Saturday, July 04, 2009

مطلوب جريدة



المنصورة عاصمة محافظة الدقهلية، يسكنها نصف مليون مواطن ويزيدون، وعلى أرضها عاش كثير من المثقفين وأهل الفن أجمعين، وجامعة المنصورة تجاوز عمرها أكثر من ربع قرن، تضم أكثر من مائه ألف طالب، يخدمهم حوالى خمسة ألاف من الموظفين وأعضاء هيئة التدريس، ويوجد بالجامعة أقسام علمية تدرس للطلاب قضايا الصحافة والإعلام، ومع ذلك فالعدد فى الليمون، يكثر الطحن فى جامعة المنصورة بغير طحين، فلا توجد باسم الجامعة جريدة أو قناة إعلامية جادة ترقى لمستوى التواصل الفاعل بين الجامعة وبين المجتمع المحيط بها، هكذا تبقى الجامعة حقلا معطوبا فى إنتاج الثقافة.

المتقاعسون فى جامعة المنصورة عن إصدار جريدة تحمل اسم الجامعة يطرحون ضعف الإمكانيات المادية، والضعف الحقيقى هو ضعف إمكانيات كثير من القيادات الإدارية والعلمية بالجامعة وتخلف قدراتهم عن ثقافة العمل الجماعى، فكثير منهم يحملون صكوك ثقة بكفاءتهم الإدارية، لكنها صكوك تمر عبر بوابة رضا السلطات الأعلى صاحبة قرار تعينهم، ذلك الرضا يضمن لضعاف النفوس أن يتكسبوا من بقاء الأمور على حالها فى تخلف، وبعض القيادات تحمل شهادات بالمعرفة والخبرة، لكنها شهادات ورقية لا تصمد عند الاختبار العلمى والعملى فى مواجهة التردى الشديد فى إمكانيات الجامعة الثقافية والاجتماعية.

إن إنشاء جريدة جامعية يحتاج إلى إرادة ثقافية وإمكانيات مادية، وجامعة المنصورة لديها إمكانيات مادية غير موظفة ثقافيا، فالجامعة تملك مطبعة كبيرة، وما يهدر سنويا من ميزانية الجامعة يكفى لتمويل جريدة دورية محترمة تهتم بمشاكل الجامعة والمجتمع ويمكنها تحقيق عائد مادى، والجامعة لديها كفاءات بشرية وعلمية يمكنها بالإدارة العلمية أن تحل مشاكل إصدار أى جريدة أو هيكل ثقافى، فأعضاء هيئة التدريس بينهم خبراء وعلماء فى عمليات التمويل والتحرير والتوزيع وقوانين النشر، يمكنهم أن يصنعوا قناعات جادة لدى السلطات بالموافقة على إنشاء جريدة، يتفوقون بها على جرائد العاصمة.

إن وجود قناة إعلامية محترمة لأى جامعة يعتبر أمرا بالغ الأهمية، إنها تدريب ناعم لأهل الجامعة على ديمقراطية الفكر وصنع رأى عام قوى يؤيد مصالح الأغلبية، فليس من اللائق لكثير من قياداتنا الجامعية أن تتصدى نظريا لمشاكل تدهورنا الحضارى فى الصحة العامة والفن والثقافة والبحث العلمى وتجريف الوعى الوطنى، ثم تتراجع عن القيام بفعل ثقافى جاد لانتشال وطننا من قاع التخلف.

Sunday, June 28, 2009

تغيير الملٌة


آراء كثيرة تتناول قضية تغيير الملة باعتبارها تحولا دينيا للأفراد وانتقالهم من دين لآخر، من حيث الأسباب وآليات التحول، سنقصر حديثنا هنا على أثر التحول الدينى على كل من الفرد والمجتمع.

عن أثار التحول الدينى على الفرد، من المعروف أن للإنسان الفرد طبيعة معرفية ثقافية تتدرج فى ثلاث مستويات تتناسب مع حجم المعرفة العلمية وواقع الثقافة المجتمعية السائدة، المستوى الأول هو مستوى عامة الناس والبسطاء ممن يستمدون ثقافتهم بالتقليد والمحاكاة الاجتماعية، فى هذا المستوى يتم تتناول الدين باعتباره احد الوسائل للتعامل مع الحياة اليومية بشكل يؤدى لمنافع مباشرة، وهنا يرسخ التحول الدينى إلى مجموعة من الطقوس الشعبية يسهل معها رصد مظاهر التحول الدينى السريع والمتكرر بين الأفراد، والمستوى الثانى هو مستوى الخاصة وهم فئة من المثقفين، يدفعهم تحولهم الدينى باعتباره تحولا ثقافيا إلى عزلة اجتماعية تعفي صاحبها من الدين القديم وترضيه بمباهج دينه الجديد، أما المستوى الأخير فهو مستوى خاصة الخاصة وهم ندرة نادرة من المثقفين ويمثل التحول الدينى عندهم هدفا معرفيا يدخل صاحبه فى حالة من التوحد الصوفى والاكتمال المعرفى مع الدين الجديد، عند هذا المستوى يسعى المتحول الدينى لنشر دينه الجديد بين الآخرين باعتباره صاحب رسالة دينية جديدة.

عن أثار التحول الدينى على المجتمع، من المعروف أن المجتمعات المعاصرة تحكمها حزم ثقافات متباينة، حزمة ثقافات ديمقراطية مقابل حزمة من ثقافات ديكتاتورية، ففى المجتمعات ذات الثقافة الديمقراطية تكون القواعد والقوانين الوضعية هى الأساس الحاكم فى بناء الدولة المدنية حيث لكل فرد حرية التحول الدينى باعتبار الدين طقوسا فردية تحكم جماعة من الناس من بين جماعات مختلفة تضمها الدولة، فى المجتمعات الديمقراطية تتعايش الأديان على حدود مشتركة من القوانين المدنية، وفى المجتمعات ذات الثقافات الديكتاتورية يأخذ دين الأغلبية بزمام الأمور ويتحول إلى سلطة قمع فى يد الأغلبية ذات السطوة الدينية.

هكذا فى المجتمعات ذات النظم الديمقراطية، فان الأديان تشغل موقعا معترفا به فى البناء الثقافى للمجتمع ويكون التحول الدينى موقفا يخص فردا بعينه أو جماعة بذاتها، دون أن يمثل التحول الدينى لفرد أو جماعة قيدا على حرية التدين أو حرية مشاركة بقية الأفراد والجماعات فى النهوض بالمجتمع.

Saturday, June 27, 2009

فرحة ما تمت



فى الردح الأخير من الزمن أصابنى رخاء كبير، مات رجل عظيم دون أن أدفع قرشا واحدا فى إعلانات عزائه، وأقيل وزير بعد أن دعوت عليه بفقد الجاه، وبلغتنى إصابة رئيسى بالفالج فشفيت من حساسية لازمتنى بالقرف من مصاحبته طوال عشر سنوات كاملة، وأصبح لائقا أن انظر لحرارة الصيف بملامح الرضا.

حين أتى صيفنا بالحرارة تنشب أظافرها فى جلدى، حط على زهق جليل، وغرقت فى أحلام مداعبة النسيم على شاطئ بحرنا المالح الكبير، وقررت فى الصباح الثانى من الأسبوع الماضى أن انحشر مع زوجتى واثنين من أولادى فى سيارتنا القديمة، حاملا مسئولية الاستنارة واتخاذ قرار التصييف، هكذا انطلقت بقيادة ركبنا الصغير من القاهرة قاصدين شاطئ بحرنا المالح الشمالى.

بين مدينتى وادى النطرون والعلمين، تهادت سيارتنا على طريق إسفلتى موحش تحتضنه الصحراء، طوله مائة وخمسة وثلاثون كيلومترا، عند مدينة وادى النطرون تراصت محاولات بشرية تنصب الجدية فى الإنتاج، تشق الأرض وتملأ المكان بالمزارع والحقول، وانتشرت محاولات بشرية هازلة تنصب الخداع، فتزرع نجيلا صناعيا وزهورا لامعة فى بيئة صحراوية غير مناسبة.

تهادت سيارتنا على الطريق تراوغ شمس الظهيرة، تطارد السّراب وتدفع الهواء حولنا لزجا ساخنا يهدد أنوفنا بالنزيف، هكذا واجهتنا مشكلة الحصول على مظلة طريق مناسبة بعد أن تحولت معظم المظلات إلى دورات مياه جافة يقضى بعضهم فيها حاجته ويستخدمها آخرون لتغيير زيوت السيارات، وأصبح لائقا أن نسرف فى الدعاء بالعقم وقلة الحيلة وانسداد الأنوف على القائمين بصيانة الطرق وعلى مستخدمى طرق المصايف.

