Sunday, September 07, 2008

تجربة الكتابة لجريدة البديل

فى شهر مايو الماضى، وصلنى خطاب على البريد الالكترونى من مسئول صفحة الرأى فى جريدة البديل القاهرية، يطلب منى مقالا للنشر فى الجريدة مقابل أجر، ولأن الكتابة تمثل فرحا خاصا لى تلقيت شكل الخطاب بالقبول، وحين اتصلت بالمسئول هاتفيا أخبرنى انه يعرفنى من خلال مدونتى الالكترونية (رقبة الحمامة)، وطلب منى مقالا يتواصل مع الأحداث الجارية ويعارض رأى بعض الكتاب فى الجريدة، وحين شرح وجه نظرة فى أن الكتابة على المدونات هى كتابة ذاتية لا تصلح للصحافة اكتشفت أنى أتعامل مع تاجر متواضع يخطو حديثا فى عالم الصحافة، لا يفرق بين الكتابة الجميلة وبين كتابة توصيل الطلبات للأدمغة، هكذا انتابنى مشاعر قرف من فكرة التعامل بهذه الطريقة مع الجريدة، وأهملت الاستجابة إلى طلبه.

مر شهر على حادثة مسئول صفحة الرأى، وفى شهر يونيه اتصل بى رئيس تحرير الجريدة فى خطاب على البريد الالكترونى طلب منى أن اكتب عمودا صحفيا أسبوعيا مقابل اجر، ظهر لى أن الأمر جاد فأجلت موافقتى ثلاثة أسابيع درست فيها مع بعض الأصدقاء طرق التعامل مع جريدة يرى أصحابها أنهم يساريون مصريون.

حين اختمرت رغبتى فى الكتابة إلى الجريدة تحدثت مع رئيس التحرير، وفى اتصال تليفونى ثم فى لقاء شخصى أشاد بأسلوبى فى الكتابة وقال انه نوع نادر جميل ويحبه، وطلب منى أن اكتب عمودا أسبوعيا فى الجريدة يمثل كامل حريتى فى اختيار الموضوع والأسلوب المناسب، وهذا بالطبع داخل الدائرة العامة لأخلاقيات الكتابة دون تجاوز للخطوط الحمراء للصحافة المصرية، كانت دماثة خلق الرجل ووده معى سببا فى أن اشعر بالسعادة وأقبل مخلصا فى الكتابة لجريدته، ووعدته أن أبذل جهدى كى اصنع ست أو سبع أعمدة جيدة على الأقل من بين كل عشرة أعمده اكتبها.

على مدى شهرى يوليو وأغسطس نشرت ثمانية أعمدة أسبوعية متواصلة فى صفحة الرأى، كانت كتاباتى أدبية اجتماعية فبدت نوعا غريبا فى صفحة تضم كتابات متجهمة قليلها كتابات رفيعة المستوى من حيث الصياغة ووضوح الفكرة، وكثيرها نشرات حزبية وكتابات مكرورة سطحية ساذجة.

فى عمودى الثامن كتبت رأيا عن قضية التحول الدينى فى مصر من المسيحية إلى الإسلام، بذلت جهدا فى صياغة رأيى ليحمل الصياغة العلمية والعرض السليم، وحين حادثت رئيس التحرير عن العمود فى شكل صورة أرسلتها إليه قبل النشر قال: انه يفضل لى الابتعاد عن المواضيع التاريخية وأن أبقى فى منطقة أخرى من الكتابة أجيدها، كان الرجل متحيزا لرأيه وانهى حديثه قائلا: على كل حال المقال هو رأيك، وفى موعد النشر رأيت العمود منشورا فى الجريدة كاملا.

ذهبت للجريدة فى زيارة عمل، وفى لقاء مع مسئول صفحة الرأى قال: أنا لم افهم مقالا سابقا لك وبرغم ذلك نشرناه (المقال يتكلم بأسلوب أدبى عن حالتى لحظة استلامى أول مبلغ من الجريدة، مقال يتعرض لبعض مكونات الجو النفسى المحيط بالصحفيين فى مصر)، وأردف متوجسا فى قلق وقال: أتمنى أن تقترب مقالاتك من القراء، هنا أدركت يقينا أننى أمام قارئ لأعمالى ليس لديه معرفة بالمقال الأدبى وليست لدية رغبة فى أن يرى نوعا راقيا من الكتابة الصحفية، وأكملت الزيارة بلقاء مع رئيس التحرير وحين سألته رأيه فى مقالاتى قال: أنا شخصيا أحب كتاباتك، وأرى أن اقتراب مقالاتك من القارئ أمر مطلوب، ثم أردف ملاطفا: عليك أن تستمر فى الكتابة معنا لدى الجريدة بأسلوبك التحليلى الساخر.

نظرت فى عينى رئيس التحرير ثم ألقيت نظرة ساهمة على صورة معلقة على الجدار أمامنا وبدأت استجمع أطراف الصورة من حولى، وجدتنى أكتب فى جريدة يسارية تدخل منافسه مع صحف أخرى وتشاركهم السائد بينهم من إثارة وتهييج، تلعب معى إدارتها أساليب تجميع وتفريق، من ليس من جماعتنا فهو علينا، وجدت مقالا لى لم يفهمه مسئول صفحة الرأى ومع ذلك تم نشره، ومقالا آخر يحمل رأيا مخالفا لرأى رئيس التحرير ومع ذلك تم نشره، فأصبح الأمر واضحا لى، وجدتنى أمام جريدة تلبس ثوب نشرات التهييج الحزبية، وأمام قيادات جريدة ترى أننى صالح للمساومة على طريقتى فى الكتابة.

إنى اعرف أنواعا من الكتابة المتواضعة وعشرات من مدعى الكتابة يتقيئون شهواتهم المتواضعة حروفا وكلمات تحاصر السذج من القراء، وأعرف انه من السهل جدا الاقتراب من القراء السذج بالتهييج والسطحية والمسخرة، مقال عن الحجاب، ومقال عن التوريث، ومقال عن الأقباط، ومقال عن النوبة، ومقال عن القمح المسرطن، وأخرى عن دخول أتباع الراقصات إلى مجالس الشعب والشورى وصالات التدين، أنا اعرف ولكنى أتناول كل هذه الموضوعات بأسلوب راقى بعيدا عن السذاجة أو السطحية أو الاستخفاف بالقارئ، أننى أبذل جهدا واحتشد للكتابة، أجمع أطراف الفكرة قاصدا أن أقدمها فى صياغة درامية جميلة لقراء يحتشدون بذائقة الجمال للقراءة، أنا اكتب لنوع رشيد من القراء.

هكذا جمعنى حب وود مع شخص رئيس التحرير، وفى الوقت المناسب تصافحت معه على باب مكتبه، هو يتمنى لى التوفيق فى مقالاتى القادمة بالجريدة وأنا قررت التوقف عن الكتابة لنفس الجريدة.

Post a Comment