Wednesday, May 14, 2008

أنا عاوز أتجوز

دروب حياتى الرائعة أوصلتنى إلى علاقة أقمتها مع نصف صديق، أحيانا أمارس معه علاقة نصف صديق وأحيانا أمارس معه علاقة نصف عدو، انه موظف حكومى يقاربنى سنا ومن أهل حَيٍنا، لقيته على عربة الفول المدمس الرابضة على أول شارع بيتنا العامر، على مدى شهور من اضطهاد زوجاتنا وطردنا خارج البيوت دون إفطار تناولت مع هذا الموظف عشرات من أطباق الفول مع البصل والباذنجان المخلل والخبز البلدى وقصص الثورة وفلسطين والمرتبات وفساد الأنظمة، هكذا اجتمعت فى هذا الموظف كآبة جميلة تجسدت فى ملامح نصف صديق ونصف عدو.

صباح أمس وعلى ناصية الشارع التالى لبيتنا العامر لقيت هذا النصف صديق هامًا بالسير متجها إلى عربة الفول كى يحصل على مكانة المفضل على طرفها الأيمن الغربى فى مواجهة شمس الصباح وبجوار وعاء البصل الناشف والفلفل الأخضر، مشية نصف الصديق لا تخفى بعض آلام الساقين ومشيتى لا تخفى بعض آلام الظهر والكتفين، وحين لحقت به أخبرته بأننى بدأت منذ يومين فقط العام الواحد والستين من عمرى المديد، عندها جاملنى بمجاملة باردة:
- كل سنه وإنت طيب يا باشا.
كان واضحا أن الصورة تتطلب أن أبدو سعيدا بمناسبة عيد ميلادى العظيم، لذلك أكدت لنصف الصديق إننى أرجو لكل إنسان كل الصحة وطول العمر وأن تمر أيامنا على خير، ثم أردفت مجاملا:
- وإنت بألف خير وسعادة.
انتبه نصف الصديق فجأة على أننى مشروع صديق له، وأننى أخبرته بحدث ميلادى العظيم، وأن شهر ميلادى ضم كثيرا من حوادث ميلاد مفزعة لزعماء وأفاقين وعلماء وصالحين وبعض الراقصات، فأبطأ الخطى واستدار نحوى ليظهر بعضا من الكرم والبشاشة تجاهى، طوح بكفه اليسرى يهز بعضا من وسطه ويخرق بإصبعه الوسطى هواء الكون المحيط بنا وقال :
- أرجو لك أن تصل للثمانين يا باشا . . هه هه
نظر لى الموظف الحكومى نصف الصديق بعين متوجسة كمن يتحسس صلاحيتى للحياة أصلا، وبانت حركاته أمامى حركات نصف عدو، فشهقت نصف هواء العالم ازفره فى وجهه، وحين شعر بأنفاسى تتحرك قال متهكما:
- يقولون الدهن فى العتاقى!!
أومأت برأسى مؤكدا له صدق المقولة ثم بسطت كفى اليمنى وعلقت على طبقة صوتى نبرة تحدى فاجعة وقلت:
- طبعا يا باشا . . الحمد لله الصحة تمام.
اقترب نصف الصديق منى وحط عينه فى عينى ووضع يده اليسرى على خصره ثم مال بأذنه نحوى، كنصف عدو قاصدا الاستماع إلى سر خطير، وتسائل بصوت واطئ:
- قصدى الصحة . . . تمام التمام !!
لم يترك لى فرصة للرد على تسائله بل أسرع يهز بعضا من وسطه ويطرح كفيه ورسغيه خلفا ويهز صدره كراقصه شعبية فى مولد عشوائى، ثم لوح بقبضه يده اليمنى وغمز بعينه اليسرى قائلا بصوت عال:
- تمام التمام؟ . . يا باشا !!
التقطت أنفاسى من متابعة حركاته وأجبته مؤكدا :
- تمام التمام ، وعاوز أتجوز.
صوب عينيه داخل عينى ووضع سبابته مشيرا إلى وجهى ثم مط وجهه وتسائل مستنكرا:
- إنت عاوز تتجوز؟
قلت له واثقا وكل وجهى ابتسامات تنم على التحدى:
- آه . . عاوز أتجوز . . بالعربى طالب زواج
انتظر برهة هز فيها جزءا من أسفل وسطه ثم أدار إصبعه تجاه شحمة أذنه متراجعا برأسه للخلف وابتسم ابتسامه خبيثة ويتلاعب باصبعه الوسطى ثم قال:
- قل لى بصراحة !! . . إنت عاوز تتجوز؟ . . وإلا انت عاوز تتجوز؟.
فى هذا الصباح الرائع نظرت للوحة كاملة رسمتها الحياة أمام عينى، نصف الصديق تتقاطع أجزاءه فى حركات مع الطريق والسيارات والبشر ويتناثر فى اللوحة ضوء الشمس والإضرابات وأخبار الجميلات وارتفاع الأسعار وصحراء الملوك وأزمة الغذاء العالمى وخطوات وئيدة لحمار صغير يسير بجوار حمار كبير ويجران معا عربة لجمع مخلفات البيوت، وتلتقى علاقات اللوحة عند أول الشارع حيث عربة الفول المدمس، فجأة تحوطتنى نظرات نصف الصديق وانثناءات خصره وتهكماته فقررت أن أرفع عقيرتى بمجون الواثق قائلا:
              - آه .. عاوز أتجوز.
نظر نصف الصديق إلى عينى وانفتح فمه عن ابتسامات تتشفى بمعرفة الأسرار قائلا:
- يا لــئيم.
توقفنا عن الكلام والابتسام ولم يجهد أحدنا الأخر فى تفسير ما هو المقصود باللؤم بيننا، وانطلقنا متجاورين لنصل إلى عربة فول المدمس، وصلنا متأخرين فلم يصب نصف الصديق موقعة المفضل على العربة، وحالت آلام الروماتيزم فى أصابعى بينى وبين كسر فحل البصل براحة بيدى، وتناول نصف الصديق طبق الفول المدمس خاليا من الشطة لإصابته بقرحة المعدة، هكذا تناولنا إفطارنا الشهى وسط جبل متوهج من النكات الفاضحة للأخلاق عن الرؤساء والخبزوالحكومات والفول والحمير وأهل الشمال وأهل الجنوب والنساء اللائى يمارسن الدلال على كل هؤلاء، وفى النهاية حبسنا طعامنا فى قلب المعدة بكوبين من الشاى المغلى.
حين تأكدت من اختفاء نصف الصديق عن ناظرى، أصابنى إحساس فاضل بحرية الكلام والحلم فانطلقت فى الشوارع مبتسما وضاحكا وضاجا وهازا كتفى وصدرى وكثيرا من أجزاء جسدى أبحث عن مشاريع الأصدقاء وبعض الأعداء لأطرح عليهم سؤالى العبقرى ذو الشطرين:
- إنت عاوز تتجوز؟ . . وإلا إنت عاوز تتجوز؟
ودون أن اترك لأحد فرصة للإجابة على الشطرالأول أو حتى التفكير فى الشطر الثانى أباغت المسئول بمحاولة الالتفاف حوله لأضع أصبعى الوسطى فى جنبه وأدغدغه قائلا:
- يا لئــيم.

Post a Comment