Friday, August 22, 2008

عن التحول الدينى

رصد بعض المؤرخين انه فى القرن الرابع عشر الميلادى، فى العصر المملوكى، حدث تحول دينى جماعى بين المصريين من المسيحية إلى الإسلام، هذا التحول حدث لأسباب اقتصادية وعسكرية.

الأمر ليس كذلك، فالتحول الجماعى بين الأديان يرجع إلى عوامل ثقافية أهمها طبيعة الوعاء اللغوى للدين الجديد ومدى توافق الدين الشعبى مع حاجات المتحولين.

طبيعة مصر الجغرافية، باعتبارها قرية زراعية منعزلة وسط الصحراء تقع على نهر النيل، جعلت نظام الدولة المركزية تطورا حضاريا على المستوى السياسى حتى بداية العصر الحديث، هكذا تخلص المصريون من عصبية القبائل وثقافة البدو وأصبحوا قادرين على هضم وتمثل الثقافات الواردة، وصنعوا كيانا اقتصاديا وعسكريا تسوسه الدولة المركزية.

مع قدوم المسيحية إلى مصر، فى القرن الأول الميلادى، وبعد مئات قليلة من السنين حدث الهضم، ظهرت لغة مصرية جديدة غير اللغة الفرعونية وظهرت كنيسة مصرية هى الكنيسة الأرثوذكسية، وتحور الدين الشعبى ليقبل المصريون قداسة القديسين وخصوصية الفراعنة.

مع قدوم الفتح الإسلامى لمصر، فى القرن السابع الميلادى، وبعد مئات من السنين حدث الهضم، تعامل المصريون مع اللغة العربية باعتبارها الوعاء الثقافى للدين الجديد، وأصبحت العربية لغة شعبية استخدمها المسيحيون فى عباداتهم، وتحور الدين الشعبى ليقبل المصريون معجزات الأولياء وقداسة القديسين وخصوصية الفراعنة، تداوى المسلمون عند أطباء مسيحيين وتخاصم المسيحيون لدى قضاة مسلمين، مثل هذا التحول لم يحدث فى بلاد تتأثر جغرافيتها بنظام الواحات أو الجبال، إيران وتركيا وأسبانيا لم تتحول لغاتها إلى العربية برغم مئات السنين من التواجد العربى الإسلامى.

هكذا يصعب القول بأن التحول الجماعى للمسيحيين المصريين إلى الإسلام حدث نتيجة تهديد المسيحيين فى حياتهم الاقتصادية باعتبارهم من طبقة المتعلمين وجامعى الضرائب للدولة، ذلك بأن الحاكم يستعين على الحكم بالمثقفين، ولا يكفى مثقف أن يغير دينه بضغط اقتصادى، أو أن التحول تم بسبب فرض الجزية على المسيحيين، فالحاكم يجمع أموال الدولة من ضرائب مدنية عامة يدفعها الجميع، وضرائب دينية خاصة، الزكاة من الرعايا المسلمين والجزية من الرعايا غير المسلمين.

نحن نرى – خلافا لحفارى القبور- أن التحول حدث نتيجة الغلبة لثقافة جديدة لا تتناقض مع الدين الشعبى.

======================================

المقال نشر فى جريدة البديل القاهرية ، الجمعة 22 أغسطس 2008م


بعد نشر المقال ومتابعة ما وصلنى من ردود بريدية ، وجدت رأيى هذا يلقى هجوما عنيفا من حفارى القبور الداعين إلى الجيتو بين الأقباط، لأن رأيى هذا يتضمن نقدا لتناول ما رسخ بين الشعب من الدين المسيحى (الدين الشعبى)، ويلقى هجوما عنيفا من حفارى القبور من أهل اليسار لأن رأيى هذا يتضمن نقدا لانتقائهم المقصود لأحداث معينه تضرب فكرة الجدل المحورية فى أدبياتهم.

وهنا أود زيادة الإيضاح حول فكرتى عن التحول الدينى:

الدين موقف وجودى للإنسان يواجه به مشاكله فى الحياة، هذا الموقف يتمثل فى مجموعة من الطقوس والمناهج تحكم التعامل البشرى فى المكان وعبر الزمن ، الدين إذن هو ما يقر فى قلب الفرد ( الجماعة) ويصدقه عمله (عملها)، والدين الجماعى الذى نتعامل معه كمجال للدراسة الإحصائية هو ما تتبعه الجماعة البشرية المعينة من مناهج وسلوكيات دينية يتم رصدها فى آن ومكان الدراسة، ونراه ( الدين الشعبى) المرصود.

التحول الدينى الفردى له أسباب تختلف من فرد إلى فرد وعلماء الإحصاء الذين يهتمون بدراسة الأعداد الكبيرة لا يقيمون علمهم على سلوك مفردة واحدة مهما علا شأنها أو تقدس مقامها، بينما التحول الدينى الجماعى له أسباب حياتية وثقافية ملموسة يمكن رصدها إحصائيا، وعليه يصبح التحول الجماعى من دين إلى دين هو تحول مفاضلات ثقافية وتفضيلات اجتماعية بالأساس من بينها توافق (الدين الشعبى) مع طموحات المتحولين.

رأيى هذا فى التحول الدينى لا ينفى وقوع اضطهاد فردى أو جماعى يكون صاحب اثر فى التحول، لكنه يؤكد على أن العامل الثقافى هو العامل الأكثر تأثيرا وفاعلية، بتحليلنا هذا نترك الفرصة قائمة للرسل وللأولياء وللشهداء وللقديسين وللأغبياء وللمتاجرين بالتحول فى أن تكون لهم عقائدهم وشرائعهم التى يتصدون بالدفاع عنها.

وأخيرا هذا الرأى كتبته فى مساحه عمود صحفى 300 كلمة فقط، بما يعنى أنى بذلت جهدا كبيرا لأصوغ ما يمكن أن يصبح رأيا فارقا عن منهجية التحول الدينى.

Post a Comment