Monday, October 15, 2007

أولادنا فى الجامعة

فى أول أيام العام الدراسى الجامعى الحالى، كانت أول محاضرة ألقيها هذا العام على طلابى فى السنة الأولى بكلية التجارة، جلس أمامى أكثر من ألف طالب وطالبة متوسط أعمارهم سبعة عشرة عاما، قادمون من مرحلة الدراسة الثانوية ليحشروا فى مدرج لا يسع نصف عددهم، إنهم أولادنا الجدد فى الجامعة فى سن المراهقة والفتوة والصبا، يتشاكسون ويتواثبون بين المقاعد، ويصنعون ضوضاء محشوة بصفير وهمهمات وضحكات، معظمهم يرتدى هدوما جديدة، فانلات وايشاربات وفساتين وبنطلونات.

أحد الطلاب لديه ذقن صغيرة تموج فيها ثلاث عشرة شعرة سوداء، هذا الرجل الصغير يشعر بزهو امتلاكه لعلامات الرجال فيستسلم لزميله ويداعبان شعيرات الذقن الخضراء أمام طالبة انشغلت عنهما بمداعبة خصلات شعر جبينها تحت إيشاربها الأخضر، طالبة أخرى تدير حديثا باسما مع زميل يجلس أمامها بينما تصر جارتها على الكتابة فى أوراق صديقة ثالثة مجاورة، احدى الطالبات ترتدى إيشاربا رائق الألوان خفيف الحمل يتمايل مع حركات جسدها الخجول فينحسر الإيشارب عن شعر جميل مصبوغ على حرف، ولد ينام على كتف زميله ويقذفهما ثالث بعجائن من ورق ولبان ممضوغ ويبتسمون، طالبة تلعب فى هاتفها النقال وتلقى برأسها يمنه ويسرة كى تنزاح خصلات من شعرها بعيدا عن نظارة شمس تخفى بها عينها، طالب ينتقل بين المقاعد مستعرضا شعره المنكوش وفانلته ذات الطيور الملونة وبنطلونه الممزق الركبتين، بعض الجثث اختبأت خلف هدوم سوداء لم أر منها غير فتحات ضيقة لعيون يفترض أنها لطالبات تشاركنا الزحام ، وجثث أخرى استلقت رؤوسها على المقاعد لطلاب ناموا فى أماكنهم وأصدر بعضها شخيرا، هكذا انحشر مدرج العلم بطلاب صغار يرتدون كرنفالا من الملابس والأقنعة واللحى والشوارب الزغبية والحواجب المشذبة والجفون المدهونة والشعر الطويل والحجب المثقوبة بفتحات الأعين، ويبقى الكثير يعانى إجهاد السفر من القرى البعيدة إلى الجامعة ويخفى آثار العراك مع الوالدين من اجل الحصول على مصروف يكفى مواجهة تلك الحياة الجديدة، هكذا يجلس الجميع على المقاعد وفوق المقاعد وعلى أرض المدرج فى جو مسرحى مثير.

أولادنا الجدد فى الجامعة، معظمهم غير مؤهل للتعامل مع مشاكل الدراسة الجامعية، غالبيتهم لم يحضر درسا فى فصل دراسى منتظم طوال سبع سنوات من الخامسة الابتدائية حتى دخول الجامعة، الأماكن التى تعودا عليها هى حجرات الدروس الخصوصية الضيقة وأسوار المدارس ينطون فوقها ويتواعدون خلفها، يرون أساتذتهم فى العلم أدوات لحفظ المقررات مقابل اجر معلوم ومرصود، لم يدرسوا شيئا حقيقيا يبقى فى وجدانهم فكرة الانتماء لوطن، أجبرهم نظام التعليم أن يدرسوا الدين والجغرافيا والتاريخ بشكل اختيارى لا تؤثر نتائجهم على درجات نجاحهم الدراسية فأصبحوا بلا وطن أو شخصية.

أولادنا الجدد فى الجامعة معظمهم لا يشعر بالرباط الأسرى، آباءهم مشغولون بالسعى وراء العيش فى بلد فقير مهدرة فيه كثير من قيم العمل الشريف أو مسافرون للعمل عبيدا فى دول عربية متخلفة ثقافة وتحضرا، وكثير من أمهاتهم يعانين توابع الفرقة والهجران، يجمعون ثقافتهم من برامج إعلامية هابطة وخطاب دينى متخلف وقيادات سياسية مهترئة، ويحصلون على درجات نجاح مرتفعة جدا، بعضهم جاوزت نسبه نجاحه المائة فى المائة، وتنقصهم مهارات القراءة والكتابة والتفكير المنطقى.

أولادنا الجدد فى الجامعة يعيشون عصرهم بغير قيادات واعية وأساتذة أفاضل يأخذون بقلوبهم الغضة إلى طريق حب الحياة والمعرفة الإنسانية.

أولادنا الجدد فى الجامعة نحشرهم جثثا فى مدرجات فقيرة، وبرغم الزحام والانحشار إلا أن رائحة أولادنا مازالت طيبة، عرق قليل وعطور وروائح صابون وجيلى وسط جو خريفى بارد فى أول أيام الأسبوع وفى أول يوم دراسى بالجامعة، وفى مثل هذه المناسبات ينال أولادنا نصيبا من الاستحمام والنظافة الواجبة، ويبقون طيبين ناصعى الوجوه إلى حين.

كان على وسط الزحام وتخلف نظام الصوت وضعف أدوات التدريس أن أصيح فى تناغم لمدة عشرة دقائق، أنت يا ولد، أنت يا بنت، أنتم يا شباب، الله يخرب بيوتكم، سكوت المحاضرة بدأت، فسمعت صوت أحدهم ينادينى أتوكل على الله يا حاج طريقك اخضر زراعى، وبالفعل بدأت المحاضرة.

Post a Comment