وسط الطريق، تحت مظلة أسمنتية غير مناسبة، وضعنا غدائنا من السلمون والبصل على أوراق جرائد قديمة امتلأت بأخبار العولمة والسياحة والعقارات المكيفة والأطعمة المستوردة، أوراق لم نجد على أوراقنا خبرا يعلمنا مقاومة وحشية ذباب صحراوى يزعجنا بالطنين ويلتصق بجلودنا ويشوه طعامنا ويلسعنا كالنحل، وحين فتحنا الراديو تسربت حولنا أخبار طيور وحروب ومشروبات وأمراض، دون ذكر لما سيحدث لنا عندما تتعطل سيارتنا أو ينزف أحدنا فى هذه الصحراء المخيفة.

تضافر العالم والصحراء وصناع الطرق ضدى لأجد نفسى مسئولا عن حياة أسرتى فانطلقت كدكتاتور مستنير أقاوم عزلتنا عن العالم، جعلت من بطنى طبلا أنقر عليه رافعا عقيرتى بالغناء مع جيوب أنفية تتورم وتضيق، يدخلها تيار الهواء الساخن شاقا الحنجرة ولاسعا الرئتين، ويشاركنى الغناء ذباب يردد صوتى بالطنين، وتبتلع الصحراء كل الغناء مثلما تبتلع النسيم العليل، فجأة رأيت ابنى الأكبر يبدى شغفه بغنائى، يشتم الصحراء ويقذف بكل عنف أحجارها فى كل اتجاه، كان يعاقبها على صمتها تجاه غنائى، ومع استمرارى فى الغناء استسلم ابنى الصغير لحجر أمه وغلبهما النعاس، هكذا لم يشككنى أحد فى قدرتى على التطريب.

فى نهاية الطريق عند مدينة العلمين، اقتربنا من الساحل الشمالى نلمس رياح صيف باردة جميلة وتصدمنا غابات من أكياس بلاستيك ونفايات تخفى كل الأرض، حيث المليارات تنفق على قرى ذات مبان فخمة، يسكنها كثير من محدثى نعمة لا يعرفون طرقا لحماية البيئة من حولهم.

على غطاء سيارتنا افترشنا مصيفنا على جانب من الطريق الساحلى، لمحنا طرف زرقة لبحر مالح بعيد تحجبه عنا عشرات القرى الزجاجية والإسمنتية والسياحية، ومع لعب أولادنا على تراب الأرض، حاولت إقناع زوجتى بأن أهل الاستنارة يفضلون طريقتنا البرية فى التصييف على البقاء محبوسين داخل تلك القرى، فاكفهر وجه زوجتى وبانت طريقتها فى ترويع طموحاتى، استعرضت سكينا تحملها عند الطوارئ أخذت تدفع بها طوبا وحصى، وفجأة شوّحت بيدها فى وجهى قائلة (استنارة إيه يا أبو استنارة، بهدلتنا فى بلاد الناس، خلّى نهارك يَعدّى، ورجّعنا البيت).

Saturday, June 20, 2009

فتوى للمقابر



جاء أبو صلعه وذهب أبو عمه، وتأكد للجميع أن مسئولا كبيرا توقف عن الرشوة، وسجن أربعة تجار مخدرات، وحل مجلس الشعب، وإحالة مسئول أمن إلى التقاعد، وطلاق ثلاث فنانات أفسد جمالهن رهطا من الرجال، هكذا تتساقط علينا الأيام أعيادا، وهكذا نحن المصريين، لا نتوقف عن استحلاب مواقف الحزن ونتذوق لحظات السعادة.

فى أعيادنا المصرية نحتفى بالأموات، نزور المقابر وننتشر فى جنباتها، نأكل ونشرب وتدمع عيوننا، نوزّع الخبز والأدعية تصدّقاً على أرواح موتانا، ونهمل إرسال بركاتنا لموتى الآخرين، ونشاركُ الجميعَ احتفاليات بؤس ورثناها منذ عصر الفراعنة.

برغم لحظات الفرح الأعياد، فان مصريا واحدا يموت كل ثلاث دقائق، يصطاده الموتُ نائما على سرير، أو راكبا الإسفلت، أو واقفا بجوار أنبوبة بوتاجاز، أو متحدّيا سنج البلُطجية، أو اثر هبوط دموى فى موجة إضرابات، وبحسبة بسيطة فإن حفّارى القبور يستقبلون أكثر من خمسمائة جثة كل يوم، لكن الحسبة غير محزنة تماما، فبرغم تأخر سن الزّواج وسفر الرّجال إلى بحار النّفط، وضعف إحساسنا بالجمال، إلا أنه فى كل يوم تستقبل الأمهات ألف وخمسمائة خَلاص لمولود مصرى جديد، ليكون صافى الحسبة أن المصريين يزدادون عددا بألف نفس جديدة كل يوم.

المزعج فى حسبة الموت، أن المصريين يقاربون الثمانين مليونا، يتكّدس الأحياء منهم فى بيوت تشغل أربعة فى الألف من مساحة أرض مصر، وتبقى تسعه وتسعين فى المائة من أرض مصر صالحة ليدفن فيها حصيلة الاثنين مليون من الموتى سنويا، هكذا تتوزع مساحة مصر، كل حى مصرى نصيبه حوالى ستين مترا مربعا فقط بينما نصيب كل ميت مصرى أكثر من خمسمائة ألف متر مربع.

الآن وقبل أن ينقضى العمر، ويدُوخ الورثة بحثا عن حفرة مناسبة يدعون فيها جثثنا، فإننا نطرح هنا قضية عامة، هى أن مقابرنا الحالية تتكلف أموالا باهظة يشقى الكثيرون فى تحمّلها، ومقابرنا تتحكم في إنشائها كثيرُ من الأمراض الاجتماعية، فلماذا لا تصدر فتوى يصدرها رجال الدّين والأطبّاء الشرعيون لتحديد أبسط وأقل مساحة ممكنة لمقابرنا؟ فنسق مقابرنا الحالية أنها تضم رفات أموات وتوحى للأحياء بأن تاريخنا يقتصر على تحنيط الجثث والبكاء على رؤوس المقبورين.

Sunday, June 14, 2009

حيل الغلابة



كانت أمى، الله يرحمها، مقتنعة بأن الله يحب السلاطين أكثر من الغلابة، وتؤمن بأن حيل الغلابة مقطوع ويثورون على الغُلب بإنجاب أطفالهم فى مواجه الأغنياء، هذه القناعات عجلت بموت أمى مبكرا، فقضت نحبها صغيرة قبل أن تكمل عامها الرابع والثمانين.

فى أول معركة دخلتها مع إخوتى حول توزيع ميراثنا فى الدار والطين، وجدت نصيبى مجرد حطام يكفى لألف ثورة تخلع الغلابة من كل غلب، فتفتيت الثروة جعل الناس فى بلادنا أغلب من الغلب، لا الفقراء يغتنون ولا السلاطين يتوقفون عن إفقار الجميع، وحين أجهدنى فهم حكمة أمى، أخبرنى حافظو التاريخ والأنساب أن أمى لم تدرس فى معاهد حزبية ولم تمارس مراوغات أهل السياسة، كانت أما برية تحب عاشقى الحياة وتكره صانعى الموت، عاقرت الحياة بثقافتنا الشعبية وأنجبت احد عشر مولودا من البنين والبنات، هكذا فتحت أمى أبوابا نعبر بها الحواجز الثقافية بين الطبقات.

إن ملوكنا يأكلون نهار كل يوم لحم طير وما يدعون من ورق عنب محشى باللوز وفول غارق فى السمن البلدى، وفى كل مساء يأخذون مقويات وأصباغا تعطيهم الشباب والعافية، ويبقى دونهم كثير من المصريين، شبه أحياء مقتولين بالفقر، لباسهم خرق بالية لا تستر عوراتهم البائنة، وطعامهم لقيمات جافة لا تلحس معداتهم الخالية، هكذا يتزايد سكان القصور فى بلادنا، يعيثون فى الأرض فسادا، ويحولون مجتمعنا إلى ثلاثة فصائل، فصيل طاغى من ملوك وملكات يورثون أمراء وأميرات، وفصيل من غلابة تصيبهم الحكومة بالعنة والعقم، وفصيل مطحون من عبيد ينجبون فقراء ولا يورثون أحد.

ليس صعبا على الغلابة أن يفهموا فتاوى السلطان فى موضوع الزواج والطلاق وكيد النساء، الصعب هو أن يفتى فقهاء السلطان بحرمان الغلابة من غرائزهم الجميلة، فرغم تعدد فتاوى الزواج فى زيجات المتعة والمصالح والعرفى والمسيار والبوى فرند، إلا أن فتاوى أهل السلطان لم تخفض من زيادتنا السكانية، وبقيت مشاكلنا السكانية تحول ثقافيا دون التوازن بين طبقاتنا، ويعانى مجتمعنا من تسعة ملايين فتاة مصرية يعشن واقع العنوسة ولا يقدر على الاقتراب منهن ملايين من الرجال العاجزين.

أريد فتوى سلطانية تشد حيلى الغلبان وتزوجنى من ألف عانس تملكها يمين الحكومة، وأعد فقهاء السلطان بالبقاء فى دائرة الغلابة حيا دون إنجاب.

