Saturday, September 06, 2008

حمام بالفريك

أحسن الطعام حمام محشو (بالفريك)، وأبسط التفاخر هو أنا من هناك وأنت لست من هناك، وأجمل الحواس أنوف تشم بالطريقة المناسبة.
فى ستينات القرن الماضى، كنا طلابا مغتربين للدراسة الجامعية، أنا طالب مغترب من المنصورة أسكن فى شقة متواضعة على حواف مدينة القاهرة مع طالب مغترب من سوهاج، كان لدينا خزانة لحفظ الطعام، خزانتنا (سبت) من البوص معلق فى سقف الشقة نحركه بحبل من ليف النخيل، فى قاع الخزانة نضع بعض الملح وما ندخره من نقود وفوقهم نضع العيش والجبن والطماطم والبيض المسلوق ونغطى الجميع بقطعة من القماش، هكذا يحمى السبت طعامنا من الصراصير والفئران، ويحمى الملح نقودنا من الحسد، ولأن أحدا منا لم يزر الآخر فى موطنه الأصلى أصبح التفاخر بالأنساب هو سلاحنا المعتاد نشهره فى وجه بعضا البعض كلما دخلنا معركة تنافس شرس.
فى يوم حار من مايو، عضنا فقر الخزانة وحرارة الجو وتوتر أيام الامتحانات ونقص النقود فخرجنا على طوع الزمالة ومارسنا التمييز، قلت له أنا من المنصورة، بلاد الخير والجمال ولدينا كثير من الطعام والنقود، فقال لى أنا من سوهاج، بلاد الخير والكرم ولدينا كثير من الطعام والنقود، وبدأنا معركة تنابز بالألقاب.
ولأن الصلح والتطبيع لا يأتيان صدفة، تصالحنا حين طرق بابنا ضيف رائع، انه خال زميلى قادم من سوهاج ويحمل لنا زيارة طعام تكفى إطفاء كل معاركنا، سبعة أزواج من الحمام المحشى بالفريك تغطيهم ثلاث فطائر بالسمن البلدى وجبن قديمة (بالمش) وبيض مسلوق.
حين تفحصنا محتويات الزيارة، اكتشفنا أنه طوال يوم كامل قضاها الخال فى السفر بالقطار من سوهاج إلى القاهرة، تحالفت حرارة الجو ودود المش وازدحام المواصلات لتحول الزيارة إلى فريك مهروس بجثث حمام وبيض مكسور وتتماوج حولها روائح فساد.
كان الجوع وغشم التفاخر وقلة النقود ونصائح الخال أسبابا كافية لأن تعمل حواسنا بالطريقة المناسبة وتصنع لحياتنا مذاقها الخاص، فخلال يومين كاملين ومع بعض المعالجات الحرارية أكلنا الزيارة كاملة، إلتهمنا ما كان حماما محشوا بالفريك وأصبح خليطا من فريك لاذع معجون بلحم فاسد، وظلت حواسنا تعمل بالطريقة نفسها، تصنع الرفض والقبول والصمت.
==============================
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى ، الأحد 7 سبتمبر2008م

Post a Comment