Wednesday, May 14, 2008

أنا عاوز أتجوز

دروب حياتى الرائعة أوصلتنى إلى علاقة أقمتها مع نصف صديق، أحيانا أمارس معه علاقة نصف صديق وأحيانا أمارس معه علاقة نصف عدو، انه موظف حكومى يقاربنى سنا ومن أهل حينا، لقيته على عربة الفول المدمس الرابضة على أول شارع بيتنا العامر، على مدى شهور من اضطهاد زوجاتنا وطردنا خارج البيوت دون إفطار تناولت مع هذا الموظف عشرات من أطباق الفول مع البصل والباذنجان المخلل والخبز البلدى وقصص الثورة وفلسطين والمرتبات وفساد الأنظمة، هكذا اجتمعت فى هذا الموظف كئابة جميلة تجسدت فى ملامح نصف صديق ونصف عدو.

صباح أمس وعلى ناصية الشارع التالى لبيتنا العامر لقيت هذا النصف صديق هاما بالسير متجها إلى عربة الفول كى يحصل على مكانة المفضل على طرفها الأيمن الغربى فى مواجهة شمس الصباح وبجوار وعاء البصل الناشف والفلفل الأخضر، مشية نصف الصديق لا تخفى بعض آلام الساقين ومشيتى لا تخفى بعض آلام الظهر والكتفين، وحين لحقت به أخبرته بأننى بدأت منذ يومين فقط العام الواحد والستين من عمرى المديد، عندها جاملنى بمجاملة باردة:

- كل سنه وإنت طيب يا باشا.

كان واضحا أن الصورة تتطلب أن أبدو سعيدا بمناسبة عيد ميلادى العظيم، لذلك أكدت لنصف الصديق إننى أرجو لكل إنسان كل الصحة وطول العمر وأن تمر أيامنا على خير، ثم أردفت مجاملا:

- وإنت بألف خير وسعادة.

انتبه نصف الصديق فجأة على أننى مشروع صديق له، وأننى أخبرته بحدث ميلادى العظيم، وأن شهر ميلادى ضم كثيرا من حوادث ميلاد مفزعة لزعماء وأفاقين وعلماء وصالحين وبعض الراقصات، فأبطأ الخطى واستدار نحوى ليظهر بعضا من الكرم والبشاشة تجاهى، طوح بكفه اليسرى يهز بعضا من وسطه ويخرق بإصبعه الوسطى هواء الكون المحيط بنا وقال :

- أرجو لك أن تصل للثمانين يا باشا 00 هه هه

نظر لى الموظف الحكومى نصف الصديق بعين متوجسة كمن يتحسس صلاحيتى للحياة أصلا، وبانت حركاته أمامى حركات نصف عدو، فشهقت نصف هواء العالم ازفره فى وجهه ، وحين شعر بأنفاسى تتحرك قال متهكما:

- بيقولوا الدهن فى العتاقى!!

أومأت له برأسى مؤكدا صدق المقولة ثم بسطت كفى اليمنى وعلقت على طبقة صوتى نبرة تحدى فاجعة وقلت:

- طبعا يا باشا00 الحمد لله الصحة تمام.

اقترب نصف الصديق منى وحط عينه فى عينى ووضع يده اليسرى على خصره ثم مال بأذنه نحوى، كنصف عدو قاصدا الاستماع إلى سر خطير، وتسائل بصوت واطئ:

- قصدى الصحة 000 تمام التمام !!

لم يترك لى فرصة للرد على تسائله بل أسرع يهز بعضا من وسطه ويطرح كفيه ورسغيه خلفا ويهز صدره كراقصه شعبية فى مولد عشوائى، ثم لوح بقبضه يده اليمنى وغمز بعينه اليسرى قائلا بصوت عال:

- تمام التمام؟ 00 يا باشا !!

التقطت أنفاسى من متابعة حركاته وأجبته مؤكدا :

- تمام التمام ، وعاوز أتجوز.

صوب عينيه داخل عينى ووضع سبابته مشيرا إلى وجهى ثم مط وجهه وتسائل مستنكرا:

- إنت عاوز تتجوز؟

قلت له واثقا وكل وجهى ابتسامات تنم على التحدى:

- آه 00 عاوز أتجوز 00 بالعربى طالب زواج

انتظر برهة هز فيها جزءا من أسفل وسطه ثم أدار إصبعه تجاه شحمة أذنه متراجعا برأسه للخلف وابتسم ابتسامه خبيثة ويتلاعب باصبعه الوسطى ثم قال:

- قل لى بصراحة !! 00 إنت عاوز تتجوز؟ 00 وإلا انت عاوز تتجوز؟.

فى هذا الصباح الرائع نظرت للوحة كاملة رسمتها الحياة أمام عينى، نصف الصديق تتقاطع أجزاءه فى حركات مع الطريق والسيارات والبشر ويتناثر فى اللوحة ضوء الشمس والإضرابات وأخبار الجميلات وارتفاع الأسعار وصحراء الملوك وأزمة الغذاء العالمى وخطوات وئيدة لحمار صغير يسير بجوار حمار كبير ويجران معا عربة لجمع مخلفات البيوت، وتنتهى علاقات اللوحة عند أول الشارع حيث عربة الفول المدمس، فجأة تحوطتنى نظرات نصف الصديق وانثناءات خصره وتهكماته فقررت أن أرفع عقيرتى بمجون الواثق قائلا:

- آه .. عاوز أتجوز.

نظر نصف الصديق إلى عينى وانفتح فمه عن ابتسامات تتشفى بمعرفة الأسرار قائلا:

- يا لــئيم.

توقفنا عن الكلام والابتسام ولم يجهد أحدنا الأخر فى تفسير ما هو المقصود باللؤم بيننا، وانطلقنا متجاورين لنصل إلى عربة فول المدمس، وصلنا متأخرين فلم يصب نصف الصديق موقعة على العربة، وحالت آلام الروماتيزم فى أصابعى بينى وبين كسر فحل البصل براحة بيدى، وتناول نصف الصديق طبق الفول المدمس خاليا من الشطة بعد إصابته بقرحة المعدة، هكذا تناولنا إفطارنا الشهى وسط جبل متوهج من النكات الفاضحة للأخلاق عن الرؤساء والخبزوالحكومات والفول والحمير وأهل الشمال وأهل الجنوب والنساء اللائى يمارسن الدلال على كل هؤلاء، وفى النهاية حبسنا طعامنا بكوبين من الشاى المغلى.

حين تأكدت من اختفاء نصف الصديق عن ناظرى، أصابنى إحساس فاضل بحرية الكلام والحلم فانطلقت فى الشوارع مبتسما وضاحكا وضاجا وهازا كتفى وصدرى وكثيرا من أجزاء جسدى أبحث عن مشاريع الأصدقاء وبعض الأعداء لأطرح عليهم سؤالى العبقرى ذو الشطرين:

- إنت عاوز تتجوز؟ 00 وإلا إنت عاوز تتجوز؟

ودون أن اترك لأحد فرصة للإجابة على الشطرالأول أو حتى التفكير فى الشطر الثانى أباغت المسئول بمحاولة الالتفاف حوله لأضع أصبعى الوسطى فى جنبه وأدغدغه قائلا:

- يا لئــيم.

Monday, May 12, 2008

انهم يأكلون سذاجة

وصلنى على البريد الالكترونى نشرة صحفية من موقع عربى يحاول أن يبنى مكانا للمعرفة العلمية بين قراء العربية، تقول النشرة الصحفية ما نصه ( مجلة ألمانية: الصلاة تضبط ضغط الدم ) وأرفق محرر النشرة صورة لرجل فى حالة سجود إسلامى، محاولا بالصورة أن يربط ربطا ساذجا وتعسفيا بين إنصلاح أحوال ضغط الدم وبين القيام بالصلاة فى طقسها الإسلامي، وكان لا بد أن أرد فى تعليق كتبته على الموقع لكن المحرر لم ينشر التعليق، ولأن الأمر جد مزعج وخطير على مستقبلنا الحضارى حين يسرى هذا التوجه المنهجى المتخلف فى إرشادنا وتعليمنا ، فإننى أضع هنا ذلك التعليق مع بعض التصرف قاصدا إبراز الفكرة الرئيسة:

عزيزى المحرر فى هذه الموسوعة العلمية، حرام عليك هذا التسطيح المتعمد لتأثير بعض الطقوس الدينية، المؤمنون يقبلون دينهم كحزمة واحدة من الطقوس تتضمن أعمالا وعبادات دون انتقاء، المؤمنون يؤدون طقوسهم الدينية لأنها عبادة فيها سيد يأمر وعبد يطيع، وليس لأن لها فوائد صحية أو اقتصادية أو أن القيام بها يترتب عليه أعباء وعذابات وكفارات عن ذنوب، المؤمنون يقومون بحزمة طقوسهم الدينية لأنها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغى وليس لأنها تصلح الظهر أو تقوى السمع أو ترفع الباه، هكذا يتناول المؤمنون تعاليم الدين وطقوسه.

عزيزى المحرر إن الصورة المصاحبة لنشرتكم هى لرجل يصلى صلاة إسلامية، بينما المجلة التى تقول إنها أوردت الخبر هى ألمانية، وكذلك الإحصاءات المؤيدة لرأيك تم إجراؤها مع أفراد أمريكان فى كنيسة إنجيلية ، هكذا لا صاحب الخبر ولا صاحب البحث بمسلمين ، إن صلاة ونسك أصحابك تختلف عن مثيلتها لدى المسلمين، وعليه فبأى دليل موضوعى تدافع أنت عن رأيك، أى صلاه تقصد أنت فى نشرتك حين تصفها بأنها تضبط ضغط الدم ، أتقصد الصلاة الإسلامية أم المسيحية أم اليهودية أم اللادينية ، وأخيرا الإحصاءات نفسها تقول أن عملية ضبط ضغط الدم هى أكثر إمكانية وتأثيرا مع أصحاب التقدم العلمى سواء أكانوا مؤمنين أو ملحدين.