Saturday, June 06, 2009

عيد ميلاد



فى شهر مايو ولد كثير من العظماء، القائد الألمانى بسمارك والأسطى عنتر الكبابجى وخالتى زهرة وثلاث من الراقصات ومطربين ولص واحد، وحين عبرت أعراض الكوليرا فوق جسدى دون أثار تذكر، قرر والدى التصالح مع الحكومة وحشر اسمى بين سجلات مواليد مايو من عام الكوليرا.
لأن يوم ميلادى لا بد أن يكون عظيما، اصطدت يوما مناسبا من الأسبوع الماضى تصالحت فيه مع مشاكل ضغط الدم، وقبلت الدور الأمريكى فى تحقيق السلام، وحبست غيظى لترقية أربعة موظفين، وقدمت العزاء فى موت زوجة صديق، وتذكرت بعض الأغنيات المناسبة، وأصبحت مصراً على أن تدرك زوجتى بأن هذا اليوم بالذات هو يوم عيد ميلادى السعيد.
فى صبيحة عيد ميلادى، تثاءبت زوجتي وانسلت في إيقاعها المعهود داخل شقتنا، توقظ وتطعم وتجهز أولادنا الثلاثة وتحنو عليهم، وعادت أدراجها إلى المطبخ، تنظف وتغسل وتشطف، وتبعث أغنية شعبية يتشاكس شخيرها مع صليل الأواني وسقوط المياه وفضلات الطعام.حلمت بقضاء عيد ميلاد رائع، ذلك بأن نصف العالم كان مفعما بالغموض قبل مولدى، وحين ولدت أٍصبح نصفه الآخر لا يمكنه الاستغناء عنى، هكذا مرت الأحلام تتراقص حولى إلى أن واجهتني زوجتى بمريلة المطبخ تندى جسدها بمياه وزيوت وروائح، وتغطى نظراتها وجهى ترصد ملامح عيد ميلادى، ولما أدركت زوجتي أن الأمور عادية ألقت بأربع كلمات: كل سنه وأنت طيب.
وجدتني ابدأ عامي الجديد مستعرضا خلطة من المناورات أخطب بها ودّ زوجتى تمهيدا للرضا والوصال، بدأت حديثا ودودا تحول بحكم العادة بيننا إلى نقاش محتدم، خلت الشقة من أولادنا فعلت أصواتنا وانكشفت للسامعين خبايا بئر علاقتنا الدفينة، أخبرت زوجتى بصراحة أن العنوسة كانت قدر جمالها لولا فضلى عليها بقبول الزواج منها، هى المرأة دون ست الحسن، فأخبرتنى بصراحة أن التشرد كان مصيرى لولا فضلها على بقبولها الزواج منى، أنا الرجل ممصوص القدرات، وبدأنا التباكى على حظ عاثر أدخلنا معا في سوق زواج لا تتلكأ فيه المواكب إلا عند الجميلات وعند أصحاب المقدرة.
تكاثرت أسباب رغبتى في اختراق العالم، فشحذت ما تبقى لدى من قدرات مؤجلة، لأقضى عيد ميلادى خارج البيت أعانق الزّحام في المدينة الكبيرة، وحين تضاغطت أشيائى انتحيت بجسدى مقعدا فى ميدان عام، أحسد أصحاب أعياد الميلاد، وأتلمظ تباعا بقدراتى المتهالكة.

Friday, May 29, 2009

يسكننا الوطن


منذ أيام نشرت على هذه الصفحة وجه نظر أرى فيها، أن المناصب السيادية والحساسة فى الدولة المصرية، مثل مناصب نواب مجلسى الشعب والشورى ورئيس الدولة والوزراء والقضاة، يجب أن يقتصر شغلها على من يحملون الجنسية المصرية فقط، هناك وجه نظر أخرى تسعى لأن يشغل المصريون أصحاب الجنسيات المزوجة دورا بارزا فى الدولة المصرية، هذه الوجهة تضمنتها رسالة تلقيتها من المهندس كمال بيومى، وهو قيادة هندسية مصرية كبيرة ساهمت فى بناء السد العالى، يحمل الآن الجنسية الانجليزية بجانب جنسيته المصرية ويستقر فى لندن، وجاء فى رسالته ما يثير الأسى:

هناك آلاف من المصريين يعيشون في الخارج يتمسكون بولائهم لمصر، رغم القوي الطاردة لهم من مصر، ورغم ما يسببه لهم هذا الولاء من مشاكل مع الدول المضيفة، وللأسف هناك مقالات وتصريحات مصرية من نواب الشعب ومن موظفي الحكومة تطعن في ولائنا، وبالتالي تطعن في وطنيتنا، مما يجرحنا ويؤلمنا بدون ذنب جنيناه، وأن سبب وجودنا بعيدا عن مصر هو إنقاذ أولادنا من الحياة المتردية في التعليم والصحة وضياع فرص العمل المنجز والفقر وضياع الحرية.

للمهندس كمال أقول: الأصل أن التشكيك فى ولاء غالبية المصريين لبلادهم أمر غير وارد، وبرغم أن الدستور المصرى يكفل المساواة بين المصريين فى الحقوق والواجبات، إلا أن العدل يتطلب أخذ الفروق النسبية بين المتنافسين المصريين لشغل أى وظيفة، ذلك أن لكل مصرى نطاقه الحيوى الخاص والمتمايز يشارك به فى بناء المجتمع، فالمهندس غير الطبيب والمقيم غير المغترب.

قضية تعدد الجنسية تتناولها نظريات فقهية مختلفة، فهناك نظرية ترى أن للفرد الواحد جنسية واحدة، وهناك النموذج البريطانى الذى يقبل تعدد الثقافات فى مجموعة دول الكومنولث، وهناك النموذج الفرنسى الذى يدعو لوحدة وتسيد الثقافة الفرنسية فى مجموعة الدول الفرانكفونية، نحن فى مصر بحاجة حاسمة لتحديد موقفنا الدستورى والقضائى والرقابى من هذه القضية، ليستقيم أمامنا أحد معايير تقييم المواطنين، فلو أن صاحب الجنسية المزدوجة تعرض لاختيار قيام حرب أو تعارض مصالح بين دولتين يحمل جنسيتهما، فما هو التكييف القانونى والأخلاقى عندما يزيغ بصره نحو دولة منهما؟.

أخيرا، إن الاضطهاد الذى تمارسه كلا من الدولة الوطنية ودولة المهجر على المواطنين، يدفع الجميع للعمل على التخلص منه، وتظل مصر تمد أياديها مخلصة لكل أبنائها.

Thursday, May 21, 2009

طالب الرضا


بعض الناس لا يرضون عنى، شيخ الحارة وأمين المحافظة ولجنة الأحزاب ووزير الداخلية، فأنا لا أملك بطاقة انتخابية، ذلك بأن الانتظار مهين فى أقسام الشرطة من أجل الحصول على أى بطاقة، ولا أتحمل البحث عن مصداقية المرشحين، وأخشى التعامل مع خطط الحكومة للإدلاء بصوتى الانتخابى.

أنا لا املك بطاقة انتخابية، ولم أفكر فى امتلاك واحدة منها طوال الأربعين عاما الماضية، فقد عودنى الكبار والصغار أن صوتى لا قيمة له، فالقوانين والقرارات فوقية جاهزة، والمرشحون معينون سلفا، شفت ذلك طوال عمرى فى البيت والمدرسة وفى الجامعة وفى الشغل، وقلبى يمارس الحزن دون انهيار، ذلك أن أصحاب الحكومة يدربوننى كل يوم على تجرع الأسى فى صالات الانتخاب.

أنا لا املك بطاقة انتخابية، ولا أفكر فى امتلاك واحدة طوال الثلاثين سنة القادمة، حتى وان أغرتنى الحكومة بترشيحى وإنجاحى فى كل الانتخابات، ذلك أننى لا أثق فى حكومة تسمح لمن يحمل الجنسية المزدوجة أن يتسلل بالأموال والعلاقات ليدخل مجالسنا النيابية ويتاجر بصوتى المكتوم، وأجدنى أمام نوع من المصريين لا ينتمون لنا ويتشدقون فى محافلهم بالنيابة عنا.

الأفراد أحرار فيما يختارون من ولاءات وثقافات، والشعوب حرة فى الحفاظ على ولائها وثقافاتها، هكذا تعطى الدولة العصرية جنسيتها لمن يقضى زمنا معينا على أرضها، سعيا منها لأن تذوب خصوصيته الثقافية فى ثقافة شعبها، هكذا يحكم ولاء الأفراد للشعوب شروط عقلية وأخلاقية، تتلخص فى أن صاحب الجنسيتين هو بالضرورة شخص يتاجر بمصالحه الخاصة فى قضية الانتماء الوطنى، وهنا نطرح قضية فرد مصرى طبيعى عاش ويعيش سنوات بعيدا عن مصر فى خدمة ثقافة واقتصاد دولة أجنبية، ثم يعود لمصر حاملا أكثر من جنسية، أيكون ولاءه لمصر أم ولاءه للأجانب؟.

