Sunday, September 14, 2008

حوادث تصادم

حين أصبحت الشمس شمس عصارى، درت حول سيارتى بوقار تشوبه روح غندرة شبابية، أراجع صلاحية السيارة وتمام شكلها وأتحسس انطباع الآخرين بالانبهار.

ألقيت جسدى على مقعد السيارة متحسسا أجهزة الانطلاق ثم أرسلت نظرات متتابعة أتفحص وجوه المحيطين من البشر، ألقى عليهم علامات ابتسام وعبوس وغزل وتعال، وحين أحصيت فى الوجوه عدداً مناسبا من التحيّات والسلامات وعلامات الوداع، أدرت جهاز التكييف وشرعت فى التحكم بأجهزة القيادة، وانبريت أقود السيارة متباطئا ومتسابقا ومناورا، أقطع طريق الإسفلت بين الأشجار نحو مدينتى البعيدة.

باغتتنى بين جموع المودعين ابتسامة رقيقة لفتاة بدا جمالها طاغيا، فرأيت أن أهدى الجميلة قيادة رائعة، تداعب فيها ريح العصارى سيارتى، وتصدح معها أنغام لأم كلثوم فى صالون قيادتى، ويهفو وجدانى للقاء كل الجميلات، وظللت أتهادى.
مرقت بجوارى سيارة تركبها امرأة شابة يشاكس شعرها الطويل هواء الطريق، فرأيت أصابعى فى الزمن القديم تربت على كتف زوجتى وتسرق لمسات لشعرها الطويل، ثم تعاود الإمساك بحبات الترمس والفول وزجاجات المشروبات الغازية، نأكل ونشرب ونضحك ونصنع أحاديث العصارى على شاطئ النيل، وظلت الموسيقى تنساب فى السيارة.

فجأة لمحت خلفى سيارة جيب فخمة تأكل الإسفلت مسرعة نحوى، كان الفارق كبيرا بين سرعة سيارتى الحالمة وسرعة الجيب المتفاخرة، خرجت من أخيلتى لأبتعد عن طريق الجيب وهى تتابع مناوراتها فى تخطى سيارة أخرى تسير فى رعونة، فجأة انحرفت سيارة الجيب إلى أقصى يمين الطريق واندفعت إلى حقل قطن مجاور، انقلبت الجيب مرتين ثم استقرت على ظهرها، وبدأت عجلاتها تدور فى الهواء، وفرت السيارة الأخرى.

اتخذت جانب الطريق مبطئا سرعتى لأستكمل رؤية المنظر، أخذت السيارات تواصل سيرها وتوقف بعضها للفرجة، وحين فكرت فى التوقف، تذكرت كراهيتى لضابط شرطة أجبرنى على تغيير طفاية حريق السيارة رغم صلاحيتها، ورأيت أن من يملكون سيارات فارهة هم لصوص يستطيعون العلاج فى الخارج، وأننا بحاجة إلى تطبيق قوانين غير موجودة ونطبق قوانين لسنا بحاجة إليها، وبأننى فى حال وقوفى سأحاكم على اعتبار أننى الصانع الوحيد لحوادث كل الطرق، والقاتل الوحيد لكل المصابين.
أسرعت مبتعدا عن موقع التصادم، وظلت إجابة السؤال معلقة، كيف لشهم ومواطن مثلى أن يترك سيارة تتلوى فى انتظار المساعدة؟
=============================
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى ، الأحد 14 سبتمبر 2008م

Post a Comment