يا أخى المحرر كفانا هذا الهراء والتخلف فى عرض المعلومات ، كفانا هراء يبثه قوم متخلفون لا يستطيعون اللحاق بالعلم والحضارة، كان أجدى بموسوعتك أن تصوغ الخبر بأسلوب علمى هكذا: ( الهدوء النفسى المصاحب للأيمان يساعد على تحسين ضغط الدم، أجريت إحصائيات على بعض المتدينين فكانت النتائج كذا وكذا)، صياغة الخبر على هذه الطريقة يترك فرصة لعقل القارئ كى لا يتوقف عند النصوص ويقارن ويفكر ويصل إلى قناعات ربما تعارض ما تريده أنت من مصادرات.

عزيزى المحرر نداء التحضر يدعوكم أن تبتعدوا عن هذا الهراء ولا تسردوا وقائع انتقائية تظهرونها وكأنها معجزات فوق مستوى البشر وهى ليست كذلك، إن ما تعرضونه على موقعكم بمثل هذه الشاكلة يتحول الى أوهام بالقداسة تعشش فى مخيلتكم فقط ، انتم تحاولون إنشاء موسوعة علمية أو هكذا أراها، فكونوا موضوعيين فى جمع معلوماتكم محايدين فى عرضها، ذلك بأن العلم نسبى يبنى على فروض ويقبل النتائج المترتبة عليها، العلم قائم على الجدل والحوار بين الفروض والنتائج ، هكذا ما يثبته العلم اليوم فى أغلبية قد ينفيه غدا فى أقلية أو يحمل له معنى مغاير، ولأن الحياة متسعة أحداثها ووقائعها فتعال معنا أيها المحرر إلى كلمة سواء هى منهج علمى يعلم يكشف ما استغلق علينا فهمه، كن جميلا موضوعيا لا تصادر على المعرفة بمقدساتك.
أخيرا أيها المحرر صاحب الموسوعة العلمية على النهج الآعلامى السائد، أنت لست وحيدا أو واحدا فى توجهاتك نحو تسطيح العقل العربى، نشاطك هو العملة الغالبة فى الإعلام العربى، فهناك أفاقون كثيرون يمارسون نفس وقائع التخلف الفكرى، بعضهم يقول بمعجزات فى بول الناقة وشخُة اليتيم وغائط المحروم، وأسماء وآيات على أنصاف حبات الطماطم والبلح والأشجار وفصوص أمخاخهم المشردة بين الأسطورة والخرافة، وبعضهم يقول أن من يذكر الورد الصغير لشيخهم الكبير تسعة وتسعين مرة يوميا تأتيه حور العين والطواشى على أرائك تجرى من تحتها نهر حليب وعسل لذة للشاربين، إنهم يقولون بالمعجزات تتناثر فى مقدساتنا قاصدين أن ينهوا الناس ويلهوهم عن الإمساك بأسباب العلم

Friday, May 09, 2008

أولاد الـــًعم تــاج

كان العم تاج رجلا صاحب منهج، يؤمن بأن الحياة توهب للبهائم والبشر، لا فضل لأحد فيما هو عليه من صلاح أو فساد، متعة الحياة لا توهب لغير أذكياء يدقون الطبول وراء كل زامر، وأن الموت يخلع الأحياء من عالم ملئ بالحركة يدافعون فيه عن وجودهم ويدسهم فى عالم أخر مفعم بالسكون، وأن الموتى لا يتركون غير ذكرى يلوكها بعض الورثة وأصحاب المصالح، هكذا ظل عم تاج يطلق منهجه على الأحياء والأصدقاء والأعداء، فى القرية يلعب بالبيضة والحجر وفى المدينة يلعب بالثلاث ورقات.

كان العم تاج رجلا صاحب واجب، فى المآتم يخلع على الميت صفات الأبطال والأولياء الصالحين، بأن المرحوم كان ديمقراطيا ليبراليا ثوريا ومصلحا كبيرا، وحين تزمجر عيون السامعين فاضحة الإسراف فى خلع الصفات، يكتفى العم تاج بتنقيط الدعوات للميت والإسراف فى تناول لحوم الفراخ تقدم على صوانى الميت، وفى الأفراح يشيد العم تاج بثراء العريس، يصف العريس بأمير غنى لا يأكل الملوخية الشيطانى تنمو فى الأرض صدفة، وإنما يزرع الأمير كل ما يأكله عامدا فى براح أرضه، وحين يضج الناس من فشوش الكلام يكتفى العم تاج بتنقيط العريس بكلمات من فخار مقابل أن يتناول أكوابا من الشربات والحلوى تقدم على صوانى العريس0

كان العم تاج رجلا صاحب سخرية، فى المآتم يعرف كيف يستمطر الدعوات من المعزين على ميت تناولت الألسنة كثيرا من سيرته، كان الميت لصا نجح ذات ليلة فى سحب بقرة خارج زريبتها، وحين ربت على ظهرها نعرت البقرة بصوت جهور تطلب الوصال بأى ثور، فاستيقظ أهل الدار وطاردوا اللص فى الليل والأزقة، نجحت المطاردة وعادت البقرة لزريبتها تلعق هموم الانتظار، وافلت اللص ليموت فى الأسبوع التالى مهموما محسورا، وظل العم تاج ينثر حكمته بين المعزين وأصحاب الواجب أن اقتناء البقر يفضح الرجال والثيران0
كان العم تاج رجلا صاحب سخرية، فى الأفراح يعرف كيف يستمطر مصمصات الأسى على عريس فى يوم دخلته، يسرب أخبارا بأن نفرا من الشياطين ربطوا العريس وجعلوه ضعيفا غير قادر على المتعة أو الإنجاب، وحين يطول انتظار الأهل والجيران لأخبار اللقاء بين العروسين، ينثر العم تاج حكمته بين الجميع أن فك المربوط يتم بإهدار كثير من رقاب الديوك والهداهد والغربان والبخور والزواج مرة أخرى من أرملة أو مطلقة خبير.
كان العم تاج محبا للحياة، يجيد الكلام الساكت والتلويح بالأمانى المرجأة، وحين اختطفه الموت مبكرا دون أن يقضى عامه السابع والثمانين، أجمع حافظوا الأنساب على أنه أنجب عشرات الآلاف من المحاضرين والكتاب يبيعون مجروش الكلام فى الأندية والقصور والفنادق، يصرفون بدلات حضور الجلسات، ويتجملون أمام عدسات التصوير.
ذات مساء وعلى بساط الإعلان عن التنمية ، كان الطقس الحار كافيا لأن يسترخى عشرات من الناس على شاطئ حمام سباحة فى نادى رياضى فى مدينة جديدة ، وكانت هزائم نوادى الكرة كافية لأن يتوقف كثير من المشجعين عن تشغيل المخ وعصر الدماغ، وأمسى الوقت والناس والمدينة جاهزين لمتابعة مكلمة ثقافية تلعب بالثلاث ورقات0

جلس ابن العم تاج على منصة يحاضر الناس عن المقاومة والانتماء، امسك بالميكروفون وانساب منفردا، لولا مجانية التعليم لما أصبح ابن العم تاج حرا غنيا مستورا، وما استطعنا نحن الكارهين أو حتى المحبين للعم تاج أن نبدى رأينا الحر فى أحداث بلاد الخارج، ذلك بأن حريتنا رآها ابن العم تاج منحة من زعيمنا الثورى الديمقراطى الذى مات، وقبل أن ينهى ابن العم تاج جرعة كلامه، نازعه ابن آخر للعم تاج يملك محلات للتجارة بالداخل، مؤكدا أننا شعب قادر على المقاومة، مقاومتنا رآها ابن العم تاج أنها فضل من زعيمنا الليبرالى الديمقراطى الذى مات، وحين احتدم النقاش بين الحضور أعلن ابن عاشر للعم تاج يعمل بدون جنسية فى بلاد الخارج، أننا شعب يمارس الانتماء، انتمائنا يراه ابن العم تاج صنعة زعيمنا المؤمن الديمقراطى الذى مات، وظل مجروش الكلام يتقاذف بين الحضور دون أن يتعرض أحد من أولاد العم تاج لحاضرنا وكأن الحاضرين موتى لا يشعرون ولا يعرفون خصائص الوقار والعصمة تتناثر حول تاريخ العم تاج، وحين توقف الجميع عن الاستماع، تسائل شاب نابه عن اقرب قسم شرطة يخدم الحضور ويفك اشتباك الجميع0
تسربت بعض الجميلات يضحكن ويتناوشن، وحين طلب أحدهم أن ابدى رأيى فى التنمية والمقاومة والانتماء، كنت وما زلت مقتنعا بأن فك المربوط عن الحرية والمتعة والنماء يتم بإهدار كثير من رقاب الخطباء والمحاضرين، وان الانتماء الجميل لا يتم بغير الزواج من بنات أفكار تغازل الحرية.

Friday, May 02, 2008

علاوات 00 للرشوة والدعاء

فى شهر يوليو من كل عام يفيض خرج الحكومة المصرية بعلاوات نقدية تمنح لأكثر من خمسة ملايين موظف مصرى وترفع مرتباتهم بجنيهات قليلة، بعض الأصدقاء أكد لى - وهو كاذب - أن العلاوة كبيرة هذا العام.

