Saturday, June 07, 2008

مقامك يا مكرم عبيد

المنصفون لتاريخ المناضلين يقولون عن مكرم عبيد انه مسيحى مصرى، كان رمزا لتمازج المصريين بكل دياناتهم، قام بدور شيخ العرب فى الصلح بين جيرانه من مسلمين حين تعاركوا فى قنا جنوب مصر، كان خطيبا مفوها ومحاميا نزيها وسياسيا محنكا وصفه بعضهم بأنه ابن سعد زغلول الزعيم الشعبى لثورتنا نحن المصريين فى عام 1919م.
هذا المكرم المثير للفخر تذكرته يوم الأربعاء الماضى، الرابع من يونيه 2004م، حين حضرت ندوة عن الحريات الدينية فى مصر، ففى الندوة رأيت احد المحامين يحمل لقب مستشار يجلس على المنصة ليعرض على الحضور ووسائل الإعلام بعض القضايا القانونية المتعلقة بتغيير مواطنين لدياناتهم من المسيحية إلى الإسلام أو العكس.
حديث هذا المستشار أصاب كثيرا من الحاضرين بالإحباط، جلس على المنصة يحاضر لمدة تجاوزت ثلث الساعة، قرر بإرادته أن يكون حديثه إلينا باللغة العربية ومع ذلك كثرت أخطائه النحوية فبدا سقيم اللغة، ينصب الفاعل ويضم المفعول ولا يعرف نطق الجار والمجرور، وحين تكلم مرات قليلة باللهجة العامية ظهر للحاضرين أنه أقل إحباطا.
أمر المستشار زادنى إحباطا حين حصلت فى الندوة على كتاب قام بتوزيعه علينا دعاية لشخصه كمحامى، اقتصر الكتاب على ذكر عروض ودفوع قانونية عن حرية الانتقال بين الأديان تضمنت نصوصا دينية وشعرية، وحين تصفحت الكتاب وجدته يضم كثيرا من الأخطاء اللغوية.

