Friday, May 02, 2008

علاوات .. للرشوة والدعاء

فى شهر يوليو من كل عام يفيض خرج الحكومة المصرية بعلاوات نقدية تمنح لأكثر من خمسة ملايين موظف مصرى وترفع مرتباتهم بجنيهات قليلة، بعض الأصدقاء أكد لى - وهو كاذب - أن العلاوة كبيرة هذا العام.

أنا واحد من موظفى حكومة مصر، أتقاضى مرتبا هزيلا لا يكفى مواجهة أعباء حياتى اليومية، مرتبى يدربنى على الدخول فى زمرة العصاميين، أستعين بالصبر والشكوى والنميمة على تحمل قلة قيمة نقودى فى سوق الحياة، وأتجرع هوان أمرى على السلطات، أدفع نقودا وضرائب وهبات ورشاوى للمحليات والدولة والشركات والتجار، ادفع ثمن الطعام واللباس لأبنى الأكبر الذى تخرج متفوقا من جامعة الحكومة ولا يجد عملا لدى الحكومة، وأدفع للولد الثانى ثمن الهاتف المحمول وبعض علب السجائر التى تدسهم فى وجدانه إعلانات فاسدة يتواطأ عليها إعلام الحكومة، وادفع للولد الثالث ثمن الدروس الخصوصية فى مدارس الحكومة وقيمة الأدوية فى العلاج المجانى فى مستشفيات الحكومة، المصيبة أننى أدفع تلك النقود مجبرا بموجب عقود إذعان تفرضها على سلطات الأهل والجيران والحكومة، أدفع نقودا أكثر مقابل خدمات أقل، ومع ذلك الإذعان والتعسف لا أحصل على صفات العميل الجيد أو الأب الحنون أو المواطن الصالح.
ولأننى مازلت موظفا حكوميا مصريا اعمل تحت وطأة ستين ألف قانون تفسرها لوائح مطاطة متضاربة تسمح باختراق كل القوانين، لذلك أدور حول حقى المهضوم أخذه من المحليات والدولة والشركات والتجار والأولاد، هكذا تقرر الإحصاءات أننى موظف أعمل فى المتوسط ثلاثين دقيقة كل يوم، وانفق ما تبقى من يومى فى طوابير العيش ووسائل المواصلات والعراك مع الجيران، ولا أعرف طريقا ميسورا للعمل المنتج، ذلك بأن رئيسى فى العمل يتم تعينه بناء على علاقته بأهل السلطة، لا يملك أدوات موضوعية لتقييم أدائى ويصدر أحكامه الوظيفية بناء على معايير شخصية ترسمها مصالحة الخاصة، لذلك أسعى كل يوم للحصول على أموال وهبات ورشاوى, وحين يتحرك ضميرى ببعض الألم، أجد فى وعاء الثقافة المجتمعية السائدة ما تزكية الحكومة من أمثال وحكم تبرر أفعالى، ثقافة ترى أن أمور الحساب لن تقف عندى، فطالما أن أحدا لا يهتم باستيفاء حقوقى فلا أحد يهتم بمتابعة واجباتى، صحيح أن الغلابة يهدرون بمعاناتهم بعضا من الموارد، لكن الكبار فى بلادنا بمكرهم يأكلون كثيرا من الموارد، يهبرون أموالا بالملايين ويغسلون أموالهم فى دمائنا، عيونهم فاجرة تندب فيها ألف رصاصة دون أن يهتز لهم طرف، هكذا الغلابة فى بلادنا يبقون غلابة، ولا يملكون غير الدمع عند كل حاقة ومظلمة.
برغم أننى موظف حكومة مصرى أعانى ضعف الإدارة وإجحاف الحكومة وعجز القوانين عن تحقيق قدر معقول من العدالة، إلا أننى فى لحظة صفاء يمكننى أن استعيد قدراتى على التفكير الموضوعى، وأطرح سؤالا عاما، ماذا يحدث لو قررت الحكومة مضاعفة مرتبات العاملين بالدولة خمس مرات؟، هل سترتفع الكفاءة الإنسانية والاقتصادية لظروف العمل فى بلادنا؟ الإجابة بالنفى وسيظل حالنا كما هو عليه، نعانى من تخلف وظيفى وتسيب إدارى، ذلك لأن زيادة المرتبات وحدها دون تغيير ببقية عناصر نظامنا الوظيفى تجعلنا ندور فى حلقة مفرغة من التخلف، دائرة زيادة المرتبات وزيادة الفقر، وبمعنى أخر حين ترفع الحكومة المرتبات دون أن تسعى لإصلاح النظام الإدارى والاقتصادى فإنها تسعى دعائيا لأن تعيد رسم الصورة بمقياس رسم جديد يبدو مبهرا للبسطاء والسذج، دون أن تغير الزوايا أو العلاقات فى مكونات الصورة، هكذا يظل فقرنا الاقتصادى والأخلاقى والاجتماعى، جاثما على الصدور.
القيمة الحقيقية لزيادة للمرتبات تقاس بالقيمة العلمية لتغيير العلاقات الوظيفية، باعتبارها علاقات ديمقراطية أو استبدادية، وباعتبارها علاقات عادلة أو غير عادلة، وباعتبارها علاقات موضوعية عامة تحدد طرقا علمية لتقييم الكفاءة وإصلاح الأخطاء أو علاقات ذاتية تحمل الطموحات الشخصية لبضعة أفراد فى التملك والسيطرة، فحين يزيد مرتب موظف بألف جنيه ويزيد مرتب رئيسه بعشرة آلاف جنيه دون أن يصاحب ذلك تقدم فى بيئة العمل الحكومى، فمعنى ذلك أن الحكومة لا تتعامل بموضوعية مع مشاكل الموظفين، ترفع قدر أهل الثقة فوق قدر أهل الكفاءة، أنها حكومة تدرب شعبها على الشحاذة، تدفع لغالبية موظفيها علاوات فقر وشهادات ذل، وتدفع لبعض موظفيها رواتب تفيض عليهم وعلى أتباعهم من خدم وحشم وحراسات خاصة، إنها سياسات وظيفية تزيد التضخم وترفع الأسعار وتفتح لأهل الهوى مزيدا من أبواب الفساد.

Post a Comment