أنا واحد من موظفى حكومة مصر، أتقاضى مرتبا هزيلا لا يكفى مواجهة أعباء حياتى اليومية، مرتبى يدربنى على الدخول فى زمرة العصاميين، أستعين بالصبر والشكوى والنميمة على تحمل قلة قيمة نقودى فى سوق الحياة، وأتجرع هوان أمرى على السلطات، أدفع نقودا وضرائب وهبات ورشاوى للمحليات والدولة والشركات والتجار، ادفع ثمن الطعام واللباس لأبنى الأكبر الذى تخرج متفوقا من جامعة الحكومة ولا يجد عملا لدى الحكومة، وأدفع للولد الثانى ثمن الهاتف المحمول وبعض علب السجائر التى تدسهم فى وجدانه إعلانات فاسدة يتواطأ عليها إعلام الحكومة، وادفع للولد الثالث ثمن الدروس الخصوصية فى مدارس الحكومة وقيمة الأدوية فى العلاج المجانى فى مستشفيات الحكومة، المصيبة أننى أدفع تلك النقود مجبرا بموجب عقود إذعان تفرضها على سلطات الأهل والجيران والحكومة، أدفع نقودا أكثر مقابل خدمات أقل، ومع ذلك الإذعان والتعسف لا أحصل على صفات العميل الجيد أو الأب الحنون أو المواطن الصالح0
ولأننى مازلت موظفا حكوميا مصريا اعمل تحت وطأة ستين ألف قانون تفسرها لوائح مطاطة متضاربة تسمح باختراق كل القوانين، لذلك أدور حول حقى المهضوم أخذه من المحليات والدولة والشركات والتجار والأولاد، هكذا تقرر الإحصاءات أننى موظف أعمل فى المتوسط ثلاثين دقيقة كل يوم، وانفق ما تبقى من يومى فى طوابير العيش ووسائل المواصلات والعراك مع الجيران، ولا أعرف طريقا ميسورا للعمل المنتج، ذلك بأن رئيسى فى العمل يتم تعينه بناء على علاقته بأهل السلطة، لا يملك أدوات موضوعية لتقييم أدائى ويصدر أحكامه الوظيفية بناء على معايير شخصية ترسمها مصالحة الخاصة، لذلك أسعى كل يوم للحصول على أموال وهبات ورشاوى, وحين يتحرك ضميرى ببعض الألم، أجد فى وعاء الثقافة المجتمعية السائدة ما تزكية الحكومة من أمثال وحكم تبرر أفعالى، ثقافة ترى أن أمور الحساب لن تقف عندى، فطالما أن أحدا لا يهتم باستيفاء حقوقى فلا أحد يهتم بمتابعة واجباتى، صحيح أن الغلابة يهدرون بمعاناتهم بعضا من الموارد، لكن الكبار فى بلادنا بمكرهم يأكلون كثيرا من الموارد، يهبرون أموالا بالملايين ويغسلون أموالهم فى دمائنا، عيونهم فاجرة تندب فيها ألف رصاصة دون أن يهتز لهم طرف، هكذا الغلابة فى بلادنا يبقون غلابة، ولا يملكون غير الدمع عند كل حاقة ومظلمة.
برغم أننى موظف حكومة مصرى أعانى ضعف الإدارة وإجحاف الحكومة وعجز القوانين عن تحقيق قدر معقول من العدالة، إلا أننى فى لحظة صفاء يمكننى أن استعيد قدراتى على التفكير الموضوعى، وأطرح سؤالا عاما، ماذا يحدث لو قررت الحكومة مضاعفة مرتبات العاملين بالدولة خمس مرات؟، هل سترتفع الكفاءة الإنسانية والاقتصادية لظروف العمل فى بلادنا؟ الإجابة بالنفى وسيظل حالنا كما هو عليه، نعانى من تخلف وظيفى وتسيب إدارى، ذلك لأن زيادة المرتبات وحدها دون تغيير ببقية عناصر نظامنا الوظيفى تجعلنا ندور فى حلقة مفرغة من التخلف، دائرة زيادة المرتبات وزيادة الفقر، وبمعنى أخر حين ترفع الحكومة المرتبات دون أن تسعى لإصلاح النظام الإدارى والاقتصادى فإنها تسعى دعائيا لأن تعيد رسم الصورة بمقياس رسم جديد يبدو مبهرا للبسطاء والسذج، دون أن تغير الزوايا أو العلاقات فى مكونات الصورة، هكذا يظل فقرنا الاقتصادى والأخلاقى والاجتماعى، جاثما على الصدور.
القيمة الحقيقية لزيادة للمرتبات تقاس بالقيمة العلمية لتغيير العلاقات الوظيفية، باعتبارها علاقات ديمقراطية أو استبدادية، وباعتبارها علاقات عادلة أو غير عادلة، وباعتبارها علاقات موضوعية عامة تحدد طرقا علمية لتقييم الكفاءة وإصلاح الأخطاء أو علاقات ذاتية تحمل الطموحات الشخصية لبضعة أفراد فى التملك والسيطرة، فحين يزيد مرتب موظف بألف جنيه ويزيد مرتب رئيسه بعشرة آلاف جنيه دون أن يصاحب ذلك تقدم فى بيئة العمل الحكومى، فمعنى ذلك أن الحكومة لا تتعامل بموضوعية مع مشاكل الموظفين، ترفع قدر أهل الثقة فوق قدر أهل الكفاءة، أنها حكومة تدرب شعبها على الشحاذة، تدفع لغالبية موظفيها علاوات فقر وشهادات ذل، وتدفع لبعض موظفيها رواتب تفيض عليهم وعلى أتباعهم من خدم وحشم وحراسات خاصة، إنها سياسات وظيفية تزيد التضخم وترفع الأسعار وتفتح لأهل الهوى مزيدا من أبواب الفساد.

Thursday, May 01, 2008

رجل غُراب00 وخُف جمل

حين أسرفت أمى فى ملأ دارنا بالبخور والدخان والأحجية تطارد الحسود صاحب العين الصفراء، بقيت أنا طوال حياتى أطارد وجوها كالحة، تقطع الخميرة من كل دار، توقف اللقمة فى كل زور، تقتل صفو المحبين والعاشقين والساعين فى كل خير، ومرت حولى حوادث مفجعة دون أن أعرف بالضبط من هو صاحب العين الصفراء.

ذات مرة أعجبتنى فتاة غزال طيبة رقيقة المشاعر، وحين أدمنت النظر إليها تزوجتنى، وما زالت طوال الخمس وعشرين سنة الماضية على جوازنا تندب حظ زواجها العاثر وتبحث عن صاحب العين الصفراء كى تقطع جثته أربا، وذات مرة أعجبتنى صحة رئيسى فى العمل، يرقص على كل حبل دون أن يقع، وحين أدمنت النظر إليه أصابه العجز وضغط الدم وغباء الإدارة، وظل سنوات ممسكا بمنصبه يسرف فى العطايا كى يرفت صاحب العين الصفراء0
وحين جمعتنى صداقة مع الصحفى (محمد الشافعى) بدار الهلال، وأصبح لائقا أن نقاوم نكد الزوجات وقرف العيال، اتجهنا فى زيارة إلى منطقة رأس سدر بمحافظة جنوب سيناء، قاصدين زيارة نفر من عرب سيناء صنعوا بطولات مقاومة ضد العدو أثناء حرب أكتوبر المجيدة، نزور مجاهدين منحتهم الدولة وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى، منهم سليم مضعان وفرج وأخوه فريج مساعيد.

على الشاطئ الغربى لقناة السويس وقفت طارحا بصرى نحو الرمال الصفراء فى الشرق مسترجعا تاريخ بلادنا مع الأرض والناس والجبال باتساع كل الأفق، فى الزمن القديم كانت سيناء أرض تيه عبرها فاتحون ورسل وغزاة وتجار مخدرات، وفى الزمن الحديث عادت بعد جهد جهيد ليرى فيها المخلصون أنها أرض فيروز نرسم عليها خطوات تقدمنا نحو المستقبل0
حين اجتاحنا الشوق للعبور نحو أرض الفيروز رصدتنا عين صفراء، دفعنا رسوما لتعبر سيارتنا نفق الشهيد أحمد حمدى تحت قناة السويس وندخل سيناء، هكذا هاجت فى الذاكرة حواجز صنعتها حكومات متتالية للفصل بين سيناء وبين بقية أرض مصر، ففى عهود مضت لم يكن لمصرى أن يدخل سيناء دون تصريحات تصدرها جهات أمنية، واليوم أصبح دخول سيناء ميسورا لكل من يدفع رسوم عبور، ربما هى موارد تستخدم فى صيانة النفق، ولكنها أموال يدفعها المواطنون لأجهزة دولة تكريس التفرقة النفسية بين بقاع الوطن الواحد0
وضعنا الرحال فى بيت من بطون آل مضعان فى منطقة رأس سدر، جلسنا فى بيت شعر يملكه مضيفنا، خيمة كبيرة من الصوف يتوسطها موقد فحم كبير يصنع الشاى والقهوة العربية يقدمها صاحب الدار للجميع، أتى غدائنا لحم ضان وأرز يملأن صينية كبيرة، وبدأ نظام تناول الطعام، الضيوف أول من يأكل، يمد الجميع أصابع أيديهم اليمنى، تنزل خاوية كرجل غراب على الطعام، تنزع اللحم وتكوره فى الأرز وتصعد مليئة كخف جمل، تدس حملها فى أفواه رجال لا يتكلمون أثناء الطعام، يأكلون قليلا ويخفون سراعا، ويأتى دور صاحب البيت يأكل من باقى طعام ضيوفه وما يفيض يذهب لأهل البيت من أطفال ونساء، هكذا تعريف أحد مظاهر الكرم فى بيئة جافة شحيحة الموارد0
وحين شعرت بالامتنان لكرم الضيافة ونحافة الرجال كانت العين الصفراء تترصدنا قاصدة أن تفسد متعتنا، هاجم المطر بيت الشعر فتماسك الصوف بالبلل ومنع الماء من النزول فوقنا، وهاجمت السيول أرجاء المنطقة وكادت أن تقطع طريق عودتنا، مياه غزيرة يلقى بها المطر على الجبال تتجمع وتأخذ طريقها فى مخرات سيول تلقى بحملها على الوديان تدمر فى طريقها كل زرع وضرع وتتجه نحو البحر0
اكتملت فى ذهنى صورة لكوارث طبيعية تحل بالمكان، وتوقعت أن يبحث الناس عن غريب صاحب العين الصفراء كى يلقوا به فى شقوق الجبال، لكن القوم استبشروا خيرا بقدومنا، ذلك بأن جفافا لحق أرضهم طوال السبع سنوات الماضية شارف على للرحيل، ورأوا فينا ضيوفا تحل معهم البركة ويعرفون أصحاب القرار فى العاصمة ويصاحبون من يعيد لسيناء بهائها كجزء من ارض مصر، وحين غمرنا ذلك السيل الجارف من المودة اكتشفت أن عينى ليست صفراء تماما، فكيف لعين أن تحسد أناسا بسطاء طيبين؟ يعيشون حياة جافة غُلبا، يعانون من مشاكل الإدارة والاقتصاد فى الدولة المركزية، حيث تتكاثر الخدمات فى العاصمة وتقل فى الأطراف0
سيناء أرض الفيروز والفحم والبترول والتاريخ، هى كذلك فى الطبيعة لكنها ارض عذاب تقع على أطراف مصر، تحتاج إلى عين رعاية فى مجالات الصحة والتعليم والنشاط الاقتصادى ليسكنها بشر أصحاء يصنعون تقدما حضاريا على أرض مصر، تقدما لا تبقى معه أرض سيناء مجرد بؤر سياحية يسترخى فيها بعض الأغنياء على ما يهبرونه منها فى خف جمل ويتلظى فيها الفقراء على ما ينتجه جفافها من نبش الغراب0

Tuesday, April 29, 2008

أنا شاهد وكنت يقظا

يوم الجمعة، العاشر من ابريل (نيسان) 2008م، وعلى مدى يومين عقدت جماعة ( مصريون ضد التمييز) مؤتمرها الأول لمناهضة التمييز الدينى فى مصر.

