Friday, July 25, 2008

تسابيح ثورية

لا أحد يكره التغيير، قليل من الناس هو القادر على أن يكون ثوريا، الأزواج يمارسون تدريبات يومية فى الطلاق والخلع، قليل منهم هو القادر على فعلة الزواج من جديد، الأولاد والبنات يتشاكسون على النواصى ومفارق الطرق ويرقصون على حواف العقوق والبر مع الأبوين والأهل والجيران، قليل منهم هو القادر على فعلة الاستقلال الذاتى، معظم الفقراء يسبون الأغنياء وكثير من الأغنياء يتآمرون على الفقراء، قليل منهم ينتقل طبقيا بين الفريقين دون ضجيج.

لا أحد من الأسوياء يكره التغيير، الثوريون السذج فقط هم الذين يرفضون تغيير ثوابتهم، إنهم يصنعون الثورة على أعينهم ويجعلون من أحداثها أصناما وأقانيم للتسبيح ووصم الآخرين بالعداء، فعل الثورة لديهم مقطوع آن فى الزمن، موصول فقط بشعارات تجرى على لسان قائدهم الأوحد وزعيمهم الملهم، يفدونه بالروح حين يسلبهم روح المبادرة تكريسا لفرديته، ويفدونه بالدم حين يمتص دمائهم تكريسا لخلوده، هكذا يعود الثوريون السذج إلى رجعيين جدد، وهكذا أصبح حال القيادات المصرية طوال ستة وخمسين عاما بدأ من ثورة يوليو 1952م.

سدنة ثورة يوليو والمرددون لعهودها أفرغوا أفعالها من كل فضل، ولم يتخلص ورثتهم من توجهاتهم أو أدبياتهم، كان مأمولا أن يصبح التعليم للمصريين كالماء والهواء ضرورة وطموحا لكنه الآن أصبح تعليما آسنا وملوثا، كان مأمولا أن يتحرر الاقتصاد المصرى من عناصر الضعف لكنه الآن أصبح اقتصادا تابعا تحكمه قواعد احتكار بغيض وعولمة غاشمة، وكان مأمولا أن يعيش المصريون فى ظل نظام حكم ديمقراطى لكنه الآن أصبح نظام حكم يعتمد حزمة من عيوب كل النظم، انه نظام ديمقراطى من غير أحزاب، ودينى من غير شرائع، وملكى من غير وراثة، وعشائرى من غير ولاء.

سدنة ثورة يوليو ليسوا هم جثث الضباط الأحرار وجثث تابعيهم فقط، إنهم أدمغة تكلست أفكارها عند عصر بذاته وعند ظروف بعينها، من أخطائهم فقدنا نحن المصريين بوصلة الطريق إلى مشروع قومى فى العلم والثقافة والاقتصاد، وتحولنا إلى مجتمع ممتلئ بالثقوب والرتوق، هكذا لا يبقى أمامنا غير جدل التعامل مع موضوعية العلم وإنسانية المعرفة أملا فى بناء مجتمع متحضر.

Friday, July 18, 2008

بلطيم .. القوقعة

برغم أننى صاحب عهد مليء بالصولات والجولات وبقايا البطولة ( لا يا شيخ)، أطلقت شاربى خمس مرات وفكرت دهورا فى مصاهرة أهل الحكومة (نفديك بالروح)، الا انه فى عهدى الميمون لم يحدث شيء جوهرى، لم يتغير نظام الحكم من أصحاب الشلة إلى أصحاب الذوق، ولم أر فنانا كمحمود مختار صاحب تمثال نهضة مصر، ولم أعرف مهندسا كحسن فتحى صاحب تصميم قرى الفقراء، ولم أقابل ماسك خزانة كيوسف بن يعقوب (نفديك بالدم)، ومنذ أيام زرت مصيف بلطيم على ساحل البحر الأبيض فلقيت عهد حكم يعكس على موظفيه ملامح تخلف مبرر ( يا جامد).

وسط مصيف بلطيم تجسدت صورة فساد عبقرى يجمع نفاقا للحكومة وتخلفا فى الحس الجمالى وامتهانا للعلاقات البشرية ( يا سلام) ، على جانب محشور فى ميدان النرجس أقامت إدارة المصيف تمثالا حجريا كبيرا لقوقعة بحرية هى مسخ من قوقعتين من النوع المنتشر فى البحر الأحمر، تمثال القوقعة لا هو قراءة لواقع ولا هو ابتكار تشكيلى، انه بقايا أحجار وسيراميك جمعت من أكوام زبالة، هكذا يكون التخلف فى الحس الجمالى ( يا فنان) وأسفل القوقعة لوحة معلومات تقرر انه فى عهد السيد رئيس الجمهورية وعهد السيد المحافظ وعهود آخرين، هكذا يكون النفاق للحكومة والحاكم ( يا متهور) ، قام بعض من صغار الموظفين والمقاولين بتصميم قوقعة ساذجة ووضع أسمائهم على لوحتها وهبروا نقودا أجازتها لوائح مالية متخلفة ولم يذكروا أسماء بقية المشاركين، هكذا يكون الامتهان فى اختزال العلاقات البشرية ( يا مثير الفتنة)، الأمر كذلك لأن الموظفين مقامات وأن المصايف حظوظ ( يا حكيم) .

مبادئ الذوق الجمالى تقرن الأعمال الفنية بأسماء مبدعيها وتاريخ وجودها دون ذكر أسماء مقاولى الأنفار من القيادات والتابعين ( اختصر)، والإسفاف الفنى والإدارى فى قوقعة بلطيم نواتج عهود من قيادات لا تملك توجها حضاريا وتسمح بانتشار ظواهر متخلفة على ارض مصيف بلطيم القوقعة ( يا فاضحنا)، من بينها ضوضاء مكبرات الصوت على دور العبادة والملاهى وانتشار القمامة فى الشوارع ونزول المنتقبات إلى مياه البحر وسط الجموع بنقابهن.

Friday, July 11, 2008

الطريقة .. بـلٌبَـص


أنا لا أكره فقط وزيرا يحنث فى قسم توليه الوزارة بأن يرعى مصالح الوطن، ولا أكره فقط صاحب مصنع يحتكر منتجاته ويخشى الحسد فلا يفصح عن مصادر دخله، ولا أكره فقط قائدا يخذلنا ويجعل رقبتنا مثل السمسمة خجلا وضعفا، أنا بالفعل لا أكره فقط ولكنى أكره وأحتقر هذا الصنف من القيادات يأتى لمنصبه بالتزوير والبهتان، أفعل ذلك باعتبارى لاعب كرة قديما يحب اللعبة الحلوة حين يصنعها محترف بالتدريب والتعب.
فى قريتنا ومنذ الصغر اكتسبت مهارات كرة القدم بالقيام بالمهام الخطيرة لحارس المرمى، ملعبنا نقيمه على أرض شارع أو على ساحة جرن حصاد أو فى زنقة من حارة، حين نفتقد الأحجار الكبيرة نصنع شواهد متحركة للمرمى من أكوام تراب وطوب وملابس اللاعبين، وقت مبارياتنا مفتوح ولا مانع من أن يشاركنا اللعب بعض العابرين من بشر أو بهائم، وللجميع الحق فى الرجوع عن قراراتهم متى رغبوا.
فريق حارتنا أبدع طرقا عبقرية للفوز فى معظم المباريات، طريقة تمنع دخول الكرة فى مرمانا بتحريك شواهد مرمانا تضيقا أو توسيعا ليعجز المنافس عن التسديد، وطريقة الصياح والقسم بأغلظ الإيمان أن الكرة لم تدخل مرمانا، الطريقة (بلبص) كانت هى الأفضل، نتحرش بملابس الفريق المنافس ونضيعها بقصد المساومة عليها، ( بلبص) هى عرى الفريق المنافس وفضيحته وتجريسه فى الشارع مقابل الاعتراف بعدد الأجوال التى نريد، كنا نلعب على أرضنا وسط أهل حارتنا وبالطريقة (بلبص) تقترب نتائج مبارياتنا من ثلاثين هدفا لنا مقابل خمسة أهداف للخصم، وتنتهى مبارياتنا بمعارك يشترك فيها اللاعبون والمتفرجون وعابرى السبيل، يتبادلون الإصابات بكرات غير مكتملة من حصى وطوب وطين وجلة ناشفة.
خبرتى مع فريق حارتنا إصابتى بالإحباط والأسى، حين نحصد نتائج مبارياتنا ينهال الجميع على رأسى بالشتائم والاستهانة بإمكانياتى الكروية، إذا فزنا يتهمنى الفريق المنافس بتحريك الهدوم فضاقت شواهد مرمانا وضلت كراتهم أهدافها، وإذا هزمنا يتهمنى فريقنا بتحريك الهدوم فاتسعت شواهد مرمانا واستقبل كرات المنافسين.
مع انتشار مباريات كرة القدم كثرت الأورام والتسلخات فى جسدى وانتشرت الرتوق فى هدومى واختزن العقلاء خبرة الطريقة (بلبص) لتجريس المنافقين والمرتشين والفاسدين.
مع كل البلاوى فى بلادنا، أرانى صالحا لقيادة حكومة أضبط سيرها على التحرش بهدوم كل مسئول على الطريقة (بلُبص)، المشكلة أن بعضهم سينبسط بضياع الهدوم.