صحيح أن لدينا خبراء أجانب فى أكثر من مكان، لكن الخبير مأجور على صنعة موجودة أما النائب الشعبى فمنشئ لهذه الصنعة، وعليه فحماية لأمننا القومى لا نسمح لغير المصريين بالخدمة فى قواتنا المسلحة، فكيف نسمح لمزدوجى الجنسية أن يدخلوا مجالسنا النيابية ليكونا مشرعين للقوانين المنظمة لحياتنا؟ قد تكون الإجابة مطمئنة، بأن الأمور فى مصر دائما بيد أبنائها، وقد تكون الإجابة قاتلة، بأن بعضهم يمهد الطريق لأن نعلن انضمامنا ولاية تابعة لدولة أجنبية.

Tuesday, May 19, 2009

عشرة زيادة.. وتنجح


قرأت على النت خطابا من أستاذ جامعى بكلية الآداب جامعة المنيا ضمن خطابات مجموعة بريدية،
كتب فيه:

أن شعارا مرفوعا فى بعض أقسامنا العلمية بالجامعات، يقول ما نصه:
ادفع عشرة (جنيه) زيادة تستلم الكتاب وتنجح،
وتضمن خطابه انه تحت وطأة العوز والحاجة والجوع الأزلى، راح أساتذة القسم العلمى يفرضون سلطانهم على الطلاب يسرقونهم ويجمعون عشرات من الجنيهات سدا للعوز ودرءا للجوع

وحيث أن كلية الآداب من كليات الأعداد الطلاب الكبيرة مثل كلية التجارة حيث أعمل
لذلك كتبت شهادتى التالية:

شهادة

أنا ياسر العدل أستاذ مساعد إحصاء متفرغ
كلية التجارة جامعة المنصورة
لو كتب على الجلوس طالب علم من طلاب الكلية
وفرض على
أن أدرس فى نفس المدرج الذى يدرسون فيه
ونفس المحتوى الدراسى فى مادتى الإحصاء والرياضيات
ونفس منهج التدريس ونفس الكتاب المقرر
ونفس الأساتذة ونفس إدارة الكلية
فان نظرية الأعداد الكبيرة فى الفقر والجهل والمرض
تؤكد وبنسبه 90% أننى سأكون طالبا من الراسبين
وتؤكد بنسبة 10% الباقية أننى سأكون مصريا من الثائرين
هنا المكتوب قدر لا ندفعه، وهذا المفروض سلطة تدفعنا
د. ياسر العدل

وحين نشرت شهادتى على النت جاءنى رد أحدهم يرى أن الحل بسيط فكتب:


يا أستاذنا الفاضل

بدلا من شكواك المريرة بهذا الشكل
أي مشكلة لها حل... بس اعزم وتوكل علي الله
وتحياتي

مع رد كهذا افترض صاحبه أننى رجل ساذج أسعى لحل المشاكل بالدعاء وبالنوايا الطيبة
رايتنى اكتب ردا جديدا للجميع هو:

الأخوة الأعزاء

عن أحوال البلد
البلد دى احنا أصحابها ، لكنا عايشين فيها غرباء، ما لناش فيها غير صوت مكتوم
دى بلد الفاسق، صاحب أكثر من جنسية، طويل اليد، الآكل سحتا والمجنون،
بلد هو ذا يرضي عنه نظام الحكم المأفون

أما عن أحوال الجامعة
فالحكى عنها يطول، وأنا الليلة مشغول وغدا ميت
د. ياسر العدل

Saturday, May 16, 2009

حمّام الهنا


مثل معظم المصريين، آكل وأشرب وأشترى من الأسواق بضائع مصرية، يأكل التجار فلوسى غشا ودعاية وتدليسا، وأكشف رأسى كل يوم بالدعاء على الحكومة والتجار وجمعيات رعاية المستهلك.

بسبب طموحات أسرية فى النظافة لازمة للأعياد والمواسم، وبسبب إعلانات رقيقة لأناس يستحمون فى التلفزيون بالمياه الساخنة والصابون، أصرت زوجتى على اقتناء سخان مياه كهربى صنع فى مصر، وحين دفعت للبائع ثمن السخان أقسم برأس أمه الغالية أن صلاحية السخان خمس سنوات، ووعدنى بأن السخان قوى ليخدم أسرتى سنوات قادمة تكفى لأن تصبح مصر جنة ونعيما، هكذا عدت لمنزلى فرحا حاملا السخان وكيلو موز وتفاحتين وصابونه لزوم البهجة فى بيتنا السعيد.

قبل مرور سنتين على استمرارنا فى النظافة بالسخان، تسربت المياه مليئة بالصدأ والبرودة من جدار السخان وأصبح لدينا جثة صدئة ذهبت بها إلى مركز خدمة الصانع أذكره بكفالة ضمان تشغيله، فقرر خبراء الصانع أن مياه الشرب التى تدخلها الحكومة فى شقتنا وندخلها نحن فى بطوننا، هى مياه مليئة بالأملاح والرواسب أفسدت السخان وحولته إلى الجثة أمامنا، وحين أظهرت دهشتى، قال كبير الخبراء: أننى مستهلك كثير الشكوى ضالع فى مؤامرة تلويث سمعة الصناعة الوطنية، هكذا رأيت خبراء الصانع يضعون شروطا غير واقعية لاستخدام منتجاته، وحين وجدتنى محاصرا بخبراء يحلفون على جودة صناعتهم، وان حظى سيئ مع السخان الجثة، وأن برودة المياه تصيبنى بالجرب والحكة، وأننى مصرى محتاج للنظافة وتكبير الدماغ، اشتريت سخانا جديدا من نفس النوع ومن نفس الصانع وبمثل الثمن، وعدت إلى زوجتى حاملا السخان الجديد مع نصف كيلو كباب وكفته وعشرة قطع من الصابون.

تناولنا غدائنا حول السخان الجديد واكتشفت زوجتى أننا مصريان مظلومان، فبمثل هذا المعدل من الغش التجارى نكون قد دفعنا ثمن السخان مرتين والنصف مقابل صلاحيته للعمل لمدة خمس سنوات، ومن باب الظلم لشخصى الضعيف رأت زوجتى أن قلة البركة فى السخان راجع لكونى واحدا من ثلاثة، أننى لص ثري أغسل أموال جمعتها من حرام، أو أننى ضحية اصطادها تاجر لص يحتكر السوق ويغش فى تجارته، أو أننى مع ضعاف التجار وقعنا ضحايا لصوص أقوياء لا نعرفهم نحن الغلابة، رجال الحكومة وجمعيات رعاية المستهلك يعرفونهم جميعا، يشترون الذمم ويبيعون للجميع بضائعهم الفاسدة.

Sunday, May 10, 2009

دوابنا الثقافية



منذ قرون، اجتمع أصحاب الأمر من رجالنا مع بعض النّساء، وقرروا أن تحتل عائلتنا موقع التفاخر بين البشر، كان رجالنا أكثر التحاما بالطبيعة، يدبّون فى الأرض حفاة ويحتفظون بما يستر أبدانهم، فانعقد أمر تفوّقنا على امتلاك دابّة للركوب.

فى القرن الأول، كنّا نرحل فى الوديان وشقوق الجبال وراء الماعز، طلبا للمرعى وسعيا فى الخفاء وراء دواب الآخرين، فكانت الماعز هى دابتنا التى أبدعنا امتلاكها وركوبها، وبلغ صيت عائلتنا كل القفار، وانتشرت الأحقاد والدّسائس ضدنا، حتى أن كل الولاة أهملوا شكاوانا من هجوم الذئاب على دوابنا، فعاد رجالنا حفاة من جديد، لكن الرّائع أن المأساة لم تكتمل حين فرح كثير من فقرائنا بما فعلته الذئاب، ذلك بأن الماعز لم يركبها غير قصار القامة ممن أورثونا حنكة ضرب الأسافين وزرع الشقاق بين البشر.

فى القرن التالى، كنّا نرحل فى الوديان والصحارى وراء الجمال، طلبا للمرعى وسعيا فى الخفاء وراء دواب الآخرين، فكانت الجمال هى دابّتنا التى أبدعنا امتلاكها وركوبها، وبلغ صيت عائلتنا كل الفيافى، وانتشرت الأحقاد والدّسائس ضدنا، حتى أن كل الولاة تناسوا شكاوانا من هجوم الضّباع على دوابنا، فعاد رجالنا حفاة للمرّة الألف، لكن الرّائع أن المأساة لم تكتمل حين فرح كثير من فقرائنا بما فعلته الضّباع، ذلك بأن الجمال لم يركبها من عائلتنا غير طوال القامة ممن أورثونا قدراً من البلاهة والسّفه.

فى القرن الأخير، وصلنى بعض ما فعله أجدادى، فبعت كل ما ورثته من ماعز وجمال، واشتريت دابّة ثقافية يجرها النفط ومسحوق العبيد، وسعيت وراء أكل عيشى فى تجارة المماليك وأمراء القصور، وأقمت موائد طعام وكشوف بركة، يغشاها الشّحاذون وبعض الفقراء، ونشَرٌتُ مسارح وصالات دُعاء، يملأها روّاد المآدب وبعض صانعى القرار، وذاع صيتى لدى كل البنوك ومخرجى الأزمات، فترصّدنى الحسّاد وقاطعوا الطريق، حتى عرف النّاس أن ولاة أمورنا تحصّنوا مثلى داخل موائد من تبرير وأدعية فى مواسم الغفران من الفكر والبطولة.

