Tuesday, December 07, 2010

الحكومة السرية


فى الوطن الضعيف، تستطيل المسافات فارقة بين نصوص القوانين وبين تعليمات تنفيذها، ويتم التفرقة بين حرفية النص وبين روح التشريع الموضوع للتعامل مع البشر، وتتحكم العلاقات الشخصية فى تلبية مطالب المواطنين، وتفصل السلطة بين إمكانيات البشر المتاحة وبين رغباتهم المشروعة، فى مثل هذا الوطن تصبح حياة الناس وضيعة بعيدة عن التحضر، ينشر الفساد فيها مخالبه دافعا الجميع للرقص جنونا على حافة الانتحار.

فى الوطن الضعيف ينتشر الفساد الإدارى والأخلاقى فيسعى المواطن طالب الخدمة المشروعة بين إدارات الحكومة العلنية، يصعر خده لموظفين ترتسم على وجوههم ملامح حياة كالحة، عيونهم متلصصة على طالب الخدمة، يمارسون الرشوة طوال الوقت، يغتصبون مال الضعيف ويتملقون سلطة القوى، لا يقدرون على اتخاذ قرارات إنسانية تنقذهم من الذل والمهانة، فى مثل هذا الوطن الضعيف، تسعى الحكومة لتكريس وجودها المتسلط، فتحول خططها المعلنة لخدمة المواطن إلى تلال من التعليمات والتصريحات المبهمة، وتتعاظم دعاية الحكومة قاصدة أن ترسم لنفسها كل القداسة فى وجدان الضعفاء، هكذا وبفعل الجهل والتآمر يندثر القانون المعلن، وتنشا حكومات سرية يديرها موظفون لحسابهم الخاص، يملكون قدرة إنجاز كثير من الخدمات للمواطنين، فيسعى إليهم طالب الخدمة مقدما فروض الرشوة والولاء، هكذا يتحول المواطن من عبد مهين فى ظلمة الحكومة العلنية إلى سيد مهيب فى نور الحكومات السرية.

يرجع وجود الحكومات السرية لأسباب كثيرة، من بينها أسباب نفسية أساسها اضطهاد الحكومة للمواطنين وضغطها عليهم بطرق تدفعهم لأن يحتموا خلف ميراثهم من الجبن والصمت، فيهربون إلى واقع جديد يتصالحون فيه مع الفساد، وأسباب إعلامية ترجع فى الأساس إلى تكريس فكرة البطل الخرافى الذى يحقق طموحاته بالخروج على كل منطقى وإنسانى، ويضغط بمعجزاته على وجدان الناس، هكذا يستسلم الجميع لمظاهر القوة غير المبررة لكل غاشم، سواء أكان هذا الغاشم موجودا بين أيدهم أو مختفيا بظهر الغيب، ومنها أسباب إدارية وتكنولوجية أساسها ضعف صناعة المعلومات اللازمة لتشريع القوانين ثم تنفيذها ومتابعة صلاحيتها لتقدم المجتمع.

إن حرية الفكر وديمقراطية الحكم، هما الأدوات اللازمة فى المجتمعات القوية للقضاء على وجود الحكومات السرية، فحرية الفكر، بما تعنيه من رفع القداسة عن كل فاسد، تكفل لكل فرد أن يطرح الإجابات المختلفة التى تفسر أسباب قهر المواطن وقهر الوطن، وديمقراطية الحكم، بما تعنيه من التعامل الموضوعى مع كل فاسد، تكفل للجميع أن يبتعدوا عن الانتحار الجماعى، وأن يشاركوا فى رفع كل قهر عن المواطن والوطن.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 7 ديسمبر 2010م

Post a Comment