Friday, June 13, 2008

فتاوى سكانية

فى مؤتمر السكان الذى عقد مؤخرا فى القاهرة، تم اكتشاف أزمة سكانية مصرية، يقول الخطاب الرسمى فى الدولة إن المصريين مسرفون فى الإنجاب والدليل ما أوحت به إحصائية سكانية تقرر انه فى عام 1960م كان عدد سكان مصر 26 مليونا وكان عدد سكان كوريا الديمقراطية 26 مليونا أيضا، وهذا العام 2008م بلغ سكان مصر 80 مليونا بينما بلغ سكان كوريا الديمقراطية 48 مليونا، بمعنى أنه فى نفس الفترة الزمنية زاد المصريون مرتين بينما زاد الكوريون أقل من مرة واحدة فقط.
ما حدث من زيادة فى أعداد المصريين ليس ناتجا بالطبع عن فحولة للمصريين رغم خضوعهم طوال فترة الإحصاء لحكم عسكرى يوحى لأصحابه أن الأشياء مضبوطة وتحت السيطرة، فالنظام العسكرى تسبب فى ضغوط اقتصادية وثقافية جعلت بين المصريين ما يقارب تسعة ملايين من العوانس تحت سن الخمسة والثلاثين، المصريون زادوا لأنهم لا يملكون علما كافيا يساعدهم على رفع إنتاجياتهم الاقتصادية ولأنهم يعايشون حكما غير ديمقراطي يقتل حريتهم فى الاستمتاع بما يجنوه من ثمار، فلو أن نظام الحكم ديمقراطى كانت الأربعين سنة الماضية كافية لإنتاج جيل ونصف الجيل من المتحضرين، وما حدث فى كوريا من زيادة سكانية مدروسة لم يكن عجزا من الكوريين عن التمتع بالحياة انه كان علما نتج عن نظام ديمقراطى يترك للناس حرية التمتع بالحياة.
يمكننى أن أقص رأيى فى الزيادة السكانية المصرية، بطريقة أخرى، أنجبت أمى تسعة من الذرية فى عين العدو، كانت عين العدو صفراء قليلا تبخ الحسد فشهدت بنفسى موت اثنين من خلفة أمى، هى سنوات أصبحت بعدها رجلا وأبا لأطفال صغار لكننى طوال الوقت اشتاق لعطف أمى، قبل موت أمى بأسابيع وضعت رأسى على رجلها قاصدا لثم بعض من عطفها، وحين سألتها كيف أنجبت تسعة من الأطفال بسهولة، لكزتنى فى كتفى قائلة إياك والحسد، يا ولدى عدد أخوتك اقل من عزوتنا، انه القليل جنيناه من فقرنا وقلة حيلتنا وتحايلنا على الأرزاق، يا بنى لا تسألنى عن خلفتى القليلة الممصوصة غلبا، اسأل عن خلفة الأغنياء والملوك، أنت لا تعرف أسرار الملوك ولا تدرك أعمال الأميرات، فى كل إفطار يشرب الملك عصير عشرة من الخراف الصغيرة تقدم له فى كوب من ذهب والملكة تشرب فى كوب من الفضة خلاصة سبعة طسوت مليئة بالعسل والقشطة، فى كل غداء يأكلون البط السمين والحمام المحشو بالفريك، وفى كل عشاء يأكلون سمك السردين الأخضر تتساقط دهونه على الأرز المعمر باللبن، وفى كل يوم يحلون بأطباق المهلبية وعشرات من أطباق الأرز باللبن، يشربون طول النهار الكركديه والحلبة والتمر الهندى البارد، إنهم يا ولدى يأكلون ويحلون ويشربون وينامون على شبع، إنهم ينجبون كثيرا من الملوك والملكات والعبيد الطيبين، هكذا تستمر تراتيل أمى أحلاما ويهدر طوفان عاطفتها على وجودى، وحين تلمس راحة يدها جبينى وتربت على ظهرى أستسلم لخدر أحلام بتناول أطباق من الكباب واللحم المشوى مع شوربة الدجاج البلدى.
كانت أمى – رحمها الله- مقتنعة بأن الله يحب الملوك أكثر ويمد لهم فى أعمارهم، هذه القناعة عجلت بموت أمى فقضت نحبها صغيرة قبل أن تكمل عامها الرابع والثمانين.
فى أول معركة دخلتها حول ارثنا الدموى اختلفت مع إخوتى فى تفسير حكمة أمنا المرحومة، يا أولادى إن الفقراء يثورون بالإنجاب فى وجه الأغنياء، وحين أجهدت نفسى فى التعرف حكمة أمنا أخبرنى حافظوا التاريخ والأنساب أن أمى لم تدرس فى معاهد حزبية ولم تمارس مراوغات أهل السياسة، كانت أما برية تحب الحياة وتكره من يصنعون الموت، فانطلقت أهيم على وجهى فى كل الأرض متوحدا مع طريقتى فى الفهم أفسر كيف يزيد الشعب المصرى، إن ملوكنا وملكاتنا يأكلون طوال اليوم كثيرا من لحم طير وما يدعون من ورق عنب محشى وفول غارق فى الطحينة والسمن البلدى، وفى كل مساء يأخذون أدوية ومقويات وأصباغ تعطيهم الشباب والعافية، ويبقى كثير من المصريين مقتولا بالموت دون خرقة قماش يستر بها نفسه ودون مضغة عيش يبحث عنها فى بقايا الأغنياء، هكذا يتزايد فى بلادنا سكان القصور يمنحون فضلهم لكل من يذكرهم بخير، ويبسطون علينا قدراتهم الخارقة بأنا صائرون إلى ثلاثة فصائل، فصيل طاغى من ملوك وملكات يورثون أمراء وأميرات، وفصيل من الغلابة تصيبهم سياسات الحكومة بالعنة والعقم وفصيل مطحون من العبيد ينجبون فقرا ولا يورثون أحد.
ليس صعبا على الغلابة فى بلادنا أن يفهموا فتاوى السلطان فى موضوع الزواج والطلاق وكيد النساء، الصعب هو أن يحرموا من غرائزهم الجميلة، فتاوى أهل السلطان فى طرق الزواج العلنية لم تثمر شيئا، زواج المتعة والمصالح والسياسة والأعراف والمسيار والمحيار والنص نص والبوى فرند، (ما معنى المحيار والبوى فرند) كلها فتاوى جلبت على الحكومة هما إداريا ونكدا سكانيا وتخلفا ثقافيا، فهل لدى أهل السلطان من يصنع فتوى تحل مشكلة الحكومة مع الإدارة وتحل مشكلة التوازن الثقافى للغلابة، أريد فتوى تبيح زواجى من بعض ما ملكت يمين الحكومة من العوانس؟ هن تسعة ملايين مصرية يعشن واقع العنوسة، أريدها فتوى تكفى للزواج من ألف عانسة جميلة، وبرغم قدرتى على الكلام وطموحاتى فى الفعل إلا أننى أعد أهل الحكومة بالبقاء حيا دون إنجاب.

Saturday, June 07, 2008

مقامك يا مكرم عبيد

المنصفون لتاريخ المناضلين يقولون عن مكرم عبيد انه مسيحى مصرى، كان رمزا لتمازج المصريين بكل دياناتهم، قام بدور شيخ العرب فى الصلح بين جيرانه من مسلمين حين تعاركوا فى قنا جنوب مصر، كان خطيبا مفوها ومحاميا نزيها وسياسيا محنكا وصفه بعضهم بأنه ابن سعد زغلول الزعيم الشعبى لثورتنا نحن المصريين فى عام 1919م.
هذا المكرم المثير للفخر تذكرته يوم الأربعاء الماضى، الرابع من يونيه 2004م، حين حضرت ندوة عن الحريات الدينية فى مصر، ففى الندوة رأيت احد المحامين يحمل لقب مستشار يجلس على المنصة ليعرض على الحضور ووسائل الإعلام بعض القضايا القانونية المتعلقة بتغيير مواطنين لدياناتهم من المسيحية إلى الإسلام أو العكس.
حديث هذا المستشار أصاب كثيرا من الحاضرين بالإحباط، جلس على المنصة يحاضر لمدة تجاوزت ثلث الساعة، قرر بإرادته أن يكون حديثه إلينا باللغة العربية ومع ذلك كثرت أخطائه النحوية فبدا سقيم اللغة، ينصب الفاعل ويضم المفعول ولا يعرف نطق الجار والمجرور، وحين تكلم مرات قليلة باللهجة العامية ظهر للحاضرين أنه أقل إحباطا.
أمر المستشار زادنى إحباطا حين حصلت فى الندوة على كتاب قام بتوزيعه علينا دعاية لشخصه كمحامى، اقتصر الكتاب على ذكر عروض ودفوع قانونية عن حرية الانتقال بين الأديان تضمنت نصوصا دينية وشعرية، وحين تصفحت الكتاب وجدته يضم كثيرا من الأخطاء اللغوية.

إنها مأساة ثقافية وحضارية أن يتولى أحد مهام القضاء أو المحاماة من لا يعرف استخدام قواعد اللغة العربية الفصحى قراءة وكتابة ولا يجيد استخدامها فى المحافل العامة.
اللغة العربية هى لغة القانون المكتوب السارى بيننا، وإهمالها فى صورتها البسيطة خصوصا من المثقفين يؤدى لنتائج سلبية خطيرة على مستوانا الثقافى وتوجهنا العقائدى وتقدمنا الحضارى، فلو أننا كتبنا جملة عربية مثل ( إنما يخشى الله من عبادة العلماء)، واخترنا بين طريقتين لنطق الجملة المذكورة، الأولى أن ننصب لفظ الجلالة الله بالفتح، وهذا يعنى لغويا أن لفظ الجلالة الله مفعول للخشية من العلماء وبالتالى يمكننا التمهيد لقبول نظريات فلسفية ترى بالجبر وأن البشر حريتهم مقيدة وتخضع فى تقييمها لشرائع دينية سماوية، وأمامنا الطريقة الثانية أن ننطق لفظ الجلالة الله مرفوعا وهذا يعنى لغويا أن لفظ الجلالة الله هو فاعل الخشية تجاه العلماء وبالتالى يمكننا التمهيد لقبول نظريات فلسفية تنادى بحرية البشر، أفعالهم حرة من صناعتهم وتخضع فى تقييمها لشرائع وضعية أرضية، هكذا تكون الفروق الفكرية كبيرة بين معنى اللفظين باختلاف النظريات المصاحبة فى مجال الفكر والتطبيق، ولدينا قول شائع فى البدء كان الكلمة، ويكون البدء بنطق الكلمة وجود دال على توجهات صاحبها.
بداهة أن من يعرف قواعد اللغة وتستقيم له ادواتها هو أكثر قدرة على توصل صحيح وجه نظره للآخرين، ومن يختلط عليه الأمر ولا يبالى تختلط وجه نظره على الآخرين، وعليه فإذا اعتبرنا أن اللغة العربية هى لغتنا القومية، باعتبارها وعائنا الرسمى لفكرنا المكتوب وثقافتنا المتداولة، وأوكلنا مهمة قراءة وتفسير وتفعيل القوانين الحاكمة المكتوبة بلغتنا القومية إلى من يجهلون ابسط قواعد كتابة وقراءة هذه اللغة فانه يصبح منطقيا أن نرى عجزا ثقافيا عن فهم وتفسير القوانين السائدة، ويصبح من السهل أن نجد المتهم البريء والقاضى المنحاز والمحامى الأفاق.
لأننا نعانى تخلفا حضاريا كبيرا يحاول البعض منا البحث عن طرق للخلاص، هكذا انتشرت بيننا نزعات تطالب بلغة قومية تستوعب متطلبات العصر، بعض المحافظين يرى أن اللغة العربية هى لغتنا القومية وتحمل فى وجودها قداسة دينية، هذا البعض يعلن أنها لغة رحبة قابله لتحسين تناولها فى المدارس والجامعات ووسائل الإعلام وبالتالى على المستوى الشعبى، وبعض آخر يرى أن اللغة العربية لا تحمل قداسة إلا فى شعائر دينية معينة، هذا البعض يعلن ضرورة التخلى عن العربية الفصحى واستبدالها بلغة جديدة، ربما تكون لغة انتشرت إعلاميا مثل اللهجة العامية لسكان القاهرة أو لغة ماتت على جدران الأهرامات والمعابد كالفرعونية أو لغة انحسرت فى قلايات الرهبان ومذابح الكنائس كالقبطية، قليل آخر يرى أن اللهجة العامية المصرية الأكثر شيوعا إعلاميا وهى لسان أهل القاهرة المعاصرين هى اللغة المرشحة لأن تكون لغة قومية، هكذا فى حالات الضعف الحضارى تتناثر اللغات بين الأديان والجماعات العرقية.
إن الإعتساف بإحياء لغة لا يجعل منها لغة تفى بمتطلبات العصر، فإحياء اللغة الفرعونية دعوة تتضمن احتباسا فى قوقعة حضارية، وأن إحياء اللغة القبطية دعوة تتضمن احتباسا فى قوقعة دينية، وأن تغليب اللهجة العامية لفريق أو جماعة هى دعوة احتباس لغوية تغلب الفرع الضيق فى اللهجة على حساب الأصل الموجود فى الفصحى والأكثر اتساعا.
أمامنا مثال على الإعتساف فى إحياء لغة ضيقة الاستخدام كادت أن تموت، انه مثال إحياء اللغة العبرية فى العصر الحديث فبرغم كل الجهود الدينية والسياسية وإنشاء دولة إسرائيل إلا أن عدد الذين يستخدمون العبرية الآن فى حياتهم اليومية داخل إسرائيل لا يزيد عن خمسة ملايين إنسان بما يقارب ربع عدد يهود العالم، إما باقى اليهود خارج إسرائيل فلا يستخدمون العبرية إلا فى إقامة بعض شعائرهم الدينية، هكذا يصبح من المتوقع أن ينتهى أمر اللغة العبرية إلى لغة شعائر للمتدينين اليهود فقط، وهناك جانب آخر أن النسب الإحصائية للناطقين بالعبرية تتناقص باستمرار بسبب الانفجار السكانى والحضارى والمعرفى للغات الأخرى.
إن أمر إيجاد لغة قومية أخرى للمصريين مازال فى دائرة الممكن، وحتى الآن مازالت القوانين والمذكرات والشروح التفسيرية والأحكام تكتب بالعربية الفصحى، والى أن يتغير ذلك فانا أطالب جهازنا القضائى، حفاظا شكليا على هيبته ومصداقية موضوعية على نزاهته فى فهم القوانين، بأن يضع شروطا أولية لمن يشغلون مناصبه من قضاة ومستشارين ومحامين، أن يحسنوا استخدام صحيح اللغة العربية فى أحاديثهم العامة وكتاباتهم المختصة بأحوالنا القضائية، وان يتمثلوا إجادة استعمالها فى المحافل العامة.
الآن على أن أعلن الهتاف، أين انتم يا أهل القضاء المصرى؟ وعينا القومى فى حاجة إلى أمثال القاضى مصطفى عبد الرازق ووحدتنا الوطنية فى حاجة إلى أمثال المحامى وليم مكرم عبيد ودستورنا فى حاجة إلى أمثال الفقيه عبد الرازق السنهورى، ونحن جميعنا مطالبون بإحياء لغة قومية عصرية تحمل طموحاتنا نحو المستقبل.