انفض المؤتمر لتبدأ مماحكات كثيرة تناثرت فيها المقالات هنا وهناك، ما بين مؤيد ومعارض، وما بين غوغائى وعقلانى، وما بين من يرى الحقائق ومن يتعامى عن رؤيتها، بعضهم ألقى اللوم على نقابة الصحفيين المصرية فى عدم استضافتها للمؤتمر باعتبارها مؤسسة تطالب بحرية الفكر، وبعضهم ألقى اللوم على حزب التجمع ذو التوجه الاشتراكى حين سمح باستضافة المؤتمر فى مقره، مقتصرا على الاستضافة دون مشاركة فاعلة وكان هو أولى باعتباره حزبا يدعو للموضوعية الفكرية، وبعضهم أنحى باللائمة عن جماعة (مصريون ضد التمييز) أنها تحولت إلي مجرد ملتقى طائفى يتصايح فيه أصحاب الديانات والعقائد المختلفة بما يعتقدون انه صواب الدعاية لدياناتهم ومعتقداتهم دون أن ينصرفوا فى صياحهم إلى وقائع الهم الوطنى العام حيث التمييز ضد الجميع.

أقول هنا شهادة واجبة عن ذات المؤتمر، أنا ياسر العدل مواطن مصرى يقظ، لست عضوا بنقابة الصحفيين المصريين كى يأتينى نبأ تأويل ما لم أستطع عليه فهما من سوء أداء بعض الصحفيين المنتسبين إليها، ولست عضوا بحزب التجمع كى أرتدى نظارة حكم على صفات العمل اليسارى فى ربوع مصر، أنا فقط حضرت كامل وقائع اليوم الأول من المؤتمر الأول مناهضة التمييز الدينى فى مصر.

شهادتى أن المؤتمر ضم قلة واعية تحمل ثقافة موضوعية ضد التمييز بين المواطنين المصريين فى المناحى المختلفة، هذه القلة لم تجد فرصتها فى الظهور الفاعل، وضم المؤتمر كثير ممن يبحثون عن أدوار دعائية، هكذا ظهر المؤتمر كأنه ساحة يعرض بعضهم فيها صورا للتمييز الدينى ضد غير المسلمين وصولا من هذا البعض إلى آراء واقتراحات لإقصاء هذا التمييز فى اتجاه بعينه، وتناسى هذا البعض أن هناك تمييزا واضحا بين المصريين فى مختلف صورهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، هكذا ظهر لى كثير من القصور فى أداء المؤتمر الأول من نوعه فى مصر، وكان المتوقع عندى أن أرى في المؤتمر ساحة جادة على المستوى الفكرى والثقافى لمناهضة التمييز.

شهادتى أن تصريحات القائمين على المؤتمر أكدت انه قام على جهود فردية دون رعاية أو مساندة من الدولة، وكان واجب الدولة المدنية المساندة، ولم تسانده أو ترعاه أحزاب تملك توجها إنسانيا فى تعريف المواطنة، وكان واجب الأحزاب الليبرالية المساندة، لذلك أصبح مبررا عندى بعض ما رأيت انه قصور فى أداء مؤتمر قام على جهود أفراد ومجموعات صغيرة.

وبرغم شهادتى القابلة للجدل، إلا أن أبرز ايجابيات المؤتمر المصرى الأول لمناهضة التمييز الدينى هى أن المشاركين فيه نزعوا نحو تفعيل وجود الدولة المدنية باعتبارها ضرورة سياسية، هذا النزوع الفكرى نحو الدولة المدنية يطرح بصيصا من الأمل فى صحوة ثقافية وسياسية ضد التمييز بين المصريين، وحين تأتى الصحوة بعد فترة من ثبات عميق ومقيت، فعلى الغيورين على قيمة الإنسان المصرى المتحضر أن يتفهموا كثيرا من أسباب القصور.

Sunday, April 20, 2008

بعض الكتبة مزعجون .. وأنا أيضا

أسباب بسيطة ذات انعكاسات منطقية تجعلنى اكتب على فضاء النت، إنها الحرية اسعى إليها من جانبى وانه الانهيار الكبير يوشك أن يحط على وسائل إعلامنا الرسمية المهتمة بالكتابة، فمن المؤكد أن كثيرا ممن يمارسون الكتابة فى وسائل إعلامنا الرسمية ليسوا هم الأفضل، إنهم فى الغالب كتبه سلطان مغرضون، ومع رغبتى فى البقاء حرا فى كتاباتى إلا أن بعض رواد فضاء النت من متواضعى الإمكانيات يلاحقنى برسائله قاصدا أن يدخلنى فى قوالب يصنعها على مقاس فكره وطموحاته، بعضهم يرانى كاتبا وناقدا ويسعى لمعرفة رأيى فى أعماله الأدبية.

دون التعرض لأسماء بعينها، فقدت على فضاء النت صداقة اثنين من المذيعين المصريين، وكان السبب الرئيس فى القطيعة أن شاعرا منهما يريدنى ناقدا أدبيا وأنا لست بناقد، وأن قاصا منهما يريدنى ناقدا أدبيا وأنا لست بناقد، هما لا يريدان أن اكون على هواى قارئا ذواقه أتعامل مع النصوص الأدبية ككائن برى يعشق الحياة، وعدم قدرتى على التكيف ناقدا أدبيا على هوى بعضهم سبب عزوفا عنى من كاتبة وشاعرة سعودية، وكاتبة وقاصة من أصل فلسطينى، وثلاث مصريات هن شاعرة ومدونة وكاتبة، وسبب ذلك العزوف إننى لم استطع الدخول فى الأجواء الأدبية لواحدة منهن.

صحيح أن القراء ممن يستسيغون ذائقة العمل الأدبى قليلون، الأقل جدا بين الناس من يمسكون بالقلم قاصدين الكتابة الأدبية، وبين من يمسكون بالقلم غالبية غالبة لا تعانى مشاكل التعامل مع الواقع وتفسيره، هذه الغالبية تتجرأ على الكتابة باستهانة بالغة كأن الكتابة الأدبية فعل تنطع يمارسه كذابون أو لصوص، هكذا مع التنطع فى الكتابة يصبح من النادر أن تجود البشرية بكاتب عظيم.

بعض من راسلنى على النت لم ترق لى كتابته ففضلت أن اهتم بوقائع صورته الشخصية المرسومة على صدر حديث أجرته صحيفة معه، أرسل هو إلى موقع الصحيفة على النت، وجدت على صدر الموقع صورة بالألوان لكاتبة صحتها عفية وأسنانها الأمامية متراصة وتشرع فى الابتسام، وحين رأيت أن أعمالها الأدبية متواضعة الإمكانية رأيت الانصراف عن التعليق على مجمل تلك الأعمال قاصدا الانشغال فى مقارنات فارقة بينى وبين الكاتبة، فأنا لا أتجرأ مثلها على الكتابة بعد أن هاجمنى الكبر وتساقطت أسنانى وأصبحت إخفى ضحكاتى وكثيرا من كتاباتى المهترئة، ومن باب التهكم رأيت أن انتشار وجودى الأدبى هو مجرد فعل بسيط يمكننى القيام به على شاكلة ما تقوم هى به، تخلصى من مرض السكرى وآلام المفاصل وضغط الدم والتخلف العقلى، كلها أسباب كافية لأن أعيد الضحكات والابتسامات والقهقهات إلى سمائى لأصبح أنا أيضا كاتبا فحلا وعتيدا.

إننا نعانى فى الأعمال الأدبية من مشكلة خطيرة ومتوارثة، مدعو الأدب لا يدركون ما نعانى من تضخم ذواتهم وإلحاحهم وتنطعهم الأدبى، مدعو الكتابة يبحثون عن النقاد ( الموضوعين والمستنيرين)، ومدعو النقد يرتزقون على حساب الكتّاب ( المبدعين والمستنيرين)، وسط هذا الجو المشوب بالادعاءات الكاذبة ينسى الكاتب المتواضع والناقد الفسل أن يبحثا عن القارئ المتلقى صاحب الحظوة والسر الأكبر فى إعطاء العمل الأدبى صفة الحياة أو الموت، إن عديمى الموهبة فى سبيل ما يرون انه الموضوعية والإبداع ينسون ايجابية القارئ المتلقى أو على الأقل يطرحون ذائقته الفنية جانبا.

الآن، إلى غير الموهوبين من الكتاب ويتصلون بى قاصدين رأيى النقدى فى أعمالهم الأدبية، إليهم نصيحتى، ابتعدوا عنى فانا قارئ غندور لست أجيرا لدى كاتب بعينه أو متواطئا مع ناقد بعينه، أنا قارئ غندور أقرأ ما يعن لى واستمتع بما يحلوا لى، أنا قارئ غندور يحب الحياة ويرى أن بها متعا كثيرة صالحة للتذوق من بينها ذائقة العمل الأدبى، وذائقتى الأدبية ليست على هوى كثير من محدودى الثقافة.

Tuesday, April 15, 2008

جدل التمييز الدينى والدولة المدنية

من المؤكد أن الحياة هى ما نحياه فعلا، والحياة البشرية جمع من وقائع تتحرك عبر الزمن، والزمن له حالات من التواتر والتتابع، قد يكون الزمن خطا أو مجموعة من الخطوط تبدأ من نقطة تتواثب بعدها نقاط لتصل إلى نقطة النهاية وقد يكون الزمن منحنى أو مجموعة من المنحيات تتواصل بدايتاها مع نهاياتها لتصنع دورات تتراوح بين التكرار والثبات بين مطلق أو نسبى.

