Tuesday, December 14, 2010

أنا أحب الفلوس

طوال عمرى أحلم بجيوب قماش طويلة مليئة بالفلوس، تداعبنى أحلام الثروة والعظمة والتعالى، أستمتع بأسياخ اللحم المشوى مع دوارق الكركديه واللبن الرايب والطحينة والعيش الفينو، تطول أمعائى وتتسع عبر الأرض مليئة بأنواع المحمر والمشمر والحلويات والمشويُات، وحين تسقط على ظهرى وقائع أزمتنا الاقتصادية ويسقط أقربائى فى الانتخابات دون تزوير، تتهافت أحلامى وتهرب عن عالمى وعود المسئولين بصلاح الأحوال، ويشتد وطيس الجوع فى جسدى، وتنفلت أربطة الفكر الجميل فى عقلى، هكذا أعلن كل يوم الإضراب عن أحلام الثراء وأبدأ ألعاب المطحونين.

كل يوم أخرج من دارى قاصدا التواصل مع كل البشر، الأعداء وبعض الأصدقاء، هى دقائق قليلة ويشهد الراسخون فى الفقر وبعض الأغنياء أننى مفلس جيوبى مخرومة، لا ينجح مرتب الحكومة أو كرم الأصدقاء أو زكاة المتطهرين فى سد خروم جيوبى، هكذا يشعرنى الإفلاس ببرودة الأطراف والأنامل، فلا أمسك فلوسا كبيرة هنا ولا أدخر فلوسا عظيمة هناك.

كل يوم أجرى وراء العيش فى الأرض طلبا لرغيف من سن حاف أو بقايا من لحم مشوى، أناور رؤسائى لاقتنص قطع البقلاوة والعسلية وعصير القصب البارد، أهرب من نكد الزوجة ومطالب الأولاد، أمضغ اللبان واستحلب القرنفل، أتنكر للزملاء والمديرين وقاطعى الطرق، أمد يدى للحكومة فى علاوة أو قرض أو منحة صغيرة، أتلاطم مع الناس والأفكار فى الشوارع ومحطات الأتوبيس والمقاهى ومداخل العمارات، وابذل كل جهدى باحثا عن الفلوس، أطلبها نقودا سائبة أو مربوطة أو شيكات بنكية، برغم جهدى العبقرى لا أصيب من الفلوس غير نقطه هنا أو سرسوبا هناك.

كثرة حالات الفشل تعطى حججا لمن أراد أن يكون عصاميا، هكذا رضيت أن أكون عصاميا متحضرا أرى الفلوس ولا أشتهيها، أبحث كل حين عن أقرب صالة انتظار مفتوحة فى بنك متحضر، أدخل الصالة واحشر جسدى فى طوابير انتظار الفلوس، ينحشر فمى بالكلام فأمارس النميمة والنكات مع أبناء الطوابير أمثالى، أشرع معهم فى صياغة عشرات من الزيجات الطارئة والحلول لضعف اقتصادنا وتخلف أحوالنا، وفى كل مرة يستلم فيها أحدهم فلوسا أو يودع فلوسا أو يأتى بسيرة الفلوس اكتشف للمرة الألف أنى مفلس ومنحوس ويدى مخرومة أيضا.

فى اللحظة المناسبة، قبل الثورة على أهل الفلوس، أمنح نفسى صفة إنسان عصامى، فأتنازل عن دورى فى طوابير الفلوس، والقى بجسدى مسترخيا على كراسى الانتظار الجلدية، مستمتعا بالوحدة والإفلاس والهواء المكيف وأشباح العملاء، أفكر فى اللحم المشوى والخبز البلدى والشاى الساخن، ألوك اللبان وأحك أرنبة انفى، متجاهلا عيون كاميرات تتلصص فى الأركان، ومشاكسا عيون رجال شرطة وعملاء ينتظرون منى الرحيل.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 14 ديسمبر 2010م

Post a Comment