الصورة لم تكتمل بعد، فمازال بين عائلتنا من يفكّر ويحمل رأيا وتعامله السّلطة على أنه حاسد وقاطع طريق، يدعو بالتّلف على أعمدة تحمل ثقافة عقلنا العربى، ويشيع بأنها دواب ثقافة لا تحمى غير ولاة أمورنا من بعض الشرر.

المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 10 مايو 2009م

Friday, May 08, 2009

سيجار المقرود



بلغنى أن بعض الأثرياء فى مصر، يشربون قهوة غالية الثمن تسمى (كوبي لواك)، سعر الفنجان الواحد منها يتجاوز مائتين وخمسين جنيها مصريا، يتم إنتاجها بأخذ حبوب البن من مخلفات حيوان يشبه القطط يسمى (الزّياد) يأكل حبوب البن ويعيش في جنوب أسيا، تقوم أنزيمات معدة (الزّياد) بتخمير حبوب البن وتفكيك البروتينات الموجودة فيها وإعطائها نكهة خاصة، هكذا يتم جمع مخلفات (الزّياد) بعناية وتقديمها مشروبا للأثرياء والمترفين.

لهؤلاء المغرمين بالفشخرة أقدم نوعا من السيجار المناسب لهذه القهوة الرائعة لا يتجاوز ثمنه خمسمائة جنيه مصرى فقط، انه من اختراعى تذوقه بعض الصحاب من شباب قريتنا، واحتفظت أنا بسر صناعته، هو علاج مناسب للباحثين عن التعالى والغرابة والنشاز، انه سيجار (المقرود).

فى الماضى القريب، هى خمسون سنه خلت، كان لدينا حمار قوى أشهب اللون رمادى الذيل أسميناه (المقرود)، حمار أصيل يقبل التعاون ويرفض السخرة، حين يربت أحدهم على عنقه مع خبطتين حانيتين على الصدر فانه يبدأ العمل الجميل، يقدم خدماته للجميع حاملا الأثقال سائرا بين جنبات القرية تضرب أرجله القوية صدر الأرض بصوتها المميز، وحين ينهره أحدهم دون مبرر فانه يرفض السخرة ويبدأ العمل القبيح، يضرب الهواء برجليه الخلفيتين ويقفز ليلقى بكل أحماله على الأرض وينطلق بعيدا يتمرغ فى التراب ويثير الغبار معلنا انتصار إرادته، هكذا أصبح (المقرود) مثالا لشجاعة مطلوب توريث جيناتها.

إعجابى بحمارنا المقرود، وحاجتى للتدخين وإيمانى بتفاهة مطالب بعض الأثرياء، دفعتنى لاختراع نوع من الدخان أصنعه من مخرجات بطن (المقرود)، بعد وجبات البرسيم الحجازى اجمع من زريبة (المقرود) زبله البيضاوى المتماسك، أضع المحصول فى وهج الشمس سبعة أيام كاملة مع الرعاية والتقليب، وفى عز ظهر اليوم الثامن ابدأ عملية الكسر الحريص لجدار كل زبلة جميلة واخرج منها بقايا البرسيم الناشف المخلوطة بأنزيمات معدة (المقرود)، هذه البقايا أخلطها بنسب معينة مع دخان سجائر قديمة وأوراق ملوخية ناشفة، أضع الجميع فى أوراق كراريس بيضاء وأصنع السجائر بمقاسات محسوبة، هكذا أقمت مع أصدقاء الصبا ولائم تدخين بهيجة بعيدا عن عيون الآباء والأمهات والعقلاء أجمعين.

وما زالت آلاف الحمير المقرودة فى بلادنا قادرة على تقديم خدمة هذا السيجار للمغرمين بالفشخرة.

Sunday, May 03, 2009

أصدقاء جدد



دروب حياتى الرائعة أوصلتنى إلى علاقة نصف صديق ونصف عدو أقمتها مع موظف حكومة أحيل إلى المعاش، على مدى شهور نهرب سويا فى الصباح من طلبات الزوجات ونلتقى عند عربة الفول المدمس الرابضة على رأس شارعنا العامر، نتناول إفطارنا أطباقا من الفول والبصل وقصص الثورة والأولاد وفساد الأنظمة، ونعود لمنازلنا حاملين متعة الغيبة والنميمة مع أكياس الفول والطعمية والخبز الطازج.

صباح أمس وفى وسط شارعنا لقيت الرجل يهم فى سيره متجها إلى عربة الفول، مشيته لا تخفى آلاما يعانيها فى الساقين ومشيتى لا تخفى آلاما أعانيها فى الظهر واليدين، وحين لحقت به أخبرته بأننى أصبحت مثله عجوزا على المعاش، فقال مهنئا كنصف صديق: أحسن يا راجل، الحرية جميلة، فجأة استدار نحوى يهز وسطه ويطوح بكفه اليسرى ويخرق بإصبعه الوسطى هواء الكون المحيط بنا، وواسانى قائلا: بلا حكومة بلا قرف، المهم الصحة يا راجل، وحين طأطأت رأسى موافقا وشكرته كنصف صديق اقترب منى كنصف عدو يتحسس صلاحيتى للحياة، حط عينه فى عينى ووضع يده اليسرى على خصره ثم مال بأذنه نحوى وسألنى بصوت واطئ متآمر: صحتك تمام التمام؟ لم يترك لى فرصة للرد على سؤاله وأسرع يهز وسطه وصدره ويطرح كفيه ورسغيه كراقصه شعبية، ثم لوح بقبضه يده اليمنى وغمز لى بعينه اليسرى متسائلا بصوت فاضح: أنت متأكد أن صحتك تمام التمام يا باشا؟ مرت لحظات التقطت فيها أنفاسى من متابعة حركاته وأجبته باعتبارى نصف عدو: الصحة تمام التمام، وعاوز أتجوز.

صوب الرجل عينيه داخل عينى ووضع سبابته مشيرا إلى وجهى ثم مط وجهه كنصف صديق ونصف عدو وطرح على سؤالا عبقريا من شطرين بينهما وقفة ماكرة: قل بصراحة أنت عاوز تتجوز، وإلا أنت عاوز تتجوز؟.

هكذا أحاطتنى نظرات نصف الصديق ونصف العدو وانثناءات خصرهما وتهكماتهما فقررت أن أرفع عقيرتى بمجون التحدى قائلا للجميع، آه عاوز أتجوز.

نظر نصف العدو إلى عينى وانفتح فمه عن ابتسامات تتشفى بمعرفة الأسرار، ودون أن يترك لى فرصة الإجابة على الشطر الأول من سؤاله المحرج أو مجرد التفكير فى معنى شطره الثانى، باغتنى بالالتفاف حولى ووضع أصبعه الوسطى فى جنبى ودغدغنى قائلا: آه منك يا لئــيم.

Monday, April 27, 2009

مطلوب عروسة

ليست مشكلة أن يصبح أبناؤنا أباء ينسلون، هى مناورات من الأهل والجيران والطامعين ممزوجة بحزن وأمل وفرحة وتلبية احتياجات متبادلة يمكن للابن معها أن يصبح أبا رائعا طيبا وصبورا، المشاكل تبدأ حين يسعى الأب فى البحث عن عروس مناسبة لابنه الفحل.

حين بلغ إبنى عمر الفحولة الكافى لأن أصبح أبا لعريس محتمل، يضرب نسلى فى الأرحام أحفادا يملأون المستقبل عزة وفخارا، أعلنت بين الأهل والجيران والطامعين رغبتى فى أن أصبح جدا، ولأن أحفادى فى ظهر الغيب عظماء، استظرفت من أجلهم سماجة هذا الصديق، ورضيت غباء ذلك الجار، وبررت سلوك تلك الطامعة، وطال صبرى على من يتحفنى بآرائه فى زواج بنات الأصول.

داخل سيارتى الرائعة جلس صديقى يسكب على مسامعى أن البنات كثيرات على قفا من يشيل، وأن الزواج من بنات الأصول أمر ميسور، فثلاثون ألف جنيه مصرى هى شبكة معقولة، وتسعون ألف جنيه هى فرش ثلاث حجرات فى شقة الزوجية، مطبخ وصالون وأنتريه، وعشرون ألفا هى حفلة فرح على الضيق، إذن الحسبة بسيطة، قل هى مائة وخمسون ألف جنيه يتكلفها العريس، بشرط امتلاكه لشقة مناسبة، أما العروس فتتحمل ما تبقى من نجف ومراتب وستائر وفوط لزوم حجرة النوم ولزوم إنتاج الأحفاد، ولا بأس أن يزيد صاحب الفضل من سعته.