سواء أكان الزمن فى وجوده الخاص مستقيما أو لولبيا أو دائريا، إلا أن الإنسان فى جدله مع الحياة قد جرى على تقسيم الزمن إلى ثلاث مناطق قد تتشابك أو تنفصل، ماض نعرف بعضا عنه من ذاكرة احتمالية تطغى عليها المعرفة الإيمانية، وحاضر نحياه بحواس يطغى عليها المعرفة العلمية، ومستقبل نصنعه بأحلام تطغى عليها المعرفة الإيمانية مرة أخرى، وانتقال الزمن بين تلك المناطق هو انتقال محتوم بضرورة الوجود الجدلى للحياة.

الإيمان منهج فردى لمعرفة وتفسير العالم يعتمد على مصادرات عقلية، لذلك فهو منهج يحتمل كثيرا من الاتساع فى مجال تفسير وجود العالم، فإذا كان البشر قد خلقوا من نطفة حصان فان الوجود البشرى يقبل تفسيرا على مصادرة وجود هذا الحصان، وإذا كان البشر قد كان أبوهم آدم فان العالم يقبل تفسيرا آخر على مصادرة وجود آدم، وإذا كان لون دم البشر يختلف بين دم أزرق ودماء أخرى فان للجنس الأبيض مصادرة التفوق على باقى الأجناس وهكذا تتعدد التفسيرات بتعدد المصادرات.

العلم منهج موضوعى جماعى لمعرفة وتفسير العالم لا يقبل المصادرات ويناقش وجودها، العلم منهج يعتمد على البديهيات العقلية والحواس الغريزية فى فهم العالم، فلا حصان بدون زيل، ولا آدم بدون حواء، ولا دم بشرى غير أحمر، هكذا الإيمان يستخدمه الإنسان فى تفسيره للماضى وفى صناعته للمستقبل، والإيمان يعايش الحاضر بقدر بما يحقق من مصالح فردية لبعض البشر.

الإيمان هو مدخل أوسع للإنسان لتفسير لكل من الماضي والحاضر، مثال ذلك وجود الأهرامات المصرية لها تفاسير فى الماضى، هناك من يقول إنها معجزات أقامها عماليق من غير البشر وهناك من يقول إنها نتاج حضارة بشرية ممكنة الحصر والنقل، وغير ذلك من تفاسير، ووجود الأهرامات المصرية له تفاسير فى الحاضر، تفسير يرى فيها صلابة أحجار وعبقرية بنيان، وتفسير يراها رموزا للعبر وصلاحيتها كأحد موارد السياحة، وغير ذلك من تفاسير والعلم يرى الأهرامات أبنية هندسية ونسق اجتماعى وتطور تكنولوجى وتنظيم إدارى، هكذا يكون العلم هو المدخل الأكثر انضباطا لتفسير كل من الماضى والحاضر واستشراف المستقبل، وهكذا يعمل العلم يصنف المعلومات ويصنع معرفة موضوعية.

الإيمان إذن هو مدخل الإنسان لتصور المستقبل، بعض الناس يرى أن الحياة من صنع خالق فوق مستوى الإنسان وأن مستقبل البشر واقع حيث قدّره الخالق، وبعض الناس يرى الحياة فى متناول يد الإنسان ويمكن صناعتها تجديدا وإضافة وتطويرا وأن مستقبل البشر واقع فى أيديهم، وأبعاض أخرى من البشر ترى نظرات مغايرة وربما متناقضة للحياة ومستقبلها، هكذا الإيمان إذا تجاوز المصادرات وخفض من أعدادها انضبطت رؤية الأفراد المؤمنين للعالم واقتربوا مناهج حياتهم أكثر إلى المنهج العلمى.

بقى أن للإنسان أدوات يجادل بها وجوده فى الحياة، يستخدم الحواس والعقل كأدوات لمعرفة الحاضر من خلال منهج علمى تتساوى عنده الفروض مع المصادرات ويسمح للفرد البشرى بتخزين المعرفة ونقلها بين البشر، هكذا تتجاوز المعرفة العلمية إمكانيات الأفراد الخاصة والمتباينة بسبب ممارسة حياتهم فى موطن جغرافى بذاته أو قبيلة اجتماعية بعينها، بينما يكون الحدس والأحلام أدوات الإيمان للفرد البشرى، الحدس يفسر بها الماضى والأحلام يستشرف بها المستقبل، هكذا يكون المنهج العلمى هو المدخل الأكثر انضباطا لتفسير كل من الماضى والحاضر واستشراف المستقبل.

إن الإيمان منهج فردى يعتمد على مصادرات فى معرفة الحياة وتفسيرها، الإيمان منهج معرفة ذاتى لا يقبل الاعتراف بمنهج أخر وان قبل فكرة التصالح مع ذلك الآخر، فكل دين هو منهج إيمانى ناسخ لغيره من الأديان، هكذا لا يمكن تعميم الدين على جميع البشر كمصدر وحيد لمعرفة الحياة والتعامل معها، ويبقى أن المنهج العلمى منهج معرفة موضوعى لا يعترف بالمصادرات، يتجاوز الفروق الفردية ويصل إلى الجماعات المتباينة، ويعترف بوجود مناهج أخرى محتمله للبحث عن المعرفة ويطرق أسباب التقدم.

الآن البشر يعيشون فى كيانات سياسية تتعدد عوامل تكوينها ويتعاظم حجمها من أسرة إلى عائلة إلى قبيلة إلى دولة.

احدى النظريات لتفسير وجود الدولة هى نظرية العقد الاجتماعي ويرى أصحابها أن الدولة كائن مستقل جرى تعاقد بينه وبين الجماعات المكونة له على ضمان حماية الحريات وتأصيل الحدود بين مجموعات تتفق على الحقوق والواجبات يربطها أساس قانونى من الأهلية والكفاءة، هذا العقد يوضع فى دستور فوقى ثابت للدولة تنبع منه كافة القوانين التى تقود النسق المعرفى للجماعات المكونة للدولة.

هناك نظريات أخرى تطرح تفسيرات أخرى لوجود الدولة، من بينها نظرية ترى حب الحياة هو الأساس لوجود الأشكال المتباينة من صور الأسرة العائلة القبيلة الدولة، هذه النظرية تراعى حركة الجدل البشرى أخذا وعطاء وتأثرا بين العوامل المختلفة والحاكمة للوجود البشرى وترى أن دستور الدولة عمل وضعى يمكن تعديله كلما أقبلت المجموعات على أمر جديد, نظرية حب الحياة لا تقيم وزنا لذلك الفصل التعسفى بين حرية الجماعة على حساب حرية الفرد، الذى يضع حد للتوازن بين البشر هو جدل الإنسان، ويصبح للشمول الفكرى تمارسه الجماعة الغالبة فى حالة جدل مع التكلس الفكرى تمارسه الأقلية، جدل الإنسان هذا يترك الباب مفتوحا للتخلص من الشمول والتكلس.

الآن، إذا اعتبرنا أن الحياة وجود حقيقى تمارسه الأقليات والأغلبية تحت إطار الدولة فيلزم لصالح الجميع أن يسود نظام الدولة نسق معرفى يقود حركتهم فى الحاضر ويستشرف وجودهم فى المستقبل، هذا النسق المعرفى يتراوح بين الإيمان الفردى وبين العلم الموضوعى.

الآن، إذا اعتبرنا أن الوجود الإنسانى هو سعى بشرى للحرية، وإذا اعتبرنا أن الدولة هى كيان سياسى تضم بالضرورة جماعات بشرية، فلا سبيل لتقدم تلك الجماعات دون أن يحكمهم دستور يفصل بين أديانهم وبين سلطات الدولة، فللمواطنين حريات الانتقال والاعتقاد والعمل فى دولتهم، وللدولة سلطات مدنية على مواطنيها تنسق بين حرياتهم، سلطات الدولة المدنية تقوم على المساواة والعدالة بين المواطنين دون تمييز بسبب لغة أو ثقافة أو دين أو جنس.

Saturday, March 29, 2008

ديمشلت 00 دعوة لجمع التراث

ليس من المعتاد أن تسمع الأذن اسم - ديمشلت - بكسر الميم وتشديد الشين بالفتحة، دون أن يطرح السامع أكثر من استفسار عن طبيعة ومعنى هذا الاسم، ديمشلت اسم قريتى التى ولدت فيها وعشت بين ربوعها أحداث صباى، قرية تبعد مسافة احدى عشر كيلومترا شمال شرق مدينة المنصورة عاصمة الدقهلية.

هناك كثير من التفاسير لاسم ديمشلت، بعضهم يقول إنه اسم فرعونى، أصحاب هذا التفسير يطرحون فكرة أن مصر بلد فرعونى قديم ومستقرة غالبية قراه ومدنه، وهذا وارد تماما فعصر الفراعنة امتد على أرض مصر أكثر من ثلاثة آلاف عام ما بين كل من الدولة القديمة والوسطى والحديثة، وأثار الفراعنة تقع جغرافيا على مقربة من قريتى، إنها آثار بنى سلام على بعد حوالى خمسة وعشرين كيلومترا جنوب شرق قريتنا.

يقولون أن ديمشلت اسم محرف لكلمتين منفصلتين هما، دم - تجلط ، وحين تم ضمهما أصبح الاسم ديمجلت بتشديد الجيم، وهو الاسم الذى تحمله قريتنا على خرائط المساحة الحكومية التى وضعت فى القرن العشرين، أصحاب هذا التفسير يرجعون الاسم إلى دماء سالت وتجلطت فى معارك دارت بين الفرنسيين وأهل المنصورة فى القرن الثانى عشر الميلادى أثناء الحروب الصليبية على مصر، ولهذا التفسير وجاهته، فقريتنا تقع على بعد ستة كيلومترات من قرينة الريدانية على شاطئ النيل الشرقى فرع دمياط حيث دارت معارك طاحنة فى ذلك العصر.

يقولون أن اسم ديمشلت هو تحريف سببه تشابه فى المواقف والوقائع بين ما حدث فى التاريخ لقريتنا وبين مثيلاتها التى حدثت لقرية - ديم اللاش أو ديملاش - الواقعة على مقربة عشرة كيلومترات شمال غرب مدينة المنصورة على الجانب الغربى من النيل.