Monday, June 02, 2008

حين يصبح الغباء إرهابا

يبدو لى أن إدارة جامعة المنصورة لا تكرهنى بصفة شخصية، فأنا مازلت موظفا لديها نتبادل حقوقا وواجبات وظيفية على مضض وتحكمنا لوائح بقوانين، يبدو واضحا أننى ما زلت أقبح قليلا من مئات الموظفين فأجد أنصارا يؤيدون توجهاتى، وأننى ما زلت أجمل كثيرا من بعض القيادات الجامعية فأجد أعداء يتربصون هفواتى، ويبدو لى أيضا أن إدارة الجامعة تكره الفهم الواعى لروح القانون ولا تصاحب مبادئ الإدارة الرشيدة تجاه موظفيها، من أجل ذلك تم تحويلى الأسبوع الماضى لتحقيق إدارى.

قصتى مع التحقيقات الجامعية بدأت بتراتيل ساذجة من الأفكار والأحاسيس المتداولة، كانت البداية مع استلامى العمل موظفا فى الجامعة، رأيت قطيعا من البشر ليسوا فوق مستوى الشبهات يحتكمون إلى قوانين مطاطة تسمح لذوى الأهواء أن يحققوا مآربهم، هذا القطيع افرز قيادات جامعية غير منتخبة تمارس عملها دون حد الكفاءة بكثير، وحين شاع ذلك خرجت شهادات علمية مضروبة وظهرت قرارات إدارية تغازل الهوى الشخصى وتسعى لتحقيق منافع فردية على حساب المجموع، وأغمض الأفراد عيونهم على كل مفسدة لا تمس مصالحهم الشخصية ولم يبق من العمل الجماعى للضعفاء غير تدبير المكائد والاكتفاء بالغيبة والنميمة، أنا ظللت معظم الوقت مثل بعضهم خارجا عن القطيع.
منذ فترة فاحت فى جامعتنا روائح الشهادات العلمية المضروبة بالتدليس والعلاقات الأسرية فلمحت فى بعض كتاباتى عن المحروس ابن الوٌز فى الجامعة الذى يستطيع فوق العوم أن يطير ويغطس ويسير على كل الحبال فيحصل على الدكتوراه فى اقل مدة قانونية ممكنة قافزا فوق عشرات من العوائق توضع أمام أقرانه الأفضل منه علميا وخلقيا، وكتبت عن محروسة تدعى أن خالها من كبار القوم، تدخل الخال لصالحها فقضت حوالى أربعة عشر عاما متصلة للحصول على درجة الدكتوراة مع بقائها طوال هذه المدة معاونا لهيئة التدريس بالجامعة، علما بأن القانون المنظم قد نص على أن مدة التسجيل والحصول على الدرجة العلمية لا تزيد عن خمس سنوات بعدها يلغى التسجيل ويحول معاون الهيئة إلى وظيفة إدارية أخرى، أى أنها قضت حوالى تسع سنوات مع منتفعين ساندوها فى التدليس لتعطيل نص قانونى، والأظهر فى وقائع التدليس أن لجنة المناقشة العلنية رفضت صلاحية رسالتها للحصول على الدرجة حين نوقشت رسالتها علنا أول مرة إلى أن عاودت المناقشة بعد عام كامل لتحصل على الدرجة العلمية بعد أن استوفت زورا وتواطئا ما طلب منها.

منذ أكثر من عام آثرت أن أبادر بهجوم موضوعى مارسته بالكتابة والنشر واللسان على فضائح أخلاقية وعلمية ارتكبتها مستويات قيادية مختلفة فى الجامعة، بدءا من قرارات المجلس العلمى وإدارة الكلية وإدارة الجامعة، وحين أسمع هجومى من به صمم اكتشفت بعض القيادات أننى أحد النعاج الخارجة عن القطيع وأننى هو المزعج المطلوب الرقبة ذبحا على موائد التقرب من السلطة، هكذا بدأت تتواتر قصصى بين السابلة وأولاد الشوارع مع التحقيق الإدارى والقتل الوظيفى والاغتيال المعنوى وتشويه السمعة.

بعد أن وضعت يدى فى عش المدلُسين، كان منطقيا أن تأتى فرصة مختلقة ويتم اتهامى بتهمة السب والقذف من المحروسة ذات التسعة أعوام من التدليس العلمى، هكذا ذهبت للنيابة العامة مشكوا فى حقى بفضل تدليس بعض الزملاء، وبعد أيام من الإرهاق أمام النيابة طلبت المحروسة التنازل عن دعواها تجاهى بشرط أن أوقع على إقرار يفيد تعهدى بعدم القيام بالتدريس لمادة علمية معينة لطلبة الكلية، وحين توجست أنا خيفة على علاقتى بالكلية، أوضح لى وكيل النيابة أنه إذا تعارض نصان أحدهما خاص والأخر عام تكون الحجية للنص العام، مثال ذلك أن النص الخاص يسمح للرجل المسلم أن ينكح ما طاب له من النساء أما النص العام فانه لا يجوز للرجل المسلم أن يجمع بين الأختين، والنص العام هو الملزم بالتطبيق.
حملت المحروسة ورقة التصالح إلى مجلس القسم بالكلية قاصدة تغليب أمورها الخاصة تجاهى على المصلحة العامة تجاه طلاب الكلية، وبرغم توقيعى على الورقة إلا أن القسم العلمى استمر فى تكليفى بأعباء علمية بالتدريس لطلاب الكلية، ولأن الأمور تسير لدى البعض بمنطق معوج رفعت المحروسة شكوى جديدة ضدى وضد القسم العلمى إلى عميد الكلية، تشكونا عدم الامتثال إلى رغباتها المريضة، وحين توجست الشاكية إبطاء من العميد ذهبت لأكثر من صحيفة تحمل أوراقا وتتصل بطلبة وطالبات وتقص علي صغار الصحفيين حكاياتنا، كانت تقص حكايتنا بحرقة كامرأة عانس أصابها فشل فى ثلاث زيجات وتسأل طوب الأرض عن زوج رابع.
وصلت شكوى المحروسة إلى عميد الكلية، وجريا على عاداتنا فى استعذاب وقائع التخلف، الاحتفاظ بسلوك الصغار، التشدق بالعلاقات الخاصة، اختراع العلاقات الكبيرة والاستيلاء على المناصب القيادية بالمحسوبية دون كفاءة، التوارى خلف الكراسى لاقتناص الفرص دون مواجهة موضوعية، كل هذه الصفات جعلت عميد الكلية يسلك طريقا يبعد عن المواجهة معنا، احتفظ بالشكوى مدة طويلة ثم حولها لإدارة للجامعة، هكذا يمكن تفسير سلوك العميد نحونا، إن سلوكه ليس نكاية فى شخصى أو تشفيا فى إدارة القسم العلمى أو إصلاحا لحالة مرض وظيفى بين أعضاء هيئة التدريس، انه سوء تصرف وجبن إدارى.

حين وصلت الشكوى إلى إدارة الجامعة ابدى المستشار القانونى كثيرا من التحفظ عن إجراء تحقيق فى غير ذى موضوع، ومع ذلك طلبت الإدارة تحقيقا معى ومع رئيسة القسم العلمى، وحين استدعى المحقق ثلاثتنا للتحقيق، المحروسة وكل من رئيسة القسم وشخصى، اعتذرت المحروسة عن الحضور، أثناء التحقيق معى رأيت فى عينى المحقق عبثية الشكوى وأنه يضيع وقتا لا طائل من ورائه فى إصلاح الأمور غير انتظار المقابل المادى يتقاضاه مكافأة عن كل تحقيق يجريه، وربما يكون التحقيق إجراء أوليا وقت اللزوم يسبق الاستعداد لإخراج أشياء من باطن الأوراق ربما تضعنى متهما بالخروج عن الآداب العامة أو على الأقل إشاعة التمنى بتغيير نظام الحكم، وكذا ظهر لى أن موقف إدارة الجامعة ليس منفصلا فى سذاجته الإدارية عن موقف عميد الكلية.

فى العام الماضى جرى تحقيق معى فى اتهامات رفعها ضدى رئيس جامعة سابق وساعده عميد كلية حالى، كلاهما عندى ليس فوق مستوى الشبهات وكلاهما عندى لا يعرف قدر الرجال، وانتهى التحقيق دون عقوبة قانونية تقع على.
فى الأسبوع الماضى بدأ تحقيق جديد لا أعرف نتيجته، وما زلت أحمل بعضا من أسئلة صماء أحاول العثور على إجاباتها، هل يجوز لى من باب السخرية أن أشعر بأن إدارة جامعة المنصورة تكرهنى؟ فأدعو بحرق القيادات الغبية التى لا تعرف الحب، وهل يجوز لى من باب الآسى أن أتساءل، كم هو حجم الغباء الإدارى يلاحقنا؟ فأطالب بانتخاب قيادات تعرف الفصل بين الغوغائى وبين العصامى، وكم هو حجم الإرهاب بالغباء يهددنا؟ فأطالب بتغيير ثقافة التواطؤ مع العقول المريضة.

Monday, May 26, 2008

بلاغ .. عن كتاباتى

منذ أكثر من عشر سنوات وأنا أكتب مقالات فى مجلات وصحف مصرية، وكتبت قليلا على مواقع عربية، صحيفة القدس العربى وموقع إيلاف الالكترونى وموقع المصريون، إلى الآن تجاوز عدد المقالات المنشورة باسمى أكثر من خمسمائة مقال بمعدل يقترب من مقال واحد أسبوعيا.

طوال هذه الفترة وجدت المقالات التى أرضى عنها لا تتجاوز المائتين وخمسين مقالا، جميعهم كتابات أفاخر بها نفسى لجمالها وجدة أفكارها، هكذا أنا راضى عن نصف أعمالى المنشورة خصوصا أن نصفها الآخر به مقالات خضعت لإعادة صياغة أو إعادة نشر، هذا الفارق بين ما ينشر من كتابات بإسمى وبين ما أرضى عنه منشورا يعود بعضه لقيود الصنعة والمهارات الحرفية المتاحة فى المطبخ الصحفى ويعود بعضه الآخر لقضايا الرقابة على النشر الصحفى ومشاكل حرية الرأى.

لأننى إنسان مصرى، مخلص لأرائى، جميل فى وجودى، بسيط فى معاملاتى، أحب مصر، أميل فى كتاباتى للأسلوب الأدبى، أحاول الابتعاد عن تسطيح الأفكار وسذاجة اللغة، بافتخار أمارس مهنة العمل أستاذا جامعيا، كل ذلك أبعدنى عن تعاطف التيار الغالب فى صناعة الجماعة الصحفية المصرية.

خلال سنوات من الكتابة أصابنى كثير من مشاكل النشر الصحفى، أجهد نفسى لأكتب مقالا متكاملا فأجد محررا فى صحيفة، ولأسبابه الخاصة، يفسد جهدى بالجور على مقالاتى فأتوقف عن الكتابة، هكذا واجهت بعض مقالاتى حذفا غير منطقى ونشرا دون توقع مثل صحيفة الأخبار، وحذفا حسب المساحة مثل صحيفة العربى الناصرى، واستبعادا حسب الهوى والإهمال مثل صحيفتا الوفد والدستور، وأصابنى الضجر من أسلوب كتابة تراتيل محفوظة للموتى مثل صحيفتا الأهرام والأهرام المسائى، وصدنى فقر عدد القراء بفقر أعداد التوزيع فوجدتنى أكتب لمئة قارئ على الأكثر مثل صحيفتا الأحرار ونهضة مصر، واستشعرت المطالبة بهتافات وشعارات لا أرضى عن أسلوب تناولها، مثل صحيفتا الأهالى والبديل.

كل ما نشرته من مقالات كان بدون مقابل مادى باستثناء ما نشرته فى صحيفة القاهرة برئاسة تحرير صلاح عيسى، وما نشرته فى مجلة الثقافة الجديدة برئاسة تحرير سامى خشبة، وهما مطبوعتان لوزارة الثقافة المصرية.