ظل صديقى يسكب فى سيارتى آراءه عن زواج بنات الأصول، وظلت سيارتى تترنح على الطريق نحو منزله المحشور بين منازل المصريين، وحين بدأ يعيد آراءه رأيتنى أعيد حساباتى وأنظر إلى ربطة عنقه الطويلة تمهيدا لارتكاب جريمة خنق مع تكسير جمجمة، وفى لحظات تقدير لحجم الفاجعة تحسست الشارع والمارة فاصطدم بصرى بعشرات من العابرات سبيل الأنوثة، فأعلنت لصديقى أن أكثر من ستة ملايين فتاة مصرية دخلن سن العنوسة، وأن ابنى فحل من النابهين، وان أكثر من ستين فى المائة من الأسر لمصرية تعيش فى حجرتين، يأكلون فى صحون من البلاستيك وعلى طبالى من أوراق الجرائد، وأن كيلو لحم الغنم الشهى لا يزيد على خمسين جنيها، فلا يعقل أن تزيد ثمن العروس من بنات أصوله على ألفي جنيه.

أيها الرجل غادر سيارتى سالما، وأحذر غضب الفحول منا ومن الأبناء فعرائسك أكثرهن من المتردية والنطيحة وما رفس الجحش.

ردود على المقال

هذا المقال نشرته على مجموعات بريدية على النت أشترك فى عضويتها
ومن بينها جماعة 9 مارس المهتمة بمشاكل استقلال الجامعات المصرية
أظهرت تعليقات على مقالى من بعض أعضاء الجماعة كم نعانى من تخلف ثقافى بين أساتذة جامعاتنا
غالبية أساتذة جامعاتنا تعايش ضعفا حسيا فى التعامل مع اللغة العربية وتعيش ضحالة اغتراب فكرى

كان تعليق إحداهن وهى أستاذه فى كلية الآداب هكذا:
يا أبا الفحل، ابحث عن عروسة لابنك الفحل بعيدا عنا وعن مجموعتنا البريدية.
وعلقت أستاذة فى الجامعة الأمريكية على المقال بلغة إنجليزية
ورأت فى المقال نصا يتضمن تعبيرات إباحية قامت بتحديدها باللون الأصفر

فكان على أن أمد رجلى كالشافعى فى وجه من يدعون الثقافة ويمثلون احدى حلقات صناعتها
وسطرت الرد التالى :

من المؤكد وحفاظا على الأنساب نضعها، نحن آل العدل، فى المحصنات من القوارير
فإننى كما ذكرت فى مقالى أعلاه
إننى لا ابحث عن عانس أو نطيحة أو متردية لتصبح عروسا لابنى الفحل
ومن المؤكد أيضا أن هذه المجموعة الموقرة هى خليط راقى من المتزوجين وقل بينهم العوانس
فلا يصلح أمرى فى طلب عروس بين أفراد هذه المجموعة الموقرة
الأمر ببساطه إذن
إن مقالى أعلاه هو إشهار لفحولتنا، نحن آل العدل، بثثته بين هذه المجموعة وبين مجموعات أخرى كثيرة
فقد يغار بعض من أوردتهم السنون أبواب المهالك، يحرثون ولا ينسلون، وصاروا بركة طيبين
يغارون فيدعوننا كى نقوم بواجبنا، نحن آل العدل، فى إنتاج وتحسين النسل البشرى
أخيرا إلى من لا يدركون جمال الكتابة الأدبية فى مقال صحفى ذو توجه اجتماعى
أقول
أنا لست فقط أبا لفحل واحد بل هم كثير، ذلك بأننى فحل عظيم وما زلت أعمل بكفاءة

عند ذلك قام دكتور من المجموعة وكتب فى تعليقه:

أنا كعضو في المجموعة أو جنرال كما يتخيل د. ياسر العدل في كتابته السمجة
أعبر عن رأيي أحياناً في الرسائل التي لا تتعلق بنشاط المجموعة
مثل مقالات د. ياسر العدل التي لا أرى فيها بالمناسبة أي قيمة صحفية أو أدبية

وحين ظهر لى أن كثرة من أساتذة الجامعة يحملون أدمغة صدئة وحس إبداعى منخفض
أصبح لائقا أن أتوجه بحديث عام عن المقال وللجميع

أخى الفاضل وأختى الفاضلة أعضاء المجموعة

إذا كان بعض أساتذة الجامعة لا يتذوقون أدبا رصينا،
فهم لا يدركون أن مقالى أدناه هو مقال صحفى بامتياز
يتناول مشكلة الزواج بلغة عربية راقية وإحاطة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية
أما عن رفض هذا البعض من نشر مقالاتى على المجموعة
الأمر أبسط كثيرا
بالتأكيد أن لهذه المجموعة مدير يمكنه رفض الرسائل وتنقيتها
إن فعل فسيريح بعضهم ويريحنى أيضا من تعسفى فى الرد عليهم
فى النهاية
أرى أن الشعوب المتخلفة يختص أفرادها بإغفالهم سماع الموسيقى، إنها حرام
لا يستملحون الأدب إلا إذا كان ذكرا، انه تذكرة

هنا تدخل دكتور آخر وكتب لى:

أين الرصانة يا سيدى فى هذا الكلام الغليظ عن الفحولة والنسل والجنس؟
وهل الزواج عندك محصور فى هذه المعانى المكشوفة التى تعتمد على الحس الغرائزى الخام؟
ثم كيف تتهم من لا يتذوقون أقوالك الفجة بالتخلف؟

هكذا ظهر لى من يركب موجة الهجوم دون تفكير فرددت عليه فى خطاب خاص

أيها الفاضل
من يحمل مثل فكرك وطريقتك
فى قراءة تتابع النصوص، مقالى وما تلاه من رد عليه من دكتورة الآداب
فأنا أرشحه لكى يكون مسئولا كبيرا عن الأدب الرصين فى بلادنا
مسئول لا يقرأ التتابع ويطرد الأفكار المحورية
وتكفيه القشور كى يمتشق حسام القيم المرعية

وأنهيت النقاش برد أخير ألقيته على الجماعة هو التالى:

لست هنا بصدد تقييم مقالى المسمى أعلاه مطلوب عروسة
لكن بعض أعضاء المجموعة تناوله بتقييم غير موضوعى
أحدهم تطوع بسريع نقده ووصفه بالسماجة
إحداهن علقت عليه باعتباره مقالا إباحيا يخدش حياءها كأنثى وكإنسانه
كان تعليقها بلغة غير عربية
أحدهم تصور أننى كاتب يفرض مقالاته على قرائه بخدمة توصيل إجبارية
وأحدهم تصور أن أمره يشغلنى لأعتقد انه خفير أو جنرال
كل هذه التقييمات غير الموضوعية من سماجة، إباحية، إجبار على القراءة، تضخم الذات
كلها عداءات لا أقبل بها تنقلنى إلى حالة من الشراسة أفرغها فى وجه الساذج والإباحى ومتضخم الذات
ذلك أننى أرى نفسى مسئولا عن كتاباتى
فكما أننى أحاول إلا أقع بها فى محظور لغوى أو اجتماعى أو أخلاقى
فإننى أيضا لا أترك للسائمة فرصة الإفلات بتقييمهم الضحل لها
مرة أخيرة
أنا لست بصدد تقييم كتاباتى
أنا فقط أتعسف جدا فى الرد على أقوال جاهل ولا يعلم انه جاهل
د.ياسر العدل

Sunday, April 26, 2009

مواسم التطهير


فى بعض مواسم التطهير من الجرائم وفى بعض المناطق تنشط أدوات الشرطة فى القبض على الخارجين على القانون، تفتش الأرض والسقوف والمنازل والجيوب، ويتم القبض على العشرات من المشتبه فيهم، وحين تخبو طبول مواسم التطهير، تهدأ المعمعة ويدخل بعض المقبوض عليهم فى محابس تحت سيطرة الشرطة فى سجن مغلق أو فى متابعة مكشوفة، هكذا يكون التمهيد لإعادة القبض عليهم وقت الحاجة لتسوية جرائم لم تستدل الشرطة على مرتكبيها.

كثير من المجرمين يعيشون أحرارا يروعون الناس ويفسدون فى الأرض، الناس تعرفهم والشرطة تعرفهم ولا تنالهم يد القانون، يتعاملون مع الشرطة كأنهم أصدقاء قدامى، الشرطة تتحرك تجاهم لتنفيذ حالات موسمية ترتبط بتنفيذ سياسات فردية محددة، هى ترقية هنا أو منصب هناك، هكذا يتربى شعور لدى الناس بأن الأمور غير منضبطة، ويحاصر الجميع إحساس بأنهم مشاريع جاهزة لحالات اشتباه تديرها الشرطة، ذلك بأن إغماض الأعين عن الجرم المشهود إنما هو مساومة يمارسها لصوص يتبادلون المواقع.

كلنا يعرف جناة من كل نوع، ويعاشر خارجين على القانون فى أكثر من نص، كلنا يخالط زوجات وأولاد وأقارب وموظفين وتجار وفنانين وطلاب علم وأساتذة جامعات وصحفيين، لكن الخوف القاتل كامن فى صدورنا من سطوة الجناة ونوم القانون وفساد الذمم، وهشاشة ضعفنا الإنسانى يضعنا فى دوائر خوف دائمة بأننا فى وقت ما صالحون لأن نكون جناة من نوع ما.