ايا ما كانت المسميات والأسباب التى جعلت من ديمشلت اسما لقريتنا، فإن التاريخ الحى الذى عشته في ديمشلت يسرد على ذاكرتى كثيرا من الأحداث والوقائع ذات المغزى.

قبل خمسين عاما، كان عدد سكان ديمشلت أقل من خمسة ألاف نسمه، براحها كان واسعا به أجران درس وبيوت وزرائب كثيرة، بيتنا كان بالطوب الأحمر والأسمنت المسلح فى حارة الرملة بحرى البلد، وقتها كانت بيوت ديمشلت الأسمنتية لا تزيد على عشرة بيوت والبقية الباقية من البيوت مبناة من الطين أو الطوب الأحمر، اسم حارة الرملة كان انتسابا لبقعة من رمال وقعت على شاطئ بركه صنعتها أثار الفيضان السنوى للنيل على ديمشلت، كان واردا بعض التصارع والتنافس بينا نحن أهل ديمشلت فحين أسمينا أنفسنا سكان حارة الرملة أطلق علينا بقية أهل ديمشلت اسم سكان البركة، وحين كبرت ديمشلت وامتدت مساكنها شمالا، أطلق أهلها على امتدادها السكنى الجديد اسم كفر النقص بتشديد النون والقاف، من نقص بيوته واستخفافا بالقدرة الاقتصادية لغالبية سكانه، وفى المقابل كان السكان الجدد فى كفر النقص يطلقون على بقية مناطق ديمشلت إنها كلها بلد النقص.

كان فى وسط ديمشلت منخفض كبير يرشح بعض الماء فى الشتاء وحين أقيمت به قليل من مساكن الفقراء أسمينا سكانه أهل النقرة، فقاموا بالرد وأطلقوا علينا سكان الطراوة، من طراوة الطقس لغة ومن طراوة المخ وجنونه أخلاقا، وعلى حافة النقرة تواجد شارع ضيق ومتفرد أسميناه الشرم بتشديد الشين وتسكين الراء، قصير لا يزيد طوله عن عشرين مترا يصل بين حارة النقرة وحارة وسط البلد، ضيق لا يصل عرضه الى مترين فلا يمر فيه شخصان فى اتجاهين متقابلين دون أن يتماسا وتعبره حيواناتنا منفردة، شارع الشرم دارت حوله كثير من أحاديث الجدات وصناعة الأساطير فامتلأ ليلا بعفاريت تتشكل فى أرانب وقطط سوداء وحمير طويلة لا يركبها غير الأولياء والشياطين، وكان الشرم معبرا لجنيات السواقى واللقاءات السرية للأحبة ولصوص أوعية النحاس وطشوت الغسيل وجرار الدقيق، وحمل الشرم لديمشلت عشرات الحكايات من القتلى والبغايا والمشوهين يمرون فيه طوال الليل من بعد العشاء حتى آذان الفجر، هكذا كان الشرم هو المكان الرهيب لاختباء الأولاد الكبار حين يلاعبونا الاستغماية.

ديمشلت قسمها شارع كبير إلى قسمين، بحرى البلد الملئ بالأثرياء وقبلى البلد الملئ بالفقراء، ذلك الشارع الكبير دارت فيه معارك كثيرة بين سكان بحرى وقبلى وسالت فيه دماء وطلقت زيجات فأسميناه شارع الخراب، وحين نشأ فى بحرى بلدنا مقامين لأولياء قيل إنهم صالحون لم يهدأ سكان قبلى بلدنا فى الجانب الأخر من الخراب حتى أقاموا قبرا ومولدا لولى آخر أختصوه برعايتهم وأقاموا بجوار قبره نصف جامع ومضيفة يستقبلون فيها الأغراب وضيوف المآتم.

لعبت الكلاب دورا حاسما فى سيرة حياة ديمشلت، كلابنا تسرح وراء بهائمنا للحقول وتسهر عند السواقى وتنبح وراء مسحراتية شهر رمضان، تحرس بيوتنا وتعض أطفالنا ونتشاءم بالإناث منها خصوصا كلبة خالتى زهرة، كانت كلبة خالتى زهرة كلبة سوداء كسرت رجلها الخلفية فى علاقة جنسية مشهودة مع كلب غريب وسط القرية وفى لحظة الاشتباك الحميمة طاردهما بعض من حراس القيم والموتورين جنسيا وكسروا رجل كلبة خالتى زهرة وتولى الأطفال مهمة طرد الكلب الغريب بعيدا عن حمى أرض ديمشلت، لكن الكلبة الدءوب انتقمت من الجميع فعاشت سنوات وسنوات تطارد القطط وتختبئ عن العيون فى وصالها المحموم مع كلاب غريبة وقريبة وذئاب وتعاشر بعض الثعالب وملأت شوارع ديمشلت بنسل متباين من كلاب الحراسة والكسل والزهو الضعيف.

لعبت المقابر دورا كبيرا فى حياة ديمشلت، فى وضح النهار وبعض من الليل تدفن جثث الأطفال والآباء والأجداد وعلى مقربة من المقابر كانت ترعة مغلقة جعلها كثير من اهلنا مقبرة للحيوانات النافقة من الحمير خصوصا، جثث القتلى والثأر والعار لا تدفن فى العلن، مقابرنا تضم أعمال سحر للخراب وفك المربوط وربط القوى وإصابة الحمل وتسهيل ولادة الذكور وزيادة اللبن فى أثداء نسائنا وجاموسنا، وتلعب أعالى أشجار الكافور والجميز والتوت ومفارق الطرق ودورات مياه الجوامع دورا سريا فى الاحتفاظ بتعاويذ ديمشلت صاحبة الجموح والطموحات غير الشرعية.

كل هذه الأحداث مرت على ذاكرتى فى شريط رائع حين زرت قريتى ديمشلت خلال الأيام الماضية فى زيارة شوق بعد أن جاوز عمرى الستين عاما.

الآن ديمشلت قرية يزيد عدد سكانها على ثلاثين ألف نسمة تخلصت كثيرا من ثيابها التراثية الفلكلورية، تتراص فى غير جمال مبانيها الأسمنتية الضيقة على شوارع وحوارى من طين وتراب وعراء أشجار، هكذا أصبحت ديمشلت قرية تتراقص على مشارف المدن الفقيرة.

نحن فى كل أرجاء مصر بحاجة لتسجيل تراثنا الحضارى الذى عشناه فى بيوتنا وكفورنا وقرانا ومدننا قاصدين فى كل الوقت أن يكون التسجيل علميا بهدف تأصيل آليات انتمائنا إلى كل بقعة فى بلادنا.
إن وقائع جدلنا مع الحياة يحتاج إلى جهود علمية وفنية لفحص وتسجيل ما هو موجود من تراثنا نصا وشفاهة وبحثا لكل دروب حياتنا المعلنة والسرية، واننى أهيب بالجمعيات الأهلية ومراكز الشباب والبؤر الثقافية فى القرى والمدن أن تقوم بهذا العمل الجليل، هكذا تفعل كل المدن والقرى فى البلاد المتحضرة، فنحن لدينا ثراء تراثى نهدره بينما يسعى الآخرون لإضافة تراث فوق تراثهم.
=========
فى اليوم التالى لكتابة هذا المقال قرأت اضافة ثرية كتبها الأستاذ سامى حرك المحامى بالنقض فى مدونته علم مصر، واننى اشكر له جهده فيما تناول من فروض علمية حول تسجيل التراث.
=========

Monday, March 24, 2008

!! سياسة التعليم وخرابنا القومى

تطوير العمل بجامعاتنا يتطلب معايير علمية للجودة بما يعنى جودة تنظيم مدخلات عملية التعليم من طلبة وأساتذة وموارد يتبعها جودة العملية التعليمية بهدف إخراج طلاب علم نابهين، هذا الكلام النظرى يتولى مسؤولية تحقيقه على ارض الواقع الوزير ذو المنصب السياسى، والوزير السياسى يأتى بأفكاره ممن أتوا به إلى كراسى الوزارة، نعم كراسى الوزارة فللوزير أكثر من كرسى وأكثر من مكتب يجتمع عليها بلجان التطوير، ولجان التطوير تتكون من خبراء متخصصين أغلبهم من أهل الثقة ممن يقولون آمين وينتظرون رضا الوزير ليرثوا مكانته وقدراته السياسية، من أجل هذا الطموح السياسى تأكل اللجان أفكارها العلمية وتمشى مع الحركة الرائجة، يقولون هذه إرادة الله ثم إرادة الوزير، القليل من أعضاء اللجان ينتظرون تحويل أفكارهم العلمية إلى خطط وأساليب عمل، لكن الخطط والأساليب والتكتيك والاستراتيجية مرهون وجودها بتوقيع الوزير والوزير مشغول بالتواجد فى أماكن الرضا الإعلامية، هكذا تدور حلقة انهيار نظامنا التعليمى بين الوزير وبين اللجان المتخصصة.

فى كل أسبوع وشهر وسنه، تقام فى بلادنا احتفالات لإنشاء مؤسسات تعليم حكومية أو خاصة، بعضها يتبع خفارة شرقية أو سفارة غربية، وبعضها تديره حكمة "خالتى زهرة" أو خبرة "عمّو سيد"، هكذا يتردى أولادنا حيارى فى الالتحاق بمحلات علم تنتشر بين شقق غير صالحة للسكن وبين مبانى ضخمة تصلح للفنادق المتواضعة، ومع تعدد "محلات التعليم" تتعدد اتجاهات أصحابها وتفقد الأمة شخصيتها القومية المتميزة.

صحيح أن دول العالم تعيش فى قرية صغيرة نتيجة لثورة الاتصالات، إلا أن التمايز بين الأمم سيبقى أمرا طبيعيا ومطلبا إنسانيا أيضا، فحركة التاريخ الإنسانى تبقى وجود أمم تحافظ شعوبها على هويتها القومية فى الإمساك بزمام العلم والتكنولوجيا، وتنهى وجود أمم تتنازع شعوبها سياسات تعليم تتناثر بعيدا عن انتمائها القومى.

