر سياحية يستجم فيها كثير من محدثى النعمة وقليل من الصالحين.

Post a Comment