منذ عام ونصف تقريبا فى نهايات عام 2006م وجدت مخرجا رائعا للنشر، قررت أن اقيم مدونة على فضاء النت محاولا
الاستفادة من المزايا الجديدة للنشر الإلكترونى، واخترت اسما للمدونة يحمل كثيرا من صفاتى ككاتب أحاول طوال الوقت أن أنجو بحمامة أفكارى من تعسف الرقباء، هكذا اخترت اسم ( شوف الكلام ) عنوانا لمدونتى هنا وأعتبرها جريدتى الخاصة، أضع فيها بعضا من كتاباتى محافظا على نسق معرفى يرى فى المدونات نوعا حديثا من الصحافة.

المدونات باعتبارها صحافة حديثة تتيح لأصحابها أن تعبر كتاباتهم أكثر سرعة وآمانا نحو قرائها قافزة فوق حواجز جغرافية وبؤر اجتماعية وعوائق ثقافية، خصيصة العبور السريع والآمن هذه تجعل من المدونات الصادقة أداة فعالة لتحقيق كثير من أغراض الإعلام الراقي.

قناعتى بدور المدونات كصحافة حديثة جعلتنى أضع على مدونتى هنا ( شوف الكلام ) أراء أقتنع بها وأدافع عنها، لا أبنى أرائى على إسفاف أو غوغائية، لا أميل لمغازلة سلطة أو حزب سياسى أو جماعة عرقية، لا أسعى نحو قارئ بعينه، أنا اكتب ياسر العدل المصرى بما يحط عليه من أتراح وأفراح، وأغازل ياسر العدل المصرى بما يعانيه من آلام وآمال ووقائع حياة.

فى الأسابيع القليلة الماضية اتصل بى صحفيون، تحديدا فى موقعين إلكترونيين وصحيفة يومية، لأكتب مقالات لصحفهم، وبحديثهم معى اكتشفت أنهم يمارسون معى حساباتهم القديمة فى النشر الورقى ويتجاهلون ما يحققه فضاء النت من حرية ومنافع لأصحاب الأقلام الجادة.

الآن، هذا بلاغ لمن يهمهم الأمر، أنا أعرف أننى أكتب بأسلوب جميل تباطنه سخرية راقية، وأعرف أن قرائى ليسوا من السذج أو سابلة الطريق، أكتب على فضاء النت دون شروط فى مدونتى هذه
( شوف الكلام ) وأكتب دون شروط فى موقع (الحوار المتمدن )، وعليه فمن يريدنى أن أكتب مقالا خصيصا له فشروطى واضحة، عليه أن يلتزم معى بوقت محدد ومساحة محددة، وأن ينشر كتابتى دون تعديل، وأن يدفع مقابلا ماديا أراه أنا مناسبا، ومن لا يرضى بشروطى فيمكنه أن يأخذ ما يريد من كتاباتى المنشورة على فضاء النت شريطة الإشارة إلي باعتبارى صاحبا للنص.

Wednesday, May 21, 2008

دعوة للثقافة .. بشروط

مشكلتى مع الأنشطة الثقافية فى بلادنا أننى أعانى من عزلتها عن جمهور المستهلكين، فليس فعل الثقافة اختصاص للنخبة أو استعراض أمام الأصدقاء وبالطبع هى ليست المصدر الأوفر للثراء المادى، لذلك حين وصلتنى دعوة إعلامية عن بعض الندوات الثقافية بالمجلس الأعلى للثقافة بدار الأوبرا بالقاهرة، أجبت على الدعوة بالرد التالى:

الأخ المسؤول فى المجلس الأعلى للثقافة،
نحن الموقعين أدناه ، نشكركم على إعلامنا عن نشاطات المجلس الأعلى للثقافة فى مصر، ومع شكرنا تبقى فى الحلقوم كلمة ولكن،

نحيطكم علما بأن من يحضرون أنشطة المجلس ينتمون إلى واحدة من ثلاث مجموعات:

الأولى ، محظوظون يرمون بالكلمتين العسل على أسماع الحضور وفى النهاية ، وبعد التحقق من كلامهم وأخذ صورة بطاقة الرقم القومى ، يحصلون على مظروف بداخله بعض من دنانير الوالى

الثانية ، أصحاب المحظوظين من الأصدقاء والجيران وأولاد الحلال الساعين فى تسميع الناس بفضل أصدقائهم وحظوتهم بالجلوس فى قاعات مكيفة وكراسى أحيانا وثيرة

الثالثة، أناس ليس لهم أحد فى المجلس، يهربون من الزوجات والعيال وسخف وسائل الإعلام وغلاسات صبية المقاهى ، ويطمعون فى نسمات هواء وكلمتين حلوين فى قاعات المجلس قاصدين أن يرفعوا قدراتهم على الصبر واحتمال سخافات الجميع

نسيت أن أذكر أن هناك مجموعة رابعة مستقلة عن باقى المجموعات، مجموعة البصاصين والعسس وأكلى لقمة القاضى والعاسولج وبعضا من طعام الفرنجة والعجم

الأخ المسؤول فى المجلس الأعلى للثقافة
أنا الذى هو عضو فى مجموعة من ليس لهم أحد فى المجلس
فى كل مرة أقترب بسيارتى من بوابة حرم المجلس ينظر لى حارس البوابة نظرة إرهاب كأننى قاتل أبيه الوحيد ويتبعه موظف ملتزم يمسك بدفتر يلم بموجبه الخراج ، يصر الحارس والملتزم على أن أدفع لهما رسوم ما يسمونه - الباركنج .. سعادتك يا باشا –

وعلى الفور يبدأ الفصال، هما يتلصصان وأنا أغمغم وأرغى متهربا من نقود الخراج قاصدا ساحة الباركنج، ألقى بابتسامة فوقية للحارس وأدعى للملتزم قاصدا ومتمنيا - أنا مباحث أمن دولة صحفى وداخل المجلس فى طلب الباشا-

أحيانا تنجح خطة التمويه وأفلت منهما تدفعنى تطويحة يد من الملتزم إهمالا لشأنى ويتهامس مع صاحبه – اتركه يغور .. الغلاسة ظاهرة عليه-

هكذا أحضر القليل جدا من ندوات المجلس، وغالبا ما ينكشف حالى من الادعاء فتتصلب أرائهم عند وضعى أمام اختبار صعب، أقارن بين تكلفة الدخول إلى المجلس وبين تكلفة شراء كتاب، غالبا تنتصر المقارنة لصالح الكتاب الذى لا أشتريه، ويصبح لائقا أن أنسحب كسيف البال وأعود للزوجة والأولاد دون ندوات بالمرة، هكذا تكون الغلبة للفقر والفقراء ويبقون بعيدا عن نشاطاتكم
الأخ المسؤول فى المجلس الأعلى للثقافة، الله يرضى عليك

نرجوك، كلم لنا الناس الكبار لينزلوا بالندوات الى الشارع ، أو على الأقل كلم لنا الباشا صاحب الكارته ليتوقف عن أخذ الثلاثة جنيهات رسم الدخول على الواحدة من سيارات وعربات رواد الندوات - وثق انه لن يتعب فى التعرف على أمثالنا من الغلابة الشارعين فى الثقافة، عرباتنا أكفان بسيطة يركبها عدد مهدود من الأصدقاء فى الثقافة غير القادرين على السير او ركوب الحافلات او ملاطفة سائقى التاكسى، ان عملية فرزنا بسيطة، الغلب واضح على سحناتنا وأنت عارف أن الثقافة فى بلادنا لا تسمن ولا تغنى من جوع
التوقيع
هذا الكتاب مهره لجنابكم ياسر العدل، واحد ليس له أحد فى المجلس

Wednesday, May 14, 2008

أنا عاوز أتجوز

دروب حياتى الرائعة أوصلتنى إلى علاقة أقمتها مع نصف صديق، أحيانا أمارس معه علاقة نصف صديق وأحيانا أمارس معه علاقة نصف عدو، انه موظف حكومى يقاربنى سنا ومن أهل حَيٍنا، لقيته على عربة الفول المدمس الرابضة على أول شارع بيتنا العامر، على مدى شهور من اضطهاد زوجاتنا وطردنا خارج البيوت دون إفطار تناولت مع هذا الموظف عشرات من أطباق الفول مع البصل والباذنجان المخلل والخبز البلدى وقصص الثورة وفلسطين والمرتبات وفساد الأنظمة، هكذا اجتمعت فى هذا الموظف كآبة جميلة تجسدت فى ملامح نصف صديق ونصف عدو.

صباح أمس وعلى ناصية الشارع التالى لبيتنا العامر لقيت هذا النصف صديق هامًا بالسير متجها إلى عربة الفول كى يحصل على مكانة المفضل على طرفها الأيمن الغربى فى مواجهة شمس الصباح وبجوار وعاء البصل الناشف والفلفل الأخضر، مشية نصف الصديق لا تخفى بعض آلام الساقين ومشيتى لا تخفى بعض آلام الظهر والكتفين، وحين لحقت به أخبرته بأننى بدأت منذ يومين فقط العام الواحد والستين من عمرى المديد، عندها جاملنى بمجاملة باردة:
- كل سنه وإنت طيب يا باشا.
كان واضحا أن الصورة تتطلب أن أبدو سعيدا بمناسبة عيد ميلادى العظيم، لذلك أكدت لنصف الصديق إننى أرجو لكل إنسان كل الصحة وطول العمر وأن تمر أيامنا على خير، ثم أردفت مجاملا:
- وإنت بألف خير وسعادة.
انتبه نصف الصديق فجأة على أننى مشروع صديق له، وأننى أخبرته بحدث ميلادى العظيم، وأن شهر ميلادى ضم كثيرا من حوادث ميلاد مفزعة لزعماء وأفاقين وعلماء وصالحين وبعض الراقصات، فأبطأ الخطى واستدار نحوى ليظهر بعضا من الكرم والبشاشة تجاهى، طوح بكفه اليسرى يهز بعضا من وسطه ويخرق بإصبعه الوسطى هواء الكون المحيط بنا وقال :
- أرجو لك أن تصل للثمانين يا باشا . . هه هه
نظر لى الموظف الحكومى نصف الصديق بعين متوجسة كمن يتحسس صلاحيتى للحياة أصلا، وبانت حركاته أمامى حركات نصف عدو، فشهقت نصف هواء العالم ازفره فى وجهه، وحين شعر بأنفاسى تتحرك قال متهكما:
- يقولون الدهن فى العتاقى!!
أومأت برأسى مؤكدا له صدق المقولة ثم بسطت كفى اليمنى وعلقت على طبقة صوتى نبرة تحدى فاجعة وقلت:
- طبعا يا باشا . . الحمد لله الصحة تمام.
اقترب نصف الصديق منى وحط عينه فى عينى ووضع يده اليسرى على خصره ثم مال بأذنه نحوى، كنصف عدو قاصدا الاستماع إلى سر خطير، وتسائل بصوت واطئ:
- قصدى الصحة . . . تمام التمام !!
لم يترك لى فرصة للرد على تسائله بل أسرع يهز بعضا من وسطه ويطرح كفيه ورسغيه خلفا ويهز صدره كراقصه شعبية فى مولد عشوائى، ثم لوح بقبضه يده اليمنى وغمز بعينه اليسرى قائلا بصوت عال:
- تمام التمام؟ . . يا باشا !!
التقطت أنفاسى من متابعة حركاته وأجبته مؤكدا :
- تمام التمام ، وعاوز أتجوز.
صوب عينيه داخل عينى ووضع سبابته مشيرا إلى وجهى ثم مط وجهه وتسائل مستنكرا:
- إنت عاوز تتجوز؟
قلت له واثقا وكل وجهى ابتسامات تنم على التحدى:
- آه . . عاوز أتجوز . . بالعربى طالب زواج
انتظر برهة هز فيها جزءا من أسفل وسطه ثم أدار إصبعه تجاه شحمة أذنه متراجعا برأسه للخلف وابتسم ابتسامه خبيثة ويتلاعب باصبعه الوسطى ثم قال:
- قل لى بصراحة !! . . إنت عاوز تتجوز؟ . . وإلا انت عاوز تتجوز؟.
فى هذا الصباح الرائع نظرت للوحة كاملة رسمتها الحياة أمام عينى، نصف الصديق تتقاطع أجزاءه فى حركات مع الطريق والسيارات والبشر ويتناثر فى اللوحة ضوء الشمس والإضرابات وأخبار الجميلات وارتفاع الأسعار وصحراء الملوك وأزمة الغذاء العالمى وخطوات وئيدة لحمار صغير يسير بجوار حمار كبير ويجران معا عربة لجمع مخلفات البيوت، وتلتقى علاقات اللوحة عند أول الشارع حيث عربة الفول المدمس، فجأة تحوطتنى نظرات نصف الصديق وانثناءات خصره وتهكماته فقررت أن أرفع عقيرتى بمجون الواثق قائلا:
              - آه .. عاوز أتجوز.
نظر نصف الصديق إلى عينى وانفتح فمه عن ابتسامات تتشفى بمعرفة الأسرار قائلا:
- يا لــئيم.
توقفنا عن الكلام والابتسام ولم يجهد أحدنا الأخر فى تفسير ما هو المقصود باللؤم بيننا، وانطلقنا متجاورين لنصل إلى عربة فول المدمس، وصلنا متأخرين فلم يصب نصف الصديق موقعة المفضل على العربة، وحالت آلام الروماتيزم فى أصابعى بينى وبين كسر فحل البصل براحة بيدى، وتناول نصف الصديق طبق الفول المدمس خاليا من الشطة لإصابته بقرحة المعدة، هكذا تناولنا إفطارنا الشهى وسط جبل متوهج من النكات الفاضحة للأخلاق عن الرؤساء والخبزوالحكومات والفول والحمير وأهل الشمال وأهل الجنوب والنساء اللائى يمارسن الدلال على كل هؤلاء، وفى النهاية حبسنا طعامنا فى قلب المعدة بكوبين من الشاى المغلى.
حين تأكدت من اختفاء نصف الصديق عن ناظرى، أصابنى إحساس فاضل بحرية الكلام والحلم فانطلقت فى الشوارع مبتسما وضاحكا وضاجا وهازا كتفى وصدرى وكثيرا من أجزاء جسدى أبحث عن مشاريع الأصدقاء وبعض الأعداء لأطرح عليهم سؤالى العبقرى ذو الشطرين:
- إنت عاوز تتجوز؟ . . وإلا إنت عاوز تتجوز؟
ودون أن اترك لأحد فرصة للإجابة على الشطرالأول أو حتى التفكير فى الشطر الثانى أباغت المسئول بمحاولة الالتفاف حوله لأضع أصبعى الوسطى فى جنبه وأدغدغه قائلا:
- يا لئــيم.