كل مؤسسات التعليم فى بلادنا، تخضع لإشراف هامشى مدفوع الأجر، مؤسسات التعليم العام تخضع لمناورات سياسية ضيقة لأحزاب غير واضحة المنهج تخترق توجهاتها كثيرا من ثوابت تواجدنا القومى والحضارى، ومؤسسات التعليم الخاص يمتلكها أفراد يخترقون كثيرا من القوانين المالية والاجتماعية ينتهزون الفرص للإمساك بسلطة يديرون بها عقولنا، كلها مؤسسات تدين بالولاء لمن يملك صوتا أعلى فى سوق التجارة بوعينا القومى، هكذا تتحول "خصخصة" التعليم إلى تجارة الخاسر فيها كل أفراد الأمة.

إن مهمة الحفاظ على هويتنا القومية انتماء ووجودا، تتطلب فحص توجهات كل مؤسسات التعليم فى بلادنا وإخضاعها لفاعلية الرقابة والتقييم على أسس موضوعية تتجاوز التوجهات السياسية أو الحزبية لهذا الوزير أو ذاك، توجهات توضع أسسها فى دستور واضح لا تتأثر ملامحه بتغير وزير أو بنقل خبير.

Saturday, March 08, 2008

قداسة لغتنا العربية

اللغة العربية إحدى اللغات الرسمية الست فى الأمم المتحدة ـ الإنجليزية والفرنسية والأسبانية والعربية والروسية والصينية ـ ومع ذلك الوجود السياسى للغة العربية إلا أننا كناطقين بها لا نشارك بالقدر الكافى فى إنتاج الحضارة المعاصرة، ونعانى من تعثر ثقافتنا فى استيعاب مفردات تلك الحضارة.
تقول الدراسات الإحصائية إن عدد الناطقين بالعربية بلهجاتها المختلفة لا يزيد عن ثلاثمائة مليون نسمة، قيمة إنتاجهم الاقتصادى لا تزيد عن قيمة إنتاج أربعين مليون إنسان هم سكان أسبانيا، الدولة الأوروبية المتوسطة القوة، ونسبة الأمية فى القراءة والكتابة بين أهل العربية تصل إلى ستين فى المائة، أى أن من يعرفون العربية كلغة تواصل حضارى لا يزيدون عن مئة وعشرين مليون إنسان، وعدد هؤلاء يماثل أربعين فى المائة من سكان الولايات المتحدة، ويماثل ربع سكان أوروبا الموحدة، ويزيد قليلاً عن عدد سكان اليابان0
الوقائع من حولنا ترصد أن لغتنا العربية المعاصرة ضعيفة المشاركة فى صنع مفردات الحضارة الحديثة مقارنة باللغة الإنجليزية، وهى اللغة الدولية المعاصرة، ويتكلم بها أكثر من أربعمائة مليون نسمة، ويدون بها أكثر من خمسة وثمانين بالمئة من كافة العلوم الإنسانية والتطبيقية المعاصرة.
وضعف أى لغة يرجع لضعف أهلها، ونحن نعانى من ضعف الترجمة العلمية، فلا نقف على أسباب الحضارة، ونعانى من ضعف البحث العلمى، فلا نشارك فى صنع تلك الحضارة، ونعانى من الكبت السياسى، فلا تحمل لغتنا ثراء التواصل الإبداعى بين الأحرار، هكذا لا يبقى للعربية من وجود فاعل غير قداسة دينية يؤمن بها المسلمون وعددهم يفوق المليار إنسان، حوالى سدس سكان العالم، هم أقرب للتخلف منهم إلى التحضر.
الراصد المحايد للغتنا العربية بين طلاب العلم وفى المؤسسات الإعلامية، يرى أنها لغة تتجه للسكون فى المتاحف، بعد أن كانت لغة قوم عاشوا متحضرين ردحاً من الزمن. وسبيلنا للنهوض الحضارى أن نضرب فى الأرض تقدماً بأسباب العلم، ولا نضرب تخلفاً بخرافات قوم كسالى يستهلكون عوادم الحضارة ويكتفون بالتبرك بقداسة لغتهم.

Tuesday, March 04, 2008

!! مطرب بالصدفة 00

فى ستينات القرن الماضى، عند مداخل الشباب، طرقت مدينة القاهرة أدرس علوم التجارة فى الجامعة، مقتنعا أن لدى قدرات خاصة تصلح لتشغيلها فى وظائف تدر دخلا كبيرا وتحقق شهرة واسعة.
فى تلك الأيام قامت حياتى الاقتصادية فى القاهرة على وصول حوالة بريديّة يرسلها أبى من القرية فى ضواحى المنصورة، حوالة بريدية تحمل ستة جنيهات مصرية هى كل مصروفى الشهرى للطعام والسكن والترفيه أيضا.

ذات مرة تأخر وصول حوالة المصروف فعضّنى ضنك الأيام تمرُّ فى انتظار الفَرَج ولا فرج، وفى صبيحة يوم الخميس، السّابع من تاريخ تأخر وصول الحوالة، قرأت إعلانا عن مسابقة لتعيين مطربين جدد ستجرى فى مساء نفس اليوم ، فقررت تشغيل قدراتى بالدخول فى المسابقة، واثقا أن السّويعات الباقية أمامى تكفى جداً لتجهيز مُعدّات شغٌل أية وظيفة.

ذهبتُ للمكوجى حاملاً جاكتّتى الوحيدة، خضراء اللون مشقوقة الجانبين، متأبّطا بقايا صحيفة لففت بها بنطلونى الرّمادى، مرتديا قميصى الأبيض، وأخبرت المكوجى بما أنا مقدم عليه، فأخذ بتلابيب هدومى يكويها ويقدم النّصح لى، واستعرضت أمام رواد المحل إمكانياتى الصوتية، منفرطا فى تقليب وتعديل ما أحفظه من أغنيات، وانفرط صديقى المكوجى يدندن بمواويل وأنغام وطرف ويدس فى أذنى أنها نبراس وهدى لأدائى الجميل.

ولما كانت الأحداث تعرف الدوران لصالحى انطلق راديو صديقى يقلد صوت ليلى مراد ( يا شحاتين الغرامّ)، وأصغيت أنا للمطربة العظيمة مقلدا ومردّدا ومُؤلّفا، وعند نهاية الأغنية أصبحت مدينا بثلاثة قروش لمكوة الجاكته، وبقرش ونصف لمكوة البنطلون، وبعض التعاطف من المارة، وحين علم المكوجى بأننى سأتسابق بنفس قميصى الأبيض طلب منّى خلٌع القميص وكوى اليَاقة والصَّدر مجانا.

أخذتنى حمى الطرب، أتراقص فى الشارع وأتواثب على السّلم، أدرَّب حنجرتى على مقاطع اقتدار لمطربين ومطربات أحبهم، صالح البرش وعيشة المنصورية وأبو دراع، ومررت بحنجرتى على أصوات لا أحبها، عبد الحليم وشادية وفيروز، ودخلت الشّقة رافعا حنجرتى بالغناء، أدسُّ صوتى فى أذن زميل يسكن معى ويقرضنى بعض النقود، ولسبب غير واضح امتعض زميلى وامتشق فردة حذاء وتأسد يطارد جثتى فى أرجاء الشّقة، فانفردت فى الحمام استكمل تدريباتى الأخيرة، وأرطّب الجثّة المنهكة بالماء البارد، كان رجعُ صَّدى صوتى فى الحمَّام يملأنى ثقة فى أننى سأحصل على ذهب كل المطربين، وسأسدّد ديونى لكل البشر.

فى الموعد المحدّد، وقفت على خشبة مسرح متسع، تراصت أمامى لجنة استماع وتراص خلفها عدد من المتسابقين والمتسابقات، هدومهم مكوية وشعر بعضهم منكوش، وتراصّت خلفى فرقة موسيقية، وفى اللحظة المناسبة سألنى قائد الفرقة، ماذا ستقدم يا أستاذ؟ فأجبته واثقا ( الست ليلى، يا شحاتين) .

من الصالة أشار أحدهم ( سَمَعٌ هُسّ) فصمت كثيرون، وخفتت إضاءة المسرح، وتجسدت أعضاء الفرقة أشباحا تلعب موسيقى لا أعرف لها ضبطاً أو ربطاً، وانصرفت بعيدا عن الجميع أقضب الجبين وارفع الحواجب وأغمض العينين، أتحسس بالإبهام شحمة أذنى اليسرى، أرجع أدائى بثقة الحافظ المُردّد، وحين رأيت كثيرا من العيون تشعٌّ بتيه الطّرب من أدائى، رفعت عقيرتى بالغناء، ناظراً إلى ظلمة سقف المسرح ومستمرا فى الغناء، فجأة شعرت بأن الموسيقى توقفت، ولمحت إشارات حانية من اللجنة تستأذننى التوقف، عندها أيقّنت أننى أحرزت انتصاراً فنيا، فاستمرأت ترديد المزيد من كلمات الأغنية حتى صدمنى قول أحدهم (قَرَفتُونا الله يخرب بيوتكم)، وفجأة هاجمتنى الأنوار المبهرة تكشف المسرح، وبانت لى اللجنة تأمرنى بالتّوقف.

لم أعرف نتيجة تلك المسابقة الغنائية حتى اليوم، ومازلت أتساءل، لماذا تتسلط إضاءة المسرح على عيال من مطربي هذه الأيام، صوتهم دون صوتى، وكثير منهم لا يكوى الهدوم؟0

Thursday, February 21, 2008

كتابنا الجامعى 00 فساد صغير

كثير من الناس يرهبون ضخامة الفساد ويستكثرون وقائعه، تتعثر جهودهم فى الإصلاح ويشيع بينهم الاستسلام لكل فاسد، لكن القليل منهم يرى أن محاربة الفساد والقضاء عليه أمر ممكن، فالفساد الكبير مجموع كبير من أشياء صغيرة فاسدة، أشياء يمكن الإمساك بها والتعامل معها بالبتر والتعديل فى سلسلة من توجه المجتمع نحو الإصلاح.

إن صناعة الكتاب الجامعى فى بلادنا من الأشياء الصغيرة الفاسدة، هى صناعة تقوم على مقومات فاسدة ومتداخلة يمكن تصنيفها إلى ثلاث، طبيعة إنتاج الكتاب وطرق توزيعه وتقسيم العائد بين أصحابه0
محددات الكتاب الجامعى:
يقصد بالكتاب الجامعى ذلك المرجع الكتاب أو المذكرة الذى يتم تداوله بين الأساتذة والطلاب الجامعين للمساعدة على تدريس مادة علمية معينة.

