Friday, August 15, 2008

الباشا مليونير

المليون جنيه مبلغ كبير جدا، يكفى كثيرا من الفقراء للتوقف عن العمل المنتج ويرفعوا أيديهم إلى السماء كى تمطر عليهم من فضل كريم، ويكفى بعض الأغنياء للتوقف عن العمل المنتج ويخفضوا أيديهم إلى الأرض بما حملت من فضل موصول.

المليون جنيه عندى أكبر من المئة جنيه بكثير، يأتى بجهد وعقل مع صبر طويل، ويكفى لشراء خمسة كيلو لحمة وثلاثة كيلو موز وعلبتين من المياه الغازية وبعض الملابس الداخلية وكيلو كنافة بالقشدة وطاقية حمراء، هكذا جلست بأفكارى الاقتصادية فى صالون أدبى ننتظر حضور رجل أعمال مليونير مصرى.

فى الوقت المرسوم دخل المليونير، رجل عادى يلبس بذلة عليها رباط عنق وتحتها هدوم كثيرة، يداه لا تحمل كنافة أو لحمة وقال: سلام عليكم أيها الحلوين، فقلنا: أهلا يا باشا.

حكاية الباشا أنه نشأ فى أسرة لموظف حكومى متوسطة الحال، خلال مرحلة الدراسة الثانوية ادخر بضع مئات من الجنيهات مقابل خدمات مدرسية أداها لزملائه التلاميذ ( سبحان الله)، وخلال مرحلة الدراسة الجامعية ادخر بضعة ألاف من الجنيهات مقابل خدمات جامعية أداها لزملائه الطلاب (فضل من الله)، وبعد تخرجه حصل على فرصة عمل فى بلاد النفط ( توجيه من الله)، وفى خلال عشر سنوات ادخر أكثر من عشرة ملايين جنيه مصرى (نعمة من الله)، وعاد الباشا إلى أرض مصر المحروسة حاجا ومليونيرا كبيرا يشارك فى توجيه الرأى العام (بركة دعاء الوالدين).

على مدى ساعتين حاول المليونير ترويج فكرته فى المحاسبة على الثروة، يا أخى: لا تسألن عن السبب إذا أعطى الكريم بما وهب، الملايين تتراكم بخلطة من الصدف ودعاء الوالدين ومصاحبة الأولياء وأهل السلطان وتقديم تبرعات وكشوف بركة.
هكذا ظهرت صورة بعض أثريائنا، إنهم تجار حروب ومنتهزو فرص يتاجرون بالأوضاع القائمة، يمارسون احتكارا هنا وتعمية فكرية هناك، يكرهون الشفافية ولا يتبعون أساليب علمية حضارية لتحقيق المنافع الاقتصادية والاجتماعية لمواردنا القومية.
مع انهيار الطبقة الوسطى تنهار قيمة العلم ويتزاحم بعض المثقفين على الفتات، هكذا حين أنهى المليونير حديثه تزاحم بعضهم يبوسه ويحضنه قاصدا حجز مكان فى كشوف البركة.

Post a Comment