Monday, May 12, 2008

انهم يأكلون سذاجة

وصلنى على البريد الالكترونى نشرة صحفية من موقع عربى يحاول أن يبنى مكانا للمعرفة العلمية بين قراء العربية، تقول النشرة الصحفية ما نصه ( مجلة ألمانية: الصلاة تضبط ضغط الدم ) وأرفق محرر النشرة صورة لرجل فى حالة سجود إسلامى، محاولا بالصورة أن يربط ربطا ساذجا وتعسفيا بين إنصلاح أحوال ضغط الدم وبين القيام بالصلاة فى طقسها الإسلامي، وكان لا بد أن أرد فى تعليق كتبته على الموقع لكن المحرر لم ينشر التعليق، ولأن الأمر جد مزعج وخطير على مستقبلنا الحضارى حين يسرى هذا التوجه المنهجى المتخلف فى إرشادنا وتعليمنا ، فإننى أضع هنا ذلك التعليق مع بعض التصرف قاصدا إبراز الفكرة الرئيسة:

عزيزى المحرر فى هذه الموسوعة العلمية، حرام عليك هذا التسطيح المتعمد لتأثير بعض الطقوس الدينية، المؤمنون يقبلون دينهم كحزمة واحدة من الطقوس تتضمن أعمالا وعبادات دون انتقاء، المؤمنون يؤدون طقوسهم الدينية لأنها عبادة فيها سيد يأمر وعبد يطيع، وليس لأن لها فوائد صحية أو اقتصادية أو أن القيام بها يترتب عليه أعباء وعذابات وكفارات عن ذنوب، المؤمنون يقومون بحزمة طقوسهم الدينية لأنها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغى وليس لأنها تصلح الظهر أو تقوى السمع أو ترفع الباه، هكذا يتناول المؤمنون تعاليم الدين وطقوسه.

عزيزى المحرر إن الصورة المصاحبة لنشرتكم هى لرجل يصلى صلاة إسلامية، بينما المجلة التى تقول إنها أوردت الخبر هى ألمانية، وكذلك الإحصاءات المؤيدة لرأيك تم إجراؤها مع أفراد أمريكان فى كنيسة إنجيلية ، هكذا لا صاحب الخبر ولا صاحب البحث بمسلمين ، إن صلاة ونسك أصحابك تختلف عن مثيلتها لدى المسلمين، وعليه فبأى دليل موضوعى تدافع أنت عن رأيك، أى صلاه تقصد أنت فى نشرتك حين تصفها بأنها تضبط ضغط الدم ، أتقصد الصلاة الإسلامية أم المسيحية أم اليهودية أم اللادينية ، وأخيرا الإحصاءات نفسها تقول أن عملية ضبط ضغط الدم هى أكثر إمكانية وتأثيرا مع أصحاب التقدم العلمى سواء أكانوا مؤمنين أو ملحدين.

يا أخى المحرر كفانا هذا الهراء والتخلف فى عرض المعلومات ، كفانا هراء يبثه قوم متخلفون لا يستطيعون اللحاق بالعلم والحضارة، كان أجدى بموسوعتك أن تصوغ الخبر بأسلوب علمى هكذا: ( الهدوء النفسى المصاحب للأيمان يساعد على تحسين ضغط الدم، أجريت إحصائيات على بعض المتدينين فكانت النتائج كذا وكذا)، صياغة الخبر على هذه الطريقة يترك فرصة لعقل القارئ كى لا يتوقف عند النصوص ويقارن ويفكر ويصل إلى قناعات ربما تعارض ما تريده أنت من مصادرات.

عزيزى المحرر نداء التحضر يدعوكم أن تبتعدوا عن هذا الهراء ولا تسردوا وقائع انتقائية تظهرونها وكأنها معجزات فوق مستوى البشر وهى ليست كذلك، إن ما تعرضونه على موقعكم بمثل هذه الشاكلة يتحول الى أوهام بالقداسة تعشش فى مخيلتكم فقط ، انتم تحاولون إنشاء موسوعة علمية أو هكذا أراها، فكونوا موضوعيين فى جمع معلوماتكم محايدين فى عرضها، ذلك بأن العلم نسبى يبنى على فروض ويقبل النتائج المترتبة عليها، العلم قائم على الجدل والحوار بين الفروض والنتائج ، هكذا ما يثبته العلم اليوم فى أغلبية قد ينفيه غدا فى أقلية أو يحمل له معنى مغاير، ولأن الحياة متسعة أحداثها ووقائعها فتعال معنا أيها المحرر إلى كلمة سواء هى منهج علمى يعلم يكشف ما استغلق علينا فهمه، كن جميلا موضوعيا لا تصادر على المعرفة بمقدساتك.
أخيرا أيها المحرر صاحب الموسوعة العلمية على النهج الآعلامى السائد، أنت لست وحيدا أو واحدا فى توجهاتك نحو تسطيح العقل العربى، نشاطك هو العملة الغالبة فى الإعلام العربى، فهناك أفاقون كثيرون يمارسون نفس وقائع التخلف الفكرى، بعضهم يقول بمعجزات فى بول الناقة وشخُة اليتيم وغائط المحروم، وأسماء وآيات على أنصاف حبات الطماطم والبلح والأشجار وفصوص أمخاخهم المشردة بين الأسطورة والخرافة، وبعضهم يقول أن من يذكر الورد الصغير لشيخهم الكبير تسعة وتسعين مرة يوميا تأتيه حور العين والطواشى على أرائك تجرى من تحتها نهر حليب وعسل لذة للشاربين، إنهم يقولون بالمعجزات تتناثر فى مقدساتنا قاصدين أن ينهوا الناس ويلهوهم عن الإمساك بأسباب العلم

Friday, May 09, 2008

أولاد الـــًعم تــاج

كان العم تاج رجلا صاحب منهج، يؤمن بأن الحياة توهب للبهائم والبشر، لا فضل لأحد فيما هو عليه من صلاح أو فساد، متعة الحياة لا توهب لغير أذكياء يدقون الطبول وراء كل زامر، وأن الموت يخلع الأحياء من عالم ملئ بالحركة يدافعون فيه عن وجودهم ويدسهم فى عالم أخر مفعم بالسكون، وأن الموتى لا يتركون غير ذكرى يلوكها بعض الورثة وأصحاب المصالح، هكذا ظل عم تاج يطلق منهجه على الأحياء والأصدقاء والأعداء، فى القرية يلعب بالبيضة والحجر وفى المدينة يلعب بالثلاث ورقات.

كان العم تاج رجلا صاحب واجب، فى المآتم يخلع على الميت صفات الأبطال والأولياء الصالحين، بأن المرحوم كان ديمقراطيا ليبراليا ثوريا ومصلحا كبيرا، وحين تزمجر عيون السامعين فاضحة الإسراف فى خلع الصفات، يكتفى العم تاج بتنقيط الدعوات للميت والإسراف فى تناول لحوم الفراخ تقدم على صوانى الميت، وفى الأفراح يشيد العم تاج بثراء العريس، يصف العريس بأمير غنى لا يأكل الملوخية الشيطانى تنمو فى الأرض صدفة، وإنما يزرع الأمير كل ما يأكله عامدا فى براح أرضه، وحين يضج الناس من فشوش الكلام يكتفى العم تاج بتنقيط العريس بكلمات من فخار مقابل أن يتناول أكوابا من الشربات والحلوى تقدم على صوانى العريس.

كان العم تاج رجلا صاحب سخرية، فى المآتم يعرف كيف يستمطر الدعوات من المعزين على ميت تناولت الألسنة كثيرا من سيرته، كان الميت لصا نجح ذات ليلة فى سحب بقرة خارج زريبتها، وحين ربت على ظهرها نعرت البقرة بصوت جهور تطلب الوصال بأى ثور، فاستيقظ أهل الدار وطاردوا اللص فى الليل والأزقة، نجحت المطاردة وعادت البقرة لزريبتها تلعق هموم الانتظار، وافلت اللص ليموت فى الأسبوع التالى مهموما محسورا، وظل العم تاج ينثر حكمته بين المعزين وأصحاب الواجب أن اقتناء البقر يفضح الرجال والثيران.

كان العم تاج رجلا صاحب سخرية، فى الأفراح يعرف كيف يستمطر مصمصات الأسى على عريس فى يوم دخلته، يسرب أخبارا بأن نفرا من الشياطين ربطوا العريس وجعلوه ضعيفا غير قادر على المتعة أو الإنجاب، وحين يطول انتظار الأهل والجيران لأخبار اللقاء بين العروسين، ينثر العم تاج حكمته بين الجميع أن فك المربوط يتم بإهدار كثير من رقاب الديوك والهداهد والغربان والبخور والزواج مرة أخرى من أرملة أو مطلقة خبير.

كان العم تاج محبا للحياة، يجيد الكلام الساكت والتلويح بالأمانى المرجأة، وحين اختطفه الموت مبكرا دون أن يقضى عامه السابع والثمانين، أجمع حافظوا الأنساب على أنه أنجب عشرات الآلاف من المحاضرين والكتاب يبيعون مجروش الكلام فى الأندية والقصور والفنادق، يصرفون بدلات حضور الجلسات، ويتجملون أمام عدسات التصوير.

ذات مساء وعلى بساط الإعلان عن التنمية ، كان الطقس الحار كافيا لأن يسترخى عشرات من الناس على شاطئ حمام سباحة فى نادى رياضى فى مدينة جديدة ، وكانت هزائم نوادى الكرة كافية لأن يتوقف كثير من المشجعين عن تشغيل المخ وعصر الدماغ، وأمسى الوقت والناس والمدينة جاهزين لمتابعة مكلمة ثقافية تلعب بالثلاث ورقات.

