Thursday, October 04, 2007

..!! أرزاق .. يا لصوص

فى نوبة من التواصل الإنسانى مع أولاد الحارة، لاعب عم محمود طفلا رضيعا، وحين بال الرضيع على يدى عم محمود عالجت الأم ارتباكه وقالت (على البركة يا أبو حنفى رزقك واسع )، عندها انتشى عم محمود وقرر علانية أن يلاعب الطفل مرات تالية، وفى سوق الخميس اشترت أم سيد ديكا صغيرا وأخذت تتحسس صحته، وحين نتشت ريشة من جناحه هبش الديك وجهها، وعالج البائع ارتباكها وقال (على البركة يا ست، رزقك كثير)، عندها قررت أم سيد أن تتخلص من الديك وأن تبيعه لأول مشتر، وفى ديوان حكومى قبع حامد أفندى وراء مكتبه متكاسلا عن العمل، وحين أسقط له بعض الزبائن نقودا فى درج مكتبه وهمسوا فى أذنه (على البركة يا بيه، رزق الأولاد)، عندها قرر حامد أفندى أن يقضى المصلحة لزبونين فقط رأى فيهما عملا اقل وعائدا أكثر، وفى الشارع شهد خلق كثير على عقد قران زينب بنت العشرين على رجل عجوز ثرى تكرهه، وحين تذكرت قول حبيبها الفقير (على البركة يا زينب، رزقى ضيق)، عندها رق الدمع شوقا فى عينها وقررت خلع الزوج فى اقرب فرصة.

كثير من الناس يتعمدون الخلط بين ما يحوزونه من رزق واسع وبين ما تجنيه أيديهم من دخل محدود، هؤلاء الناس يغيب عنهم أن الرزق هو ما نحصل عليه من حاجيات اقتصادية واجتماعية وصحية دون أن نقدم عملا أو نبذل جهدا فى سبيل تحصيلها، كالهواء والميراث والغباء ومديح بعض المنافقين، ولا يعرفون أن الدخل هو ما نجنيه من ثمرات يضنينا الجهد فى زراعتها وتعيينا الوسائل فى حصادها، كالأجر والراتب والذكاء وإنكار تفوق الرؤساء.

لا أحد يعرف بالضبط من أين يأتى الرزق الواسع المجانى، أما الدخل الناتج من سعينا على الأرض فيمكن حسابه بالقانون المعلن بين أفراد المجتمع، الدخل يرصد بالسحتوت فى كشوف المرتبات، وبأجولة الحبوب فى الصوامع، وبعلب المنتجات فى المصانع، ومع سهولة أدوات العد وإمكانيات الحصر، يثير حفيظة الراصدين أن بعض الناس فى المجتمعات المتخلفة ينفقون مالا أكثر من دخولهم المعلنة، يحسبون أنهم من دون الناس تصيبهم بركة رزق ولا تنالهم عين حاسد0

وقائع كثيرة يخلط فيها الناس بين الأرزاق المجانية والدخول المنتجة، هذا موظف بسيط فى الحكومة يتقاضى راتبا متواضعا لا يكفى مسح دموع شكواه من ضنك الأيام وتأخر الترقيات، وحين تدخل بيته يلقاك بترحاب ويغرقك فى اللحم المشوى والشراب المثلج، ويدعوك لمشاهدة هزائمنا فى الكرة على الطبق الفضائى، وهذا مدرس يحصل بشق الأنفس على شهادة جامعية، وحين يفتح بالوعة لتسليك الدروس الخصوصية يمتلك شاليها للمصيف فى الساحل الشمالى، وذلك أستاذ جامعى يدلس فى أبحاث الترقية ويزور فى امتحانات الطلاب، يعلن فى كل إعارة أو سفارة أن ولاءه لمن يدفع أكثر، يصبح ثريا ومسئولا كبيرا ومرشحا لمسئوليات اكبر، ومطرب متواضع فنا وقيمة، يشترى بملايين الجنيهات مصانع ومؤسسات لتربية الدواجن والعجول، ورجل قحف لا علم لديه أو معرفة فجأة تدخل أرضه الزراعية نطاق زمام المدينة، هى شهور قليلة بعدها يجلس القحف على المقهى مرتديا جلباب الصوف، يحشو سجائره بالمخدرات، ويبيع متر الأرض بآلاف الجنيهات، وامرأة تفرك كعبها فى العمل بضع سنوات فى الملاهى، تهدهد عن بعض العابثين متاعبهم، تصبح هذه المرأة مليونيرة وصاحبة فضل وصدقات وفنانة كبيرة.

مثل هؤلاء الناس، ممن يحصلون على دخول صغيرة معلنة فى مرتباتهم وإقراراتهم الضريبية، ويخترقون القوانين بالفساد والرشوة وضربات الحظ غير المبررة، وينفقون من المال أكثر من دخولهم المعلنة، وينتهكون بسلوكهم الاجتماعى كثيرا من لوائح العدل والشفافية ولا يبقون من القيم إلا جوامد تدمى رؤوس الشرفاء، هؤلاء الناس أفراد طفيليون يعيشون وسط مجتمعات متخلفة مريضة لا يمارس أهلها شفافية القيم وعقلانية تفسير الظواهر، أفراد يسهل عليهم إقناع السذج والضعفاء من البشر، بأن مسالة الفرق بين دخلهم الشحيح وبين إنفاقهم المسرف إنما هى مسالة أرزاق لا تنقصها البركة.

نحن فى حاجة لأن يتبنى مجتمعنا قيما فكرية تكفل حرية المواطنين فى أن يتخذوا لأنفسهم أنشطة اقتصادية مشروعة يجلبون منها دخولهم ومصادر إنفاقهم، وبحاجة فى نفس الوقت إلى بحوث علماء الاقتصاد والاجتماع والقانون والدين لدراسة أنواع الدخول، قاصدين ترسيخ استخدام قيم إنسانية جديدة تسعى لصلاح المجتمع، قيم لا يهين معها فضل علم أو تكسر عندها قواعد حساب، نحن فى حاجة لأن نطبق آليات موضوعية تتسم بالشفافية فى محاسبة المواطنين على دخولهم المعلنة والخفية، ليصبح سهلا التفرقة بين الرزق والدخل، ويسهل أن نرجع بالرزق على صاحب الرزق المجانى ونعود بالدخل على صاحب العمل المنتج، نحن بحاجة لأدوات حساب علمية يتبين معها لكل مواطن تلك الفروق الموضوعية بين الشرفاء وبين اللصوص.

Post a Comment