يتوقف إنتاج الكتاب الجامعى على طبيعة السياسة التعليمية الحاكمة فى المجتمع التى تحدد بطبيعتها توجه كل جامعة، هل هى جامعة أقسام علمية، يناط بكل قسم علمى فيها مهمة تدريس مواد بعينها على مستوى الجامعة؟ وتطبيقا لذلك يقوم قسم الرياضيات بكلية العلوم بإعداد وتدريس مناهج الرياضيات الأساسية فى كل كليات الجامعة، أم هى جامعة كليات علمية، تستقل كل كلية بتدريس مناهجها الدراسية مجتمعة؟ وتطبيقا لذلك تصبح هناك رياضيات أساسية للتجاريين فى كلية التجارة وثانية للزراعيين فى كلية الزراعة وهكذا، وجامعاتنا الآن لم يستقر نظامها على طبيعة بعينها، فكل جامعة تتراوح طبيعتها بين هذه وتلك حسب أهواء قياداتها.

كذلك تحدد طبيعة الكتاب الجامعى على أساس مناهج البحث العلمى السائدة فى المجتمع، هل هى مناهج علمية مغلقة يتصدرها منهج واحد يغلب عليه فرض نظرى بأن الأيمان أولى من المعرفة؟ أم المجتمع يبنى مناهج علمية مفتوحة تقبل تناول المناهج المختلفة وتدخلها طول الوقت فى دائرة الاختبار المعرفى، بناء على ذلك يتحدد دور الجامعة فى نشر العلم بين أفراد المجتمع، هل دور الجامعة تلقين معلومات بعينها لطلاب بعينهم؟ أم أنها مكان تفتح فيه أبواب التأصيل العلمى لمناهج التفكير المختلفة؟.

الإجابة على هذه التساؤلات الكبيرة واضحة، التعليم فى بلادنا حفظ وتلقين لملصقات تفرضها سلطة العصر الغالبة، ووجداننا الثقافى يرفض حرية التعامل مع مناهج الفكر.

يبقى تساؤل عن هوية الكتاب الجامعى بين أيدى الطلاب، هل هو مخزن منظم لمعلومات منهجية؟ يحتاجها الطلاب فى بناء وجودهم العلمى والفكرى، أم أنه وسيلة ضمن وسائل متعددة للارتزاق؟ لكثير من أعضاء هيئة التدريس بالجامعات وغيرهم من تجار الورق الردىء ومن الباحثين عن شهادات علمية مضروبة للبيع؟.

الإجابة على هذه التساؤلات الصغيرة واضحة، الكتاب الجامعى أحد وسائل الارتزاق الضرورية للغالبية العظمى من الأساتذة وبعض تجار الورق الرديء.

اللعب مع الحيتان :
حين ينتهى عام دراسى جامعى، تبدأ مناقشات داخل الأقسام العلمية بالجامعات لإعداد الكتاب الجامعى للعام الدراسى الجديد، فى ظاهر الأمر تبدو تلك المناقشات مجرد دردشة بين أصدقاء تلفهم روح المصلحة العامة يغازلون تصريحات ووعود برفعة شأن العلم والطلاب والجامعات، أما باطن الأمر فإن تلك المناقشات تتحول إلى دوامات من الصراخ والعويل والمؤامرات تلف جمعاً من حيتان كبيرة بأقدمية تواجدها الجسدى داخل الأقسام، هى أقدمية ترهل أجساد بالتعيين والصدفة لا أقدمية امتلاء أدمغة بالفكر والثقافة، ويتضارب المختصون وغير المختصين تحت وفوق الحزام من أجل الظفر بأية مكاسب فردية، وبعد أن يجهدهم الصراع يتصالح الحيتان ويرتكبون مظالم تقع على آخرين من دونهم، ظلم يقع على طلاب الجامعات من حيث مضمون وهيئة الكتاب الجامعى، وإهانة صغار أعضاء هيئة التدريس من حيث توزيع عوائد بيع الكتاب، ويشترك الجميع فى إيقاع مظالم تخسف بمستقبل العلم فى المجتمع0

رزم الورق الرديء :
فى معظم الكليات الجامعية ذات الأعداد الكبيرة من الطلاب، مثل التجارة والحقوق والآداب، يولد الكتاب الجامعى مريضا لاعتماد صدوره على الوقائع التالية :

أولا: تقوم الأقسام العلمية بتقرير المواد الواجب تدريسها للطلاب بناء على خطط باهته ومهلهلة يقتتل عليها الأساتذة وتابعوهم، فيفوز بعضهم بسيف الحياء أو سيف الجوع أو تقنيات لعبة التوازن بين الأقسام وبقصد تحقيق أكبر عائد مالى يغله الكتاب، هكذا يتم تفصيل المنهج الدراسى إلى ثوب خرق ومرتوق يرتديه الكتاب الجامعى.

ثانيا: تأليف الكتاب الجامعى يخضع لمهارات تجارة احتكار على أسس من الغبن والإرهاب يديرها الأساتذة الأقدم وظيفياً ضد زملائهم الأحدث وظيفيا،ً غبن يتعلق بمدى الجهد المبذول من الأصغر فى الإعداد والتجهيز ثم الشرح للطلاب، وإرهاب يتعلق بقضايا الترقيات والتزكيات والإعارات وغالباً ما يقوم الأحدث بمعظم العبء كتابة وتجهيزا وشرحا للطلاب، وأحيانا يكتفى الأقدم بوضع اسمه على صدر كتاب علمى دون ادنى اعتبار لمبدأ التخصص العلمى.

ثالثا: كثير من المادة العلمية يعاد اقتباسها أو ترجمتها من بين كتب سبق تقديمها فى سنوات قريبة سابقة، ويتم إعادة العرض بطريقة أوراق اللعب، فمثلا ما كان منها يحمل عنوان الباب الأول فى كتاب العام السابق يصبح نفسه حاملاً لعنوان الباب الخامس فى الكتاب الحالى0

رابعاً: يتضمن الكتاب الجامعى كثيراً من معلومات درسها الطالب فى سنوات سابقة أو أنه يدرسها فى نفس العام الدراسى تحت مسمى آخر فى قسم أخر، وحين يكتشف الأمر صدفة يتدخل العارفون بطرق العلاج فى أواخر العام الدراسى، يفتتحون موسم الشطب وتقليص المنهج وسط تصفيق الطلاب الذين خدعوا بشرائهم كتبا رديئة.

خامساً: يتم طباعة الكتاب بشكل تعسفى ليضم أكبر عدد من الصفحات ليحقق أكبر سعر بيع ممكن، ويتم توزيع الكتاب بأساليب بيع مبنية على أسس من ترهيب الطلاب أو ترغيبهم، بأن عمليات دخول الامتحان والنجاح قرينة بشراء ما يقرره الأستاذ من كتب0

الغلّة 00 وحسبة برمة :
حين يجمع المختصون إيراد الكتاب، يحشد قدامى أعضاء هيئة التدريس مهاراتهم فى الحساب والاغتصاب والتكتل، يحسبون حسبة - برمة- بناء على أعراف يضعونها دون سند من قانون أو تشريع، ويتم تقسيم الغلّة بين أعضاء هيئة التدريس بطريقة تضمن السيطرة المالية للأقدم، وطبقا لمستوى أخلاقيات الأساتذة القدامى يتوزع عائد الكتاب بنسب تتفاوت بين كلية وأخرى بل تتفاوت بين قسم وقسم داخل نفس الكلية، فمثلا قد يحصل مدرس حديث التخرج فى كلية تجارة كثيرة الطلاب على إيراد من الكتاب الجامعى يتجاوز ما يحصل عليه مجموع أعضاء قسم كامل فى كلية علوم قليلة الطلاب0

البولَة 00 وتوزيع السحت :
هيئة الكتاب الجامعى الحالية، تضع من يفكرون فى إصلاح أحوالنا أمام فساد مهنى وأخلاقى يمارسه كثير من أساتذة الجامعات، أساتذة ينشرون فيما بينهم أعرافا من المقامرة لتوزيع عائد بيع الكتاب يسمونها -البولَة-، يضعون نقاطا ونسبا لا يسندها غير منطق رديء وقانون واسع الفتحات، يوزعون بها على أنفسهم أموال -سُحت- حرام يجمعونها من تجارة كتب دراسية رديئة0

بحثا عن المعنى العربى لكلمة -بولَة-، يذكر المعجم الوسيط تحت كلمة -بول- أن -البال- اسم يطلق على نوع من الحيتان كبيرة الرأس من نوع منقرض، وهو حال بعض من أعضاء هيئات التدريس الجامعية، ويذكر نفس المعجم مزيدا من المعانى مما يجعلنا نرى أن معنى كلمة -بولَة- يقترب من انشغال الفكر والبال بقضايا التبول وإخراج فاسد، وهو حال كثير من محتويات الكتاب الجامعى، وعن المعنى الإنجليزى لكلمة بوول Pool فان البعلبكى يذكر فى قاموسه المورد، أنها البركة القذرة تنشا عن تجمع الأمطار فى أخاديد الشوارع، وأنها الاتفاق بين شركاء للقضاء على المنافسة، أما كلمة -بولَة- نفسها فهى ضرب من لعب البليارد المعتمد على المقامرة0

وعن معنى -السُّحت- يقول المعجم الوسيط، السّحت ما خبث وقبح من المكاسب، فلزم عنه العار، وفى التنزيل العزيز - سمّاعون للكذب أكّالون للسُّحت-، وفى كتاب آداب القاضى من سنن البيهقى، قال ابن مسعود السّحت أن يستعينك رجل على مظلمة فيهدى لك فتقبله، هكذا يمكن وصف ذلك النوع من التعاون بين أعضاء هيئة تدريس فى الجامعات، إنهم يشتركون فى ظلم الطلاب بإعطائهم كتبا رديئة ويأكلون من أموال الطلاب سحتا0

للأسف إن كثيرا من فقهاء النفاق فى جامعاتنا يرون فى –البولة- آلية من آ