جلس ابن العم تاج على منصة يحاضر الناس عن المقاومة والانتماء، امسك بالميكروفون وانساب منفردا، لولا مجانية التعليم لما أصبح ابن العم تاج حرا غنيا مستورا، وما استطعنا نحن الكارهين أو حتى المحبين للعم تاج أن نبدى رأينا الحر فى أحداث بلاد الخارج، ذلك بأن حريتنا رآها ابن العم تاج منحة من زعيمنا الثورى الديمقراطى الذى مات، وقبل أن ينهى ابن العم تاج جرعة كلامه، نازعه ابن آخر للعم تاج يملك محلات للتجارة بالداخل، مؤكدا أننا شعب قادر على المقاومة، مقاومتنا رآها ابن العم تاج أنها فضل من زعيمنا الليبرالى الديمقراطى الذى مات، وحين احتدم النقاش بين الحضور أعلن ابن عاشر للعم تاج يعمل بدون جنسية فى بلاد الخارج، أننا شعب يمارس الانتماء، انتمائنا يراه ابن العم تاج صنعة زعيمنا المؤمن الديمقراطى الذى مات، وظل مجروش الكلام يتقاذف بين الحضور دون أن يتعرض أحد من أولاد العم تاج لحاضرنا وكأن الحاضرين موتى لا يشعرون ولا يعرفون خصائص الوقار والعصمة تتناثر حول تاريخ العم تاج، وحين توقف الجميع عن الاستماع، تسائل شاب نابه عن اقرب قسم شرطة يخدم الحضور ويفك اشتباك الجميع.

تسربت بعض الجميلات يضحكن ويتناوشن، وحين طلب أحدهم أن ابدى رأيى فى التنمية والمقاومة والانتماء، كنت وما زلت مقتنعا بأن فك المربوط عن الحرية والمتعة والنماء يتم بإهدار كثير من رقاب الخطباء والمحاضرين، وان الانتماء الجميل لا يتم بغير الزواج من بنات أفكار تغازل الحرية.

Friday, May 02, 2008

علاوات .. للرشوة والدعاء

فى شهر يوليو من كل عام يفيض خرج الحكومة المصرية بعلاوات نقدية تمنح لأكثر من خمسة ملايين موظف مصرى وترفع مرتباتهم بجنيهات قليلة، بعض الأصدقاء أكد لى - وهو كاذب - أن العلاوة كبيرة هذا العام.

أنا واحد من موظفى حكومة مصر، أتقاضى مرتبا هزيلا لا يكفى مواجهة أعباء حياتى اليومية، مرتبى يدربنى على الدخول فى زمرة العصاميين، أستعين بالصبر والشكوى والنميمة على تحمل قلة قيمة نقودى فى سوق الحياة، وأتجرع هوان أمرى على السلطات، أدفع نقودا وضرائب وهبات ورشاوى للمحليات والدولة والشركات والتجار، ادفع ثمن الطعام واللباس لأبنى الأكبر الذى تخرج متفوقا من جامعة الحكومة ولا يجد عملا لدى الحكومة، وأدفع للولد الثانى ثمن الهاتف المحمول وبعض علب السجائر التى تدسهم فى وجدانه إعلانات فاسدة يتواطأ عليها إعلام الحكومة، وادفع للولد الثالث ثمن الدروس الخصوصية فى مدارس الحكومة وقيمة الأدوية فى العلاج المجانى فى مستشفيات الحكومة، المصيبة أننى أدفع تلك النقود مجبرا بموجب عقود إذعان تفرضها على سلطات الأهل والجيران والحكومة، أدفع نقودا أكثر مقابل خدمات أقل، ومع ذلك الإذعان والتعسف لا أحصل على صفات العميل الجيد أو الأب الحنون أو المواطن الصالح.
ولأننى مازلت موظفا حكوميا مصريا اعمل تحت وطأة ستين ألف قانون تفسرها لوائح مطاطة متضاربة تسمح باختراق كل القوانين، لذلك أدور حول حقى المهضوم أخذه من المحليات والدولة والشركات والتجار والأولاد، هكذا تقرر الإحصاءات أننى موظف أعمل فى المتوسط ثلاثين دقيقة كل يوم، وانفق ما تبقى من يومى فى طوابير العيش ووسائل المواصلات والعراك مع الجيران، ولا أعرف طريقا ميسورا للعمل المنتج، ذلك بأن رئيسى فى العمل يتم تعينه بناء على علاقته بأهل السلطة، لا يملك أدوات موضوعية لتقييم أدائى ويصدر أحكامه الوظيفية بناء على معايير شخصية ترسمها مصالحة الخاصة، لذلك أسعى كل يوم للحصول على أموال وهبات ورشاوى, وحين يتحرك ضميرى ببعض الألم، أجد فى وعاء الثقافة المجتمعية السائدة ما تزكية الحكومة من أمثال وحكم تبرر أفعالى، ثقافة ترى أن أمور الحساب لن تقف عندى، فطالما أن أحدا لا يهتم باستيفاء حقوقى فلا أحد يهتم بمتابعة واجباتى، صحيح أن الغلابة يهدرون بمعاناتهم بعضا من الموارد، لكن الكبار فى بلادنا بمكرهم يأكلون كثيرا من الموارد، يهبرون أموالا بالملايين ويغسلون أموالهم فى دمائنا، عيونهم فاجرة تندب فيها ألف رصاصة دون أن يهتز لهم طرف، هكذا الغلابة فى بلادنا يبقون غلابة، ولا يملكون غير الدمع عند كل حاقة ومظلمة.
برغم أننى موظف حكومة مصرى أعانى ضعف الإدارة وإجحاف الحكومة وعجز القوانين عن تحقيق قدر معقول من العدالة، إلا أننى فى لحظة صفاء يمكننى أن استعيد قدراتى على التفكير الموضوعى، وأطرح سؤالا عاما، ماذا يحدث لو قررت الحكومة مضاعفة مرتبات العاملين بالدولة خمس مرات؟، هل سترتفع الكفاءة الإنسانية والاقتصادية لظروف العمل فى بلادنا؟ الإجابة بالنفى وسيظل حالنا كما هو عليه، نعانى من تخلف وظيفى وتسيب إدارى، ذلك لأن زيادة المرتبات وحدها دون تغيير ببقية عناصر نظامنا الوظيفى تجعلنا ندور فى حلقة مفرغة من التخلف، دائرة زيادة المرتبات وزيادة الفقر، وبمعنى أخر حين ترفع الحكومة المرتبات دون أن تسعى لإصلاح النظام الإدارى والاقتصادى فإنها تسعى دعائيا لأن تعيد رسم الصورة بمقياس رسم جديد يبدو مبهرا للبسطاء والسذج، دون أن تغير الزوايا أو العلاقات فى مكونات الصورة، هكذا يظل فقرنا الاقتصادى والأخلاقى والاجتماعى، جاثما على الصدور.
القيمة الحقيقية لزيادة للمرتبات تقاس بالقيمة العلمية لتغيير العلاقات الوظيفية، باعتبارها علاقات ديمقراطية أو استبدادية، وباعتبارها علاقات عادلة أو غير عادلة، وباعتبارها علاقات موضوعية عامة تحدد طرقا علمية لتقييم الكفاءة وإصلاح الأخطاء أو علاقات ذاتية تحمل الطموحات الشخصية لبضعة أفراد فى التملك والسيطرة، فحين يزيد مرتب موظف بألف جنيه ويزيد مرتب رئيسه بعشرة آلاف جنيه دون أن يصاحب ذلك تقدم فى بيئة العمل الحكومى، فمعنى ذلك أن الحكومة لا تتعامل بموضوعية مع مشاكل الموظفين، ترفع قدر أهل الثقة فوق قدر أهل الكفاءة، أنها حكومة تدرب شعبها على الشحاذة، تدفع لغالبية موظفيها علاوات فقر وشهادات ذل، وتدفع لبعض موظفيها رواتب تفيض عليهم وعلى أتباعهم من خدم وحشم وحراسات خاصة، إنها سياسات وظيفية تزيد التضخم وترفع الأسعار وتفتح لأهل الهوى مزيدا من أبواب الفساد.

Thursday, May 01, 2008

رجل غُراب .. وخُف جمل

حين أسرفت أمى فى ملأ دارنا بالبخور والدخان والأحجية تطارد الحسود صاحب العين الصفراء، بقيت أنا طوال حياتى أطارد وجوها كالحة، تقطع الخميرة من كل دار، توقف اللقمة فى كل زور، تقتل صفو المحبين والعاشقين والساعين فى كل خير، ومرت حولى حوادث مفجعة دون أن أعرف بالضبط من هو صاحب العين الصفراء.

ذات مرة أعجبتنى فتاة غزال طيبة رقيقة المشاعر، وحين أدمنت النظر إليها تزوجتنى، وما زالت طوال الخمس وعشرين سنة الماضية على جوازنا تندب حظ زواجها العاثر وتبحث عن صاحب العين الصفراء كى تقطع جثته أربا، وذات مرة أعجبتنى صحة رئيسى فى العمل، يرقص على كل حبل دون أن يقع، وحين أدمنت النظر إليه أصابه العجز وضغط الدم وغباء الإدارة، وظل سنوات ممسكا بمنصبه يسرف فى العطايا كى يرفت صاحب العين الصفراء.
وحين جمعتنى صداقة مع الصحفى (محمد الشافعى) بدار الهلال، وأصبح لائقا أن نقاوم نكد الزوجات وقرف العيال، اتجهنا فى زيارة إلى منطقة رأس سدر بمحافظة جنوب سيناء، قاصدين زيارة نفر من عرب سيناء صنعوا بطولات مقاومة ضد العدو أثناء حرب أكتوبر المجيدة، نزور مجاهدين منحتهم الدولة وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى، منهم سليم مضعان وفرج وأخوه فريج مساعيد.

على الشاطئ الغربى لقناة السويس وقفت طارحا بصرى نحو الرمال الصفراء فى الشرق مسترجعا تاريخ بلادنا مع الأرض والناس والجبال باتساع كل الأفق، فى الزمن القديم كانت سيناء أرض تيه عبرها فاتحون ورسل وغزاة وتجار مخدرات، وفى الزمن الحديث عادت بعد جهد جهيد ليرى فيها المخلصون أنها أرض فيروز نرسم عليها خطوات تقدمنا نحو المستقبل.
حين اجتاحنا الشوق للعبور نحو أرض الفيروز رصدتنا عين صفراء، دفعنا رسوما لتعبر سيارتنا نفق الشهيد أحمد حمدى تحت قناة السويس وندخل سيناء، هكذا هاجت فى الذاكرة حواجز صنعتها حكومات متتالية للفصل بين سيناء وبين بقية أرض مصر، ففى عهود مضت لم يكن لمصرى أن يدخل سيناء دون تصريحات تصدرها جهات أمنية، واليوم أصبح دخول سيناء ميسورا لكل من يدفع رسوم عبور، ربما هى موارد تستخدم فى صيانة النفق، ولكنها أموال يدفعها المواطنون لأجهزة دولة تكريس التفرقة النفسية بين بقاع الوطن الواحد.
وضعنا الرحال فى بيت من بطون آل مضعان فى منطقة رأس سدر، جلسنا فى بيت شعر يملكه مضيفنا، خيمة كبيرة من الصوف يتوسطها موقد فحم كبير يصنع الشاى والقهوة العربية يقدمها صاحب الدار للجميع، أتى غدائنا لحم ضان وأرز يملأن صينية كبيرة، وبدأ نظام تناول الطعام، الضيوف أول من يأكل، يمد الجميع أصابع أيديهم اليمنى، تنزل خاوية كرجل غراب على الطعام، تنزع اللحم وتكوره فى الأرز وتصعد مليئة كخف جمل، تدس حملها فى أفواه رجال لا يتكلمون أثناء الطعام، يأكلون قليلا ويخفون سراعا، ويأتى دور صاحب البيت يأكل من باقى طعام ضيوفه وما يفيض يذهب لأهل البيت من أطفال ونساء، هكذا تعريف أحد مظاهر الكرم فى بيئة جافة شحيحة الموارد.
وحين شعرت بالامتنان لكرم الضيافة ونحافة الرجال كانت العين الصفراء تترصدنا قاصدة أن تفسد متعتنا، هاجم المطر بيت الشعر فتماسك الصوف بالبلل ومنع الماء من النزول فوقنا، وهاجمت السيول أرجاء المنطقة وكادت أن تقطع طريق عودتنا، مياه غزيرة يلقى بها المطر على الجبال تتجمع وتأخذ طريقها فى مخرات سيول تلقى بحملها على الوديان تدمر فى طريقها كل زرع وضرع وتتجه نحو البحر.
اكتملت فى ذهنى صورة لكوارث طبيعية تحل بالمكان، وتوقعت أن يبحث الناس عن غريب صاحب العين الصفراء كى يلقوا به فى شقوق الجبال، لكن القوم استبشروا خيرا بقدومنا، ذلك بأن جفافا لحق أرضهم طوال السبع سنوات الماضية شارف على للرحيل، ورأوا فينا ضيوفا تحل معهم البركة ويعرفون أصحاب القرار فى العاصمة ويصاحبون من يعيد لسيناء بهائها كجزء من ارض مصر، وحين غمرنا ذلك السيل الجارف من المودة اكتشفت أن عينى ليست صفراء تماما، فكيف لعين أن تحسد أناسا بسطاء طيبين؟ يعيشون حياة جافة غُلبا، يعانون من مشاكل الإدارة والاقتصاد فى الدولة المركزية، حيث تتكاثر الخدمات فى العاصمة وتقل فى الأطراف.
سيناء أرض الفيروز والفحم والبترول والتاريخ، هى كذلك فى الطبيعة لكنها ارض عذاب تقع على أطراف مصر، تحتاج إلى عين رعاية فى مجالات الصحة والتعليم والنشاط الاقتصادى ليسكنها بشر أصحاء يصنعون تقدما حضاريا على أرض مصر، تقدما لا تبقى معه أرض سيناء مجرد بؤر سياحية يسترخى فيها بعض الأغنياء على ما يهبرونه منها فى خف جمل ويتلظى فيها الفقراء على ما ينتجه جفافها من نبش الغراب.