نظرا لطبيعة ضعفنا الإنسانى وخوفنا المبرر وتعثرنا السياسى فى تناول قضايا الحرية، نرضى لأنفسنا ما نرفضه لغيرنا، نستدرج كل القوانين لتخدم مصالحنا، نطرح أنفسنا أمام المجرمين وأمام الشرطة كلعب صالحة للاستخدام فى مواسم توريد الجناة لقضايا الناقصة أو محتملة.

لا سبيل أمامنا للهروب من دوائر الخوف غير الإمساك بأدوات الحرية، حرية الفكر بالعلم، وحرية الإرادة بالوعى، وحرية الفعل بالديمقراطية، كل هذه الحريات يحتاج تطبيقها إلى أدوات علمية تساعدنا على الفصل بين الجناة باعتبارهم موضوع اتهام للشرطة وبين الشرطة باعتبارها أداة لتنفيذ أحكام القضاء وبين القضاء باعتباره أداة لكشف للعدالة، نحن بحاجة إلى مناهج علمية ترفع الوعى لدى الناس ليدركوا طبيعة حرياتهم، فلا يخيفنا الجانى الشرس ولا يسجننا الشرطى القبيح ولا يفصل بيننا القاضى الضعيف.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 26 ابريل 2009م

Sunday, April 19, 2009

أزمتنا الثقافية


نحن المصريين نعانى من أزمة ثقافية حادة، فعقلنا الجمعى يفتقد المعايير الموضوعية للحكم على القيم، ويقنع بأحكام شخصية تمليها الأساطير والخرافات والتجارب الفردية، وعلاقاتنا المتبادلة مع أنفسنا ومع الغير تحكمها شريعة الغاب، القوى يأكل الضعيف، ومنطق القبيلة يسيطر على فكرنا الفردى فتموت الإبداعات الفردية وتتقلص طموحات الجماعة، أسباب هذه الأزمة ترجع إلى عاملين، أولهما ضعف تواصلنا مع مصادر الفكر المؤثر حضاريا، وثانيهما ضعف الأداء فى العناصر الفاعلة لثقافتنا.

يرجع ضعف مصادر فكرنا المؤثر حضاريا إلى انعزالنا الموضوعى فى التعامل مع العالمين القديم والحاضر، فتناولنا للعالم الماضى يقتصر على أوعية ثقافية قديمة نسحب منها معلومات بدائية غير منقحة حضاريا، وتناولنا العالم الحاضر تنقصه فاعلية البعثات العلمية ومهمات التبادل الثقافى مع الآخرين، هكذا تصبح مصادر ثقافتنا المعاصرة بناء من هشيم.

والعناصر الفاعلة للنشاط الثقافى ثلاثة، أولها إنسان يرسل معلومة، وثانيها إنسان يتلقى نفس المعلومة، أما الثالث فهو نقل المعلومة عبر أدوات صالحة لنقل نفس المعلومة، وضعف هذه العناصر يجعل ثقافتنا مشوهة يختلط فيها الموضوعى بالشخصى والحقيقى بالأسطورى، هكذا تنتشر فى ثقافتنا آليات تقديس الأفراد وتغيب عن أدمغتنا طرق الحلول الحضارية لما نواجهه من مشاكل.

بلادنا ليست فقيرة فى إمكانياتها المادية، فجامعاتنا ومقار الأحزاب والمقاهى ودور العبادة والمصانع، تستخدم موسميا لإلقاء المواعظ والتسامر والحملات الانتخابية، وبهذه المقار يوجد أكثر من مكان يصلح لأنشطة المسارح ودور العرض السينمائى وقاعات المحاضرات، إنها أماكن يمكن توظيفها لتفعيل النشاط الثقافى بين جموع المواطنين بدلا من غلقها واقتصار دورها على تلقين البسطاء أدعية الصبر وشكر أصحاب النعم.

فى بلادنا كثير من القادرين مادياً على التبرع لتبنى أنشطة ثقافية مختلفة، من باب الإيمان بضرورة التقدم أو من باب الكسب المادى أو من كلا البابين معا، ويمكن توجيه التبرعات لإقامة فرق ثقافية تعيش فكريا وماديا على أرض الواقع، فرق لا يقتصر وجودها على مجرد التسجيل فى أوراق حكومية، ولا يخشى العاملون عليها فكرة السعى نحو التنوير.
الطريق واضح لتجديد ثقافتنا الوطنية، الخنوع يجعل الإقدام على التنوير أمرا عسيرا، والوصول إلى ثقافة حية لشعب متحضر أمر دونه الكثير من الجهد والأسى والشوق الجميل.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى – الأحد 19 ابريل 2009م

Saturday, April 18, 2009

رقصة واحدة

فى يوم موعود ظهرت إشارات واضحة على أننى مقبل على وليمة كبيرة، ترص فيها اللحوم وتتراقص فيها المشروبات، ذلك بأن اجتماع مجلس كليتنا الموقر هو الاجتماع الأخير فى ذلك العام، وأننى عضو فى هذا المجلس، وأن إدارة الكلية ستكرم زملاء من هيئة التدريس فازوا بجوائز صورية من الجامعة بغض النظر عن كفاءتهم العلمية، وأن رئيس الجامعة ونوابه سيحضرون للكلية لافتتاح مبنى حديث يحمل اسم رئيس الجامعة، هكذا رأيت الوليمة الكبيرة غداء شهيا يصل بى إلى الشهرة ويساعدنى على التخلص من العمداء والزملاء، فالأكل مع صناع القرار ملئ بالعظمة والشهرة، بغض النظر عن كونه أكلا مشوبا ببرودة العلاقات الوظيفية ومطعّما بالنفاق وتسليك المصالح.

فى قاعة كبار الضيوف، لم أكترث بمصافحة عميد الكلية، فقد نجحت فى مصافحة من هو أعظم شأنا، انه نائب لرئيس الجامعة ابتسم لى فزاد يقينى بدعوتى لحفل الغداء الفخيم، وحين شرفت القاعة بدخول رئيس الجامعة الأعظم شأنا من الجميع، تركت نائب الرئيس جانبا واندفعت بجسدى بين جموع المستقبلين واحتضنت رئيس الجامعة بود ظاهرا للجميع، فداعبنى الرئيس بود مسموع للكبار، وأيقنت بأننى سأجلس بجوار فخامة الرئيس على مائدة الطعام.

انتظم ركبنا خلف رئيس الجامعة، موظفين ورجال أمن وموظفات ومصورين، وسرنا على سجاد تحيطه أكاليل الزهور وضع خصيصا ليحدد للضيوف طريق العبور بين منشآت الكلية، وفى الوقت المناسب قام موظف بتحريك بعض العاملات المحتشدات فى الأركان فأطلقن زغاريد مبحوحة مع أدعية بالستر والصحة وبلوغ الأمل، وفى نهاية طريق السجاد أعلنت احدى الموظفات أنها على استعداد لتملأ الدنيا بهجة وزغاريد مقابل أن يمنحها رئيس الجامعة مكافأة نصف شهر من راتبها، وحين سمعها موظف كبير أسر فى أذنى انه لن يرض بأقل من مكافأة شهر كامل مقابل زغرودة واحدة ورقصة ماجنة.

فى قاعة الطعام الواسعة قررت الجلوس على مائدة رئيس الجامعة، قاصدا أن تلحقنى نظراته بالعطف والرضا، وأظهرت له حبورا وانتشاء بكل نكاته ومداخلاته، مر وقت حلمى بالمناصب جميلا، وحين اكتشفت على ألسنة الجميع أن الاحتفال عقد لتكريم رئيس الجامعة بمناسبة انتهاء فترة رئاسته الحالية، ضاقت القاعة عندى وجف الطعام لدى وصدعنى سخف نكات ومداخلات رئيس الجامعة، وهاجمتنى آلام المعدة والتنفس، ووجدتنى أعود إلى منزلى دون منصب جديد أو شهرة مدوية.

Monday, April 13, 2009

عزب ثقافية


لأن مصر بلد كبير يتمتع بالاستقرار عبر الجغرافيا والقدم عبر التاريخ، أصبح سهلا على حكامها أن يضعوا مؤسسات قوية تكرس لبقائهم وتقاوم فكرة تداول السلطة مع الآخرين، هكذا يتحول نشاط وزارات الإعلام والثقافة والصحف الحكومية فى مصر المعاصرة إلى عزب ثقافية تصنع من الحاكمين ملوكا وكهنة قديسين.

نشاط وزارة الإعلام يعتمد نظريا على أن الكلمة المثقفة تصنع وعيا حضاريا، وعند التنفيذ تستعين القنوات الإذاعية بمذيعين ينفرون من ثقافتنا القومية ويتهربون من وقائع حياتنا اليومية، ويقوم معدوا البرامج بمفاوضات للتعرف على المسموح به والمسكوت عنه إعلاميا، هكذا فى الوقت المناسب تظهر على شاشات العرض العام قوافل ثقافية تضم مذيعين مدربين يمسكون بمتحدثين مروضين ليرقص الجميع حول موائد طعام فكرى حامض، وتتحول وزارة الإعلام إلى عزب خاصة تشيد بعصمة الحاكمين.