إنها مأساة ثقافية وحضارية أن يتولى أحد مهام القضاء أو المحاماة من لا يعرف استخدام قواعد اللغة العربية الفصحى قراءة وكتابة ولا يجيد استخدامها فى المحافل العامة.
اللغة العربية هى لغة القانون المكتوب السارى بيننا، وإهمالها فى صورتها البسيطة خصوصا من المثقفين يؤدى لنتائج سلبية خطيرة على مستوانا الثقافى وتوجهنا العقائدى وتقدمنا الحضارى، فلو أننا كتبنا جملة عربية مثل ( إنما يخشى الله من عبادة العلماء)، واخترنا بين طريقتين لنطق الجملة المذكورة، الأولى أن ننصب لفظ الجلالة الله بالفتح، وهذا يعنى لغويا أن لفظ الجلالة الله مفعول للخشية من العلماء وبالتالى يمكننا التمهيد لقبول نظريات فلسفية ترى بالجبر وأن البشر حريتهم مقيدة وتخضع فى تقييمها لشرائع دينية سماوية، وأمامنا الطريقة الثانية أن ننطق لفظ الجلالة الله مرفوعا وهذا يعنى لغويا أن لفظ الجلالة الله هو فاعل الخشية تجاه العلماء وبالتالى يمكننا التمهيد لقبول نظريات فلسفية تنادى بحرية البشر، أفعالهم حرة من صناعتهم وتخضع فى تقييمها لشرائع وضعية أرضية، هكذا تكون الفروق الفكرية كبيرة بين معنى اللفظين باختلاف النظريات المصاحبة فى مجال الفكر والتطبيق، ولدينا قول شائع فى البدء كان الكلمة، ويكون البدء بنطق الكلمة وجود دال على توجهات صاحبها.
بداهة أن من يعرف قواعد اللغة وتستقيم له ادواتها هو أكثر قدرة على توصل صحيح وجه نظره للآخرين، ومن يختلط عليه الأمر ولا يبالى تختلط وجه نظره على الآخرين، وعليه فإذا اعتبرنا أن اللغة العربية هى لغتنا القومية، باعتبارها وعائنا الرسمى لفكرنا المكتوب وثقافتنا المتداولة، وأوكلنا مهمة قراءة وتفسير وتفعيل القوانين الحاكمة المكتوبة بلغتنا القومية إلى من يجهلون ابسط قواعد كتابة وقراءة هذه اللغة فانه يصبح منطقيا أن نرى عجزا ثقافيا عن فهم وتفسير القوانين السائدة، ويصبح من السهل أن نجد المتهم البريء والقاضى المنحاز والمحامى الأفاق.
لأننا نعانى تخلفا حضاريا كبيرا يحاول البعض منا البحث عن طرق للخلاص، هكذا انتشرت بيننا نزعات تطالب بلغة قومية تستوعب متطلبات العصر، بعض المحافظين يرى أن اللغة العربية هى لغتنا القومية وتحمل فى وجودها قداسة دينية، هذا البعض يعلن أنها لغة رحبة قابله لتحسين تناولها فى المدارس والجامعات ووسائل الإعلام وبالتالى على المستوى الشعبى، وبعض آخر يرى أن اللغة العربية لا تحمل قداسة إلا فى شعائر دينية معينة، هذا البعض يعلن ضرورة التخلى عن العربية الفصحى واستبدالها بلغة جديدة، ربما تكون لغة انتشرت إعلاميا مثل اللهجة العامية لسكان القاهرة أو لغة ماتت على جدران الأهرامات والمعابد كالفرعونية أو لغة انحسرت فى قلايات الرهبان ومذابح الكنائس كالقبطية، قليل آخر يرى أن اللهجة العامية المصرية الأكثر شيوعا إعلاميا وهى لسان أهل القاهرة المعاصرين هى اللغة المرشحة لأن تكون لغة قومية، هكذا فى حالات الضعف الحضارى تتناثر اللغات بين الأديان والجماعات العرقية.
إن الإعتساف بإحياء لغة لا يجعل منها لغة تفى بمتطلبات العصر، فإحياء اللغة الفرعونية دعوة تتضمن احتباسا فى قوقعة حضارية، وأن إحياء اللغة القبطية دعوة تتضمن احتباسا فى قوقعة دينية، وأن تغليب اللهجة العامية لفريق أو جماعة هى دعوة احتباس لغوية تغلب الفرع الضيق فى اللهجة على حساب الأصل الموجود فى الفصحى والأكثر اتساعا.
أمامنا مثال على الإعتساف فى إحياء لغة ضيقة الاستخدام كادت أن تموت، انه مثال إحياء اللغة العبرية فى العصر الحديث فبرغم كل الجهود الدينية والسياسية وإنشاء دولة إسرائيل إلا أن عدد الذين يستخدمون العبرية الآن فى حياتهم اليومية داخل إسرائيل لا يزيد عن خمسة ملايين إنسان بما يقارب ربع عدد يهود العالم، إما باقى اليهود خارج إسرائيل فلا يستخدمون العبرية إلا فى إقامة بعض شعائرهم الدينية، هكذا يصبح من المتوقع أن ينتهى أمر اللغة العبرية إلى لغة شعائر للمتدينين اليهود فقط، وهناك جانب آخر أن النسب الإحصائية للناطقين بالعبرية تتناقص باستمرار بسبب الانفجار السكانى والحضارى والمعرفى للغات الأخرى.
إن أمر إيجاد لغة قومية أخرى للمصريين مازال فى دائرة الممكن، وحتى الآن مازالت القوانين والمذكرات والشروح التفسيرية والأحكام تكتب بالعربية الفصحى، والى أن يتغير ذلك فانا أطالب جهازنا القضائى، حفاظا شكليا على هيبته ومصداقية موضوعية على نزاهته فى فهم القوانين، بأن يضع شروطا أولية لمن يشغلون مناصبه من قضاة ومستشارين ومحامين، أن يحسنوا استخدام صحيح اللغة العربية فى أحاديثهم العامة وكتاباتهم المختصة بأحوالنا القضائية، وان يتمثلوا إجادة استعمالها فى المحافل العامة.
الآن على أن أعلن الهتاف، أين انتم يا أهل القضاء المصرى؟ وعينا القومى فى حاجة إلى أمثال القاضى مصطفى عبد الرازق ووحدتنا الوطنية فى حاجة إلى أمثال المحامى وليم مكرم عبيد ودستورنا فى حاجة إلى أمثال الفقيه عبد الرازق السنهورى، ونحن جميعنا مطالبون بإحياء لغة قومية عصرية تحمل طموحاتنا نحو المستقبل.

Post a Comment