Tuesday, April 29, 2008

أنا شاهد وكنت يقظا

يوم الجمعة، العاشر من ابريل (نيسان) 2008م، وعلى مدى يومين عقدت جماعة ( مصريون ضد التمييز) مؤتمرها الأول لمناهضة التمييز الدينى فى مصر.

انفض المؤتمر لتبدأ مماحكات كثيرة تناثرت فيها المقالات هنا وهناك، ما بين مؤيد ومعارض، وما بين غوغائى وعقلانى، وما بين من يرى الحقائق ومن يتعامى عن رؤيتها، بعضهم ألقى اللوم على نقابة الصحفيين المصرية فى عدم استضافتها للمؤتمر باعتبارها مؤسسة تطالب بحرية الفكر، وبعضهم ألقى اللوم على حزب التجمع ذو التوجه الاشتراكى حين سمح باستضافة المؤتمر فى مقره، مقتصرا على الاستضافة دون مشاركة فاعلة وكان هو أولى باعتباره حزبا يدعو للموضوعية الفكرية، وبعضهم أنحى باللائمة عن جماعة (مصريون ضد التمييز) أنها تحولت إلي مجرد ملتقى طائفى يتصايح فيه أصحاب الديانات والعقائد المختلفة بما يعتقدون انه صواب الدعاية لدياناتهم ومعتقداتهم دون أن ينصرفوا فى صياحهم إلى وقائع الهم الوطنى العام حيث التمييز ضد الجميع.

أقول هنا شهادة واجبة عن ذات المؤتمر، أنا ياسر العدل مواطن مصرى يقظ، لست عضوا بنقابة الصحفيين المصريين كى يأتينى نبأ تأويل ما لم أستطع عليه فهما من سوء أداء بعض الصحفيين المنتسبين إليها، ولست عضوا بحزب التجمع كى أرتدى نظارة حكم على صفات العمل اليسارى فى ربوع مصر، أنا فقط حضرت كامل وقائع اليوم الأول من المؤتمر الأول مناهضة التمييز الدينى فى مصر.

شهادتى أن المؤتمر ضم قلة واعية تحمل ثقافة موضوعية ضد التمييز بين المواطنين المصريين فى المناحى المختلفة، هذه القلة لم تجد فرصتها فى الظهور الفاعل، وضم المؤتمر كثير ممن يبحثون عن أدوار دعائية، هكذا ظهر المؤتمر كأنه ساحة يعرض بعضهم فيها صورا للتمييز الدينى ضد غير المسلمين وصولا من هذا البعض إلى آراء واقتراحات لإقصاء هذا التمييز فى اتجاه بعينه، وتناسى هذا البعض أن هناك تمييزا واضحا بين المصريين فى مختلف صورهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، هكذا ظهر لى كثير من القصور فى أداء المؤتمر الأول من نوعه فى مصر، وكان المتوقع عندى أن أرى في المؤتمر ساحة جادة على المستوى الفكرى والثقافى لمناهضة التمييز.

شهادتى أن تصريحات القائمين على المؤتمر أكدت انه قام على جهود فردية دون رعاية أو مساندة من الدولة، وكان واجب الدولة المدنية المساندة، ولم تسانده أو ترعاه أحزاب تملك توجها إنسانيا فى تعريف المواطنة، وكان واجب الأحزاب الليبرالية المساندة، لذلك أصبح مبررا عندى بعض ما رأيت انه قصور فى أداء مؤتمر قام على جهود أفراد ومجموعات صغيرة.

وبرغم شهادتى القابلة للجدل، إلا أن أبرز ايجابيات المؤتمر المصرى الأول لمناهضة التمييز الدينى هى أن المشاركين فيه نزعوا نحو تفعيل وجود الدولة المدنية باعتبارها ضرورة سياسية، هذا النزوع الفكرى نحو الدولة المدنية يطرح بصيصا من الأمل فى صحوة ثقافية وسياسية ضد التمييز بين المصريين، وحين تأتى الصحوة بعد فترة من ثبات عميق ومقيت، فعلى الغيورين على قيمة الإنسان المصرى المتحضر أن يتفهموا كثيرا من أسباب القصور.

Sunday, April 20, 2008

بعض الكتبة مزعجون

أسباب بسيطة ذات انعكاسات منطقية تجعلنى اكتب على فضاء النت، إنها الحرية اسعى إليها من جانبى وانه الانهيار الكبير يوشك أن يحط على وسائل إعلامنا الرسمية المهتمة بالكتابة، فمن المؤكد أن كثيرا ممن يمارسون الكتابة فى وسائل إعلامنا الرسمية ليسوا هم الأفضل، إنهم فى الغالب كتبه سلطان مغرضون، ومع رغبتى فى البقاء حرا فى كتاباتى إلا أن بعض رواد فضاء النت من متواضعى الإمكانيات يلاحقنى برسائله قاصدا أن يدخلنى فى قوالب يصنعها على مقاس فكره وطموحاته، بعضهم يرانى كاتبا وناقدا ويسعى لمعرفة رأيى فى أعماله الأدبية.

دون التعرض لأسماء بعينها، فقدت على فضاء النت صداقة اثنين من المذيعين المصريين، وكان السبب الرئيس فى القطيعة أن شاعرا منهما يريدنى ناقدا أدبيا وأنا لست بناقد، وأن قاصا منهما يريدنى ناقدا أدبيا وأنا لست بناقد، هما لا يريدان أن اكون على هواى قارئا ذواقه أتعامل مع النصوص الأدبية ككائن برى يعشق الحياة، وعدم قدرتى على التكيف ناقدا أدبيا على هوى بعضهم سبب عزوفا عنى من كاتبة وشاعرة سعودية، وكاتبة وقاصة من أصل فلسطينى، وثلاث مصريات هن شاعرة ومدونة وكاتبة، وسبب ذلك العزوف إننى لم استطع الدخول فى الأجواء الأدبية لواحدة منهن.

صحيح أن القراء ممن يستسيغون ذائقة العمل الأدبى قليلون، الأقل جدا بين الناس من يمسكون بالقلم قاصدين الكتابة الأدبية، وبين من يمسكون بالقلم غالبية غالبة لا تعانى مشاكل التعامل مع الواقع وتفسيره، هذه الغالبية تتجرأ على الكتابة باستهانة بالغة كأن الكتابة الأدبية فعل تنطع يمارسه كذابون أو لصوص، هكذا مع التنطع فى الكتابة يصبح من النادر أن تجود البشرية بكاتب عظيم.

بعض من راسلنى على النت لم ترق لى كتابته ففضلت أن اهتم بوقائع صورته الشخصية المرسومة على صدر حديث أجرته صحيفة معه، أرسل هو إلى موقع الصحيفة على النت، وجدت على صدر الموقع صورة بالألوان لكاتبة صحتها عفية وأسنانها الأمامية متراصة وتشرع فى الابتسام، وحين رأيت أن أعمالها الأدبية متواضعة الإمكانية رأيت الانصراف عن التعليق على مجمل تلك الأعمال قاصدا الانشغال فى مقارنات فارقة بينى وبين الكاتبة، فأنا لا أتجرأ مثلها على الكتابة بعد أن هاجمنى الكبر وتساقطت أسنانى وأصبحت إخفى ضحكاتى وكثيرا من كتاباتى المهترئة، ومن باب التهكم رأيت أن انتشار وجودى الأدبى هو مجرد فعل بسيط يمكننى القيام به على شاكلة ما تقوم هى به، تخلصى من مرض السكرى وآلام المفاصل وضغط الدم والتخلف العقلى، كلها أسباب كافية لأن أعيد الضحكات والابتسامات والقهقهات إلى سمائى لأصبح أنا أيضا كاتبا فحلا وعتيدا.

إننا نعانى فى الأعمال الأدبية من مشكلة خطيرة ومتوارثة، مدعو الأدب لا يدركون ما نعانى من تضخم ذواتهم وإلحاحهم وتنطعهم الأدبى، مدعو الكتابة يبحثون عن النقاد ( الموضوعين والمستنيرين)، ومدعو النقد يرتزقون على حساب الكتّاب ( المبدعين والمستنيرين)، وسط هذا الجو المشوب بالادعاءات الكاذبة ينسى الكاتب المتواضع والناقد الفسل أن يبحثا عن القارئ المتلقى صاحب الحظوة والسر الأكبر فى إعطاء العمل الأدبى صفة الحياة أو الموت، إن عديمى الموهبة فى سبيل ما يرون انه الموضوعية والإبداع ينسون ايجابية القارئ المتلقى أو على الأقل يطرحون ذائقته الفنية جانبا.

الآن، إلى غير الموهوبين من الكتاب ويتصلون بى قاصدين رأيى النقدى فى أعمالهم الأدبية، إليهم نصيحتى، ابتعدوا عنى فانا قارئ غندور لست أجيرا لدى كاتب بعينه أو متواطئا مع ناقد بعينه، أنا قارئ غندور أقرأ ما يعن لى واستمتع بما يحلوا لى، أنا قارئ غندور يحب الحياة ويرى أن بها متعا كثيرة صالحة للتذوق من بينها ذائقة العمل الأدبى، وذائقتى الأدبية ليست على هوى كثير من محدودى الثقافة.

Tuesday, April 15, 2008

جدل التمييز الدينى والدولة المدنية

من المؤكد أن الحياة هى ما نحياه فعلا، والحياة البشرية جمع من وقائع تتحرك عبر الزمن، والزمن له حالات من التواتر والتتابع، قد يكون الزمن خطا أو مجموعة من الخطوط تبدأ من نقطة تتواثب بعدها نقاط لتصل إلى نقطة النهاية وقد يكون الزمن منحنى أو مجموعة من المنحيات تتواصل بدايتاها مع نهاياتها لتصنع دورات تتراوح بين التكرار والثبات بين مطلق أو نسبى.

سواء أكان الزمن فى وجوده الخاص مستقيما أو لولبيا أو دائريا، إلا أن الإنسان فى جدله مع الحياة قد جرى على تقسيم الزمن إلى ثلاث مناطق قد تتشابك أو تنفصل، ماض نعرف بعضا عنه من ذاكرة احتمالية تطغى عليها المعرفة الإيمانية، وحاضر نحياه بحواس يطغى عليها المعرفة العلمية، ومستقبل نصنعه بأحلام تطغى عليها المعرفة الإيمانية مرة أخرى، وانتقال الزمن بين تلك المناطق هو انتقال محتوم بضرورة الوجود الجدلى للحياة.

الإيمان منهج فردى لمعرفة وتفسير العالم يعتمد على مصادرات عقلية، لذلك فهو منهج يحتمل كثيرا من الاتساع فى مجال تفسير وجود العالم، فإذا كان البشر قد خلقوا من نطفة حصان فان الوجود البشرى يقبل تفسيرا على مصادرة وجود هذا الحصان، وإذا كان البشر قد كان أبوهم آدم فان العالم يقبل تفسيرا آخر على مصادرة وجود آدم، وإذا كان لون دم البشر يختلف بين دم أزرق ودماء أخرى فان للجنس الأبيض مصادرة التفوق على باقى الأجناس وهكذا تتعدد التفسيرات بتعدد المصادرات.

