Monday, September 08, 2008

ثأر قديم

ظلت الشمس سنوات تحاول أن تغمر بالضوء حجرات دار أبو العز، طردا للحشرات الصغيرة وبيوت العنكبوت، إلا أن دار أبو العز كانت حجرتين وصالة ضيقة من الطوب اللبن، تغطيها طبقات قديمة من القش والحطب، تبص على السماء من فتحات طينية صغيرة وتنام محشورة فى حارة "النقرة" بين عدد من الدور المماثلة.
لأن أسماءنا ثأر قديم، أهملت القرية شأن أبو العز كما أهملوا شأن عائلته، فأهل الحل والعقد والسلطة وكبار اللصوص ينتمون إلى عائلات أخرى، وظل أبو العز يبحث عن أسباب العز، يحوم حول جلسات الكبار ويجمع أسرار القرية.
أبو العز كان عبقريا مراوغا يكره شمس الظهيرة، فى أواخر الليل هو لص رشيق يتسلق حوائط الدور والزرائب ليجمع الشارد من آهات ودجاج وبط وأوعية نحاسية، فى أوائل النهار هو تاجر ماكر يجرى اتفاقات سرية للتخلص من سرقاته نقدا أو بالمقايضة، وفى أواخر النهار هو فقير غلبان تستأجره نساء القرية، مقابل بيضة أو رغيفين من القمح، لينادى على ما ضاع منهن من دجاج وبط وأوعية نحاسية، وفى أول الليل يعود عاملا مجهدا إلى داره.
تآمرت الحكومات على أهل القرية، فضاقت معيشتهم وأفكارهم وتآكلت أنسابهم، وسافرت أفواجهم إلى بلاد الغربة، واختار أبو العز الأوقات والطرق الملائمة للسفر والعمل فى بلاد الغربة، وعاد بعد سنوات محملا بالهدوم والنقود والمراوح وزجاجة من مياه مقدسة.
على أنقاض الدار القديمة ودار غريم ملاصقة أقام أبو العز داره الجديدة، طابقين من الأسمنت المسلح، مدهونة حجراتها بالبويات الملونة، ويعلو بابها جرس يرن بأصوات البلابل، وفى مدخلها كنبات خشبية وكرسى فخيم من الخيزران.
حين أعلن رئيس الدولة عدم خجله من وجود مهندس أنهى سنوات تعليمه الجامعى وأجبرته سياسات الحكومة على العمل مبيض محارة، صار المثل الشعبى قانونا رسميا، المواطن يساوى قدر ما يملكه من نقود.
هكذا أطلت الشمس مرات عديدة على مجلس أبو العز، يركب الكرسى الفخيم وسط مريديه، يؤكد أن الدجاج فى بلاد الغربة يبيض ذهبا، يحكم بين المتخاصمين، يأمر بإصلاح أحوال النساء، يقرض الراغبين فى السفر أو الزواج، وينصح المتآمرين على صنع ثورة جديدة.
=======================

Post a Comment