Sunday, February 06, 2011

الانتفاضة والمثقفون

طمعا فى شحذ الهمم نحو التغيير الحضارى، يرى البعض أن المثقفين قوم يكتبون ويتكلمون عن التغيير دون قدرة على أحداث هذا التغيير، وأن عدم قدرتهم على التغيير هى المسئولة عن انتشار الفساد المجتمعى، هكذا يخلط بعض القراء بين إمكانية المثقف وبين طبيعة الدور المطلوب منه.


إمكانات المثقف تتوقف على ما يملكه من قدرات تصنع منه مثقفا، من هذه القدرات الانتماء، والمعلومات، والوعى، والرغبة فى الحياة الكريمة، ونتيجة لإرادة فردية لدى فرد بذاته تظهر هذه الإمكانات وتزكيها ظروف اجتماعية فتصنع منه مثقفا، ويتبقى أن الدور الفاعل للمثقف فى المجتمع قرين بطبيعة وجوده فى هذا المجتمع.

هناك مجتمعات حضارية تحكمها نظم ديمقراطية تعتمد العلم والكفاءة سبيلا للتطور، وترى أن المثقفين مواطنون يحملون فكرا وأراء يضعها المجتمع محل البحث والاختبار وتنفيذ ما يصلح منها، وهناك مجتمعات إقطاعية قبلية تعتمد على العصبية سبيلا للبقاء، وتحكمها نظم ديكتاتورية، ترى المثقفين مجرد أبواق يقتصر دورها على الإشادة بالنظام دون أن يكون لها حق التفكير أو النقد، ونحن فى بلادنا العربية نعيش مجتمعات إقطاعية قبلية لا ترى للكتاب والمثقفين غير مكانين فقط، إما المعية مع السلطان أو العزل والاعتزال عن المجتمع.



فى المجتمعات المتحضرة يقتصر دور المثقفين على إجادة صناعة التفكير وعرض الأفكار الإبداعية فى مقالات أو أبحاث، إنهم ليسوا أطباء ليصلحوا أمور الصحة، وليسوا مطربين ليصلحوا أمور الغناء، إنهم جنود فى مجال الثقافة والفكر يبذلون جهدهم قدر الاستطاعة، وفى المجتمعات المتخلفة تهتم قيادات المجتمع بتحجيم وكسر الشوكة الفكرية للمثقفين، وتسمح بالقيادة لأصحاب القوة المادية والسلطان الغاشم.

 يقول علماء الإحصاء، أن سلوك الظواهر الطبيعية كثيرة الحدوث يميل إلى شكل جرس متوازن حول مركزه، على طرف الجرس حوالى عشرة فى المائة من العباقرة يجرون الجرس فى اتجاه ايجابى، وعلى الطرف المقابل من الجرس يسكن حوالى عشرة فى المائة من المجانين يجرون الجرس فى اتجاه سلبى، هكذا فى المجتمع البشرى يوجد حوالى عشرة فى المائة من الأفراد تسعى للبناء يقابلها عشرة فى المائة تسعى للفساد، والمثقفون مع اختلاف وتعارض توجهاتهم يقعون اجتماعيا عند هذه الأطراف، ويبقى قطاع الثمانين بالمائة من المجتمع يمثلون الغالبية الصامتة تشغلهم أمور حياتهم، يشاركون بالصمت فى تناول الهم العام ويقود خطاهم أصحاب القوة من تنظيمات وأحزاب علنية أو سرية.

 هكذا تتوقف طبيعة التغيير الاجتماعى، من حيث الصعود للتحضر أو الهروب نحو التخلف، على ذلك القدر المتاح من الديمقراطية لكل فصائل المجتمع وطبقاته، ذلك بأن الديمقراطية هى أفضل الأنظمة لصنع التقدم.


المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الأحد 6 فبراير 2011م

Post a Comment