نشاط وزارة الثقافة، يعتمد نظريا على أن الدولة القوية تصل جمهورها بالفنون الإبداعية، وعند التنفيذ تصطدم وزارة الثقافة بضعف الإمكانيات المادية والفنية، فهيئة قصور الثقافة فى حاجة لأكثر من اثنين مليار جنيه لتحسين البنية التحتية لقصور الثقافة القائمة، ونسبة المتفوقين دراسيا والمبدعين فنيا فى مجالات وزارة الثقافة لا تزيد عن خمسه فى المائة بين العاملين، وفى الوقت المناسب تنطلق قوافل إدارية تنشر إنتاجها فى المسارح والمعارض والاحتفالات تصاحبها وفود إعلامية تضم أشباه صحفيين ونقاد يجمعون بدلات السفر وينتقدون موائد الطعام، هكذا يتقلص نشاط إدارات الثقافة على تقديم عروض فقيرة ثقافيا لجمهور مغيب حضاريا، وتتحول وزارة الثقافة إلى عزب خاصة تشيد بعصمة الحاكمين.

نشاط الصحف الحكومية، يعتمد نظريا على أن الصحافة سلطة رابعة لصنع القرار فى يد المواطنين، وعند التنفيذ تقوم ماكينات الطباعة فى مصر بإخراج أكثر من خمسمائة صحيفة ومجلة ومطبوعة شهريا، تمتلئ بكتابات صحفية دون مستوى الوعى الثقافى اللازم لصناعة التقدم فيتفكك الانتماء العام وينحسر عدد قراء الصحف فى مصر دون المليون ونصف المليون قارئ، بنسبة لا تصل إلى اثنان فى المائة من عدد السكان، وتتحول الصحف الحكومية إلى عزب خاصة تشيد بعصمة الحاكمين.

هكذا فى عصور الملوك الكهنة، يدفع المصريون الضرائب والإتاوات من أجل تجهيز عزب ثقافية تكرس مركزية الدولة وتدعم دكتاتورية الحكم، ويتباكى الجميع على قتل الانتماء للوطن.

Sunday, April 12, 2009

أطلس الفلكلور المصرى


نحن المصريين، عشنا آلافا من السنين فى كنف حضارتنا الفرعونية، ونعيش فى مزيج حضارى تصنعه الديانات السماوية منذ مئات السنين، وطوال تلك الحقب ترسبت فى وجداننا عادات وسلوكيات شعبية جسدت أجزاء أصيلة فى شخصيتنا المصرية يجمعها موروث واحد هو الفلكلور الشعبى المصرى.

فى سعينا لإثبات وجودنا بين الأمم علينا تفعيل ذاكرتنا الحضارية وتزكية انتمائنا القومى بموروثاتنا الشعبية، هذا السعى يتطلب منا خطوتين علميتين، الأولى أن نبنى أطلسا للفلكلور الشعبى المصرى يحمل إطارا علميا منضبطا لتجميع وتوثيق وحماية بيانات مأثوراتنا الشعبية، والخطوة التالية تتمثل فى بناء آليات التفسير العلمى لبيانات الأطلس بقصد تحويلها إلى معلومات قابلة للتداول تشرح لنا وللغير مكونات شخصيتنا المصرية.

المشكلة فى إعداد الأطلس المصرى أنه نشاط تابع حاليا لوزارة الثقافة، وبالتالى فإدارة الأطلس تحكمها قوانين الإدارة الحكومية فى التمويل والتعيين والترقيات، صحيح أن هناك لجان علمية متخصصة تشرف على العمل، لكن بيروقراطية العمل الإدارى تعوق انجاز الأطلس فلم ينته إعداده منذ سبعينات القرن الماضى حتى الآن.

إن إنشاء أطلس للفلكلور الشعبى المصرى يعتبر مهمة قومية تتطلب أن نوفر لها الإمكانيات اللازمة، لذلك فإننا نقترح أطر العمل التالية:

أولا: أن يدعم الأطلس بكوادر علمية، من حيث المخصصات المالية والإدارية، تتبع جهة أكاديمية مثل الجامعة أو مراكز البحوث المتخصصة، ونحن لدينا كثير من الأقسام العلمية فى جامعاتنا تدرس الفلكلور، ولدينا علماء يمكن توظيف إمكاناتهم البحثية، ولدينا طلاب صالحين لتكوين أجيال تالية من المتخصصين.

ثانيا: أن تقوم الدولة بجهد إعلامى يسعى لتشجيع الأفراد والمؤسسات على التبرع للأطلس، يمدونه بالبيانات الأولية وبالتجهيزات المادية اللازمة، على أن يكون التشجيع متمثلا فى إعفاءات ضريبية، وبدائل مادية وأدبية ترفع من شأن التبرع للمشاريع القومية.

ثالثا: أن يتم التعامل مع هيئة الأطلس باعتبارها نواة لجهة علمية متخصصة، تقوم على دراسة الفلكلور المصرى، وتمد نطاقها العلمى نحو الدراسات المتصلة، وتدعم نشاطها بالبعثات الخارجية، والزيارات العلمية للباحثين فى مجال الفلكلور.

ويبقى فى الحسبان أن جمع الفلكلور المصرى، تدوينا ودراسة، إنما هى مهمة قومية يجب أن نشارك فيها جميعا، نحن المصريين، قاصدين التمسك بمبررات علمية تضيف لوجودنا ثباتا متميزا على الأرض يبعث على التعاون بندية مع الآخرين.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 12 ابريل 2009م

Tuesday, April 07, 2009

مصرنا . . مخترقة


بعض المراقبين المعاصرين يرون أن مصر إناء كبير يضج بغليان ثورة شعبية وشيكة، ففقر الأداء السياسى والجوع الاقتصادى وتآكل المواطنة يحاصر الجميع، لكن القراءة الموضوعية للواقع المصرى تصل إلى نتائج مغايرة تجعل فعل التغيير صعب المنال.

فى مقابل الجوع الاقتصادى يوجد نسيج اجتماعى غير متجانس لا يقوى على التمازج، فالطبقات الاقتصادية المصرية غير متواصلة اجتماعيا، طبقة ثرية مرفهة يقل حجمها عن عشرة المائة من السكان، وطبقة عريضة تصل إلى أربعين فى المائة من السكان تعيش دون خط الفقر الاقتصادى، وطبقة يمثلها نصف السكان تعيش بالكاد حول خط الفقر الثقافى، هذا الوضع الطبقى الاقتصادى الاجتماعى السيئ جعل المصريين يعيشون أنيميا ثقافية وفكرية حادة، وجعل من مصر كائنا مخترقا مفتوحا لتجارب الآخرين.

فى مقابل فقر الأداء السياسى تحمل الغالبية من النخب المصرية شتاتا فكريا وثقافيا هزيلا غير مصري الجذور لا يتصارع حضاريا وإنما يتكلس داخل أطر مغلقة تحول دون الفعل السياسى الجاد.

فى مقابل تآكل قضية المواطنة تتصارع آليات الانتماء بين أصحاب حزم فكرية متناقضة، فمن داخل مصر تعيش الجماهير وعيا سياسيا منقوصا ومشوشا نتيجة احتكار الدولة لآليات الفعل السياسى، ومن خارج مصر تتطاير أفكار متناقضة بين أقباط مهجر يضيقون الخناق على أهل مصر ليعيشوا فى تاريخ مضى وبين إخوان بترول يلغون وجود مصر فى تاريخ معاصر، وبين عبيد تدميهم أسلاك الكفالة والنخاسة والسباحة غرقا فى أفلاك البحر فلا يهتمون بغير تاريخ أسيادهم، هذه الحزم الفكرية يعانى أصحابها من هوانهم على الناس خارج مصر ويسعون لاسترداد قوتهم فى سوق الفقراء داخل مصر، يتنابذون بالأقوال فى التمييز الدينى والطائفى، ويتشدقون بنقاء العنصر والانتماء العرقى.

وفى طريق البحث عن منهج فكرى لتقدمنا، يشقينا فعل أناس يدعون أنهم المندوبون وحدهم عن السماء وأنهم وحدهم الناطقون بالحق، لا يرون أن السماء فوق الجميع وأن الأرض ملك للجميع، إنهم يمارسون التمييز بين البشر، هذا مؤمن لهم وذلك كافر بهم، المؤمن لهم نصف مقدس والكافر بهم مشروع قربان للآلهة، إنهم لا يعترفون بحق الإنسان فى المواطنة ويشترون بآيات الحكمة ثمنا قليلا.

هكذا نحن المصريين، نعانى تخلفا اقتصاديا وعلميا وثقافيا، جموعنا عمال تراحيل تسكن العشوائيات وتشقينا فعله الحصول على طعام اليوم، وتحولت لدينا ثقافة التغيير من فعل الثورة إلى فعل الصياح.