العلم منهج موضوعى جماعى لمعرفة وتفسير العالم لا يقبل المصادرات ويناقش وجودها، العلم منهج يعتمد على البديهيات العقلية والحواس الغريزية فى فهم العالم، فلا حصان بدون زيل، ولا آدم بدون حواء، ولا دم بشرى غير أحمر، هكذا الإيمان يستخدمه الإنسان فى تفسيره للماضى وفى صناعته للمستقبل، والإيمان يعايش الحاضر بقدر بما يحقق من مصالح فردية لبعض البشر.

الإيمان هو مدخل أوسع للإنسان لتفسير لكل من الماضي والحاضر، مثال ذلك وجود الأهرامات المصرية لها تفاسير فى الماضى، هناك من يقول إنها معجزات أقامها عماليق من غير البشر وهناك من يقول إنها نتاج حضارة بشرية ممكنة الحصر والنقل، وغير ذلك من تفاسير، ووجود الأهرامات المصرية له تفاسير فى الحاضر، تفسير يرى فيها صلابة أحجار وعبقرية بنيان، وتفسير يراها رموزا للعبر وصلاحيتها كأحد موارد السياحة، وغير ذلك من تفاسير والعلم يرى الأهرامات أبنية هندسية ونسق اجتماعى وتطور تكنولوجى وتنظيم إدارى، هكذا يكون العلم هو المدخل الأكثر انضباطا لتفسير كل من الماضى والحاضر واستشراف المستقبل، وهكذا يعمل العلم يصنف المعلومات ويصنع معرفة موضوعية.

الإيمان إذن هو مدخل الإنسان لتصور المستقبل، بعض الناس يرى أن الحياة من صنع خالق فوق مستوى الإنسان وأن مستقبل البشر واقع حيث قدّره الخالق، وبعض الناس يرى الحياة فى متناول يد الإنسان ويمكن صناعتها تجديدا وإضافة وتطويرا وأن مستقبل البشر واقع فى أيديهم، وأبعاض أخرى من البشر ترى نظرات مغايرة وربما متناقضة للحياة ومستقبلها، هكذا الإيمان إذا تجاوز المصادرات وخفض من أعدادها انضبطت رؤية الأفراد المؤمنين للعالم واقتربوا مناهج حياتهم أكثر إلى المنهج العلمى.

بقى أن للإنسان أدوات يجادل بها وجوده فى الحياة، يستخدم الحواس والعقل كأدوات لمعرفة الحاضر من خلال منهج علمى تتساوى عنده الفروض مع المصادرات ويسمح للفرد البشرى بتخزين المعرفة ونقلها بين البشر، هكذا تتجاوز المعرفة العلمية إمكانيات الأفراد الخاصة والمتباينة بسبب ممارسة حياتهم فى موطن جغرافى بذاته أو قبيلة اجتماعية بعينها، بينما يكون الحدس والأحلام أدوات الإيمان للفرد البشرى، الحدس يفسر بها الماضى والأحلام يستشرف بها المستقبل، هكذا يكون المنهج العلمى هو المدخل الأكثر انضباطا لتفسير كل من الماضى والحاضر واستشراف المستقبل.

إن الإيمان منهج فردى يعتمد على مصادرات فى معرفة الحياة وتفسيرها، الإيمان منهج معرفة ذاتى لا يقبل الاعتراف بمنهج أخر وان قبل فكرة التصالح مع ذلك الآخر، فكل دين هو منهج إيمانى ناسخ لغيره من الأديان، هكذا لا يمكن تعميم الدين على جميع البشر كمصدر وحيد لمعرفة الحياة والتعامل معها، ويبقى أن المنهج العلمى منهج معرفة موضوعى لا يعترف بالمصادرات، يتجاوز الفروق الفردية ويصل إلى الجماعات المتباينة، ويعترف بوجود مناهج أخرى محتمله للبحث عن المعرفة ويطرق أسباب التقدم.

الآن البشر يعيشون فى كيانات سياسية تتعدد عوامل تكوينها ويتعاظم حجمها من أسرة إلى عائلة إلى قبيلة إلى دولة.

احدى النظريات لتفسير وجود الدولة هى نظرية العقد الاجتماعي ويرى أصحابها أن الدولة كائن مستقل جرى تعاقد بينه وبين الجماعات المكونة له على ضمان حماية الحريات وتأصيل الحدود بين مجموعات تتفق على الحقوق والواجبات يربطها أساس قانونى من الأهلية والكفاءة، هذا العقد يوضع فى دستور فوقى ثابت للدولة تنبع منه كافة القوانين التى تقود النسق المعرفى للجماعات المكونة للدولة.

هناك نظريات أخرى تطرح تفسيرات أخرى لوجود الدولة، من بينها نظرية ترى حب الحياة هو الأساس لوجود الأشكال المتباينة من صور الأسرة العائلة القبيلة الدولة، هذه النظرية تراعى حركة الجدل البشرى أخذا وعطاء وتأثرا بين العوامل المختلفة والحاكمة للوجود البشرى وترى أن دستور الدولة عمل وضعى يمكن تعديله كلما أقبلت المجموعات على أمر جديد, نظرية حب الحياة لا تقيم وزنا لذلك الفصل التعسفى بين حرية الجماعة على حساب حرية الفرد، الذى يضع حد للتوازن بين البشر هو جدل الإنسان، ويصبح للشمول الفكرى تمارسه الجماعة الغالبة فى حالة جدل مع التكلس الفكرى تمارسه الأقلية، جدل الإنسان هذا يترك الباب مفتوحا للتخلص من الشمول والتكلس.

الآن، إذا اعتبرنا أن الحياة وجود حقيقى تمارسه الأقليات والأغلبية تحت إطار الدولة فيلزم لصالح الجميع أن يسود نظام الدولة نسق معرفى يقود حركتهم فى الحاضر ويستشرف وجودهم فى المستقبل، هذا النسق المعرفى يتراوح بين الإيمان الفردى وبين العلم الموضوعى.

الآن، إذا اعتبرنا أن الوجود الإنسانى هو سعى بشرى للحرية، وإذا اعتبرنا أن الدولة هى كيان سياسى تضم بالضرورة جماعات بشرية، فلا سبيل لتقدم تلك الجماعات دون أن يحكمهم دستور يفصل بين أديانهم وبين سلطات الدولة، فللمواطنين حريات الانتقال والاعتقاد والعمل فى دولتهم، وللدولة سلطات مدنية على مواطنيها تنسق بين حرياتهم، سلطات الدولة المدنية تقوم على المساواة والعدالة بين المواطنين دون تمييز بسبب لغة أو ثقافة أو دين أو جنس.

Saturday, March 29, 2008

ديمشلت .. دعوة لجمع التراث

ليس من المعتاد أن تسمع الأذن اسم - ديمشلت - بكسر الميم وتشديد الشين بالفتحة، دون أن يطرح السامع أكثر من استفسار عن طبيعة ومعنى هذا الاسم، ديمشلت اسم قريتى التى ولدت فيها وعشت بين ربوعها أحداث صباى، قرية تبعد مسافة احدى عشر كيلومترا شمال شرق مدينة المنصورة عاصمة الدقهلية.

هناك كثير من التفاسير لاسم ديمشلت، بعضهم يقول إنه اسم فرعونى، أصحاب هذا التفسير يطرحون فكرة أن مصر بلد فرعونى قديم ومستقرة غالبية قراه ومدنه، وهذا وارد تماما فعصر الفراعنة امتد على أرض مصر أكثر من ثلاثة آلاف عام ما بين كل من الدولة القديمة والوسطى والحديثة، وأثار الفراعنة تقع جغرافيا على مقربة من قريتى، إنها آثار بنى سلام على بعد حوالى خمسة وعشرين كيلومترا جنوب شرق قريتنا.

يقولون أن ديمشلت اسم محرف لكلمتين منفصلتين هما، دم - تجلط ، وحين تم ضمهما أصبح الاسم ديمجلت بتشديد الجيم، وهو الاسم الذى تحمله قريتنا على خرائط المساحة الحكومية التى وضعت فى القرن العشرين، أصحاب هذا التفسير يرجعون الاسم إلى دماء سالت وتجلطت فى معارك دارت بين الفرنسيين وأهل المنصورة فى القرن الثانى عشر الميلادى أثناء الحروب الصليبية على مصر، ولهذا التفسير وجاهته، فقريتنا تقع على بعد ستة كيلومترات من قرينة الريدانية على شاطئ النيل الشرقى فرع دمياط حيث دارت معارك طاحنة فى ذلك العصر.

يقولون أن اسم ديمشلت هو تحريف سببه تشابه فى المواقف والوقائع بين ما حدث فى التاريخ لقريتنا وبين مثيلاتها التى حدثت لقرية - ديم اللاش أو ديملاش - الواقعة على مقربة عشرة كيلومترات شمال غرب مدينة المنصورة على الجانب الغربى من النيل.

ايا ما كانت المسميات والأسباب التى جعلت من ديمشلت اسما لقريتنا، فإن التاريخ الحى الذى عشته في ديمشلت يسرد على ذاكرتى كثيرا من الأحداث والوقائع ذات المغزى.

قبل خمسين عاما، كان عدد سكان ديمشلت أقل من خمسة ألاف نسمه، براحها كان واسعا به أجران درس وبيوت وزرائب كثيرة، بيتنا كان بالطوب الأحمر والأسمنت المسلح فى حارة الرملة بحرى البلد، وقتها كانت بيوت ديمشلت الأسمنتية لا تزيد على عشرة بيوت والبقية الباقية من البيوت مبناة من الطين أو الطوب الأحمر، اسم حارة الرملة كان انتسابا لبقعة من رمال وقعت على شاطئ بركه صنعتها أثار الفيضان السنوى للنيل على ديمشلت، كان واردا بعض التصارع والتنافس بينا نحن أهل ديمشلت فحين أسمينا أنفسنا سكان حارة الرملة أطلق علينا بقية أهل ديمشلت اسم سكان البركة، وحين كبرت ديمشلت وامتدت مساكنها شمالا، أطلق أهلها على امتدادها السكنى الجديد اسم كفر النقص بتشديد النون والقاف، من نقص بيوته واستخفافا بالقدرة الاقتصادية لغالبية سكانه، وفى المقابل كان السكان الجدد فى كفر النقص يطلقون على بقية مناطق ديمشلت إنها كلها بلد النقص.

كان فى وسط ديمشلت منخفض كبير يرشح بعض الماء فى الشتاء وحين أقيمت به قليل من مساكن الفقراء أسمينا سكانه أهل النقرة، فقاموا بالرد وأطلقوا علينا سكان الطراوة، من طراوة الطقس لغة ومن طراوة المخ وجنونه أخلاقا، وعلى حافة النقرة تواجد شارع ضيق ومتفرد أسميناه الشرم بتشديد الشين وتسكين الراء، قصير لا يزيد طوله عن عشرين مترا يصل بين حارة النقرة وحارة وسط البلد، ضيق لا يصل عرضه الى مترين فلا يمر فيه شخصان فى اتجاهين متقابلين دون أن يتماسا وتعبره حيواناتنا منفردة، شارع الشرم دارت حوله كثير من أحاديث الجدات وصناعة الأساطير فامتلأ ليلا بعفاريت تتشكل فى أرانب وقطط سوداء وحمير طويلة لا يركبها غير الأولياء والشياطين، وكان الشرم معبرا لجنيات السواقى واللقاءات السرية للأحبة ولصوص أوعية النحاس وطشوت الغسيل وجرار الدقيق، وحمل الشرم لديمشلت عشرات الحكايات من القتلى والبغايا والمشوهين يمرون فيه طوال الليل من بعد العشاء حتى آذان الفجر، هكذا كان الشرم هو المكان الرهيب لاختباء الأولاد الكبار حين يلاعبونا الاستغماية.

ديمشلت قسمها شارع كبير إلى قسمين، بحرى البلد الملئ بالأثرياء وقبلى البلد الملئ بالفقراء، ذلك الشارع الكبير دارت فيه معارك كثيرة بين سكان بحرى وقبلى وسالت فيه دماء وطلقت زيجات فأسميناه شارع الخراب، وحين نشأ فى بحرى بلدنا مقامين لأولياء قيل إنهم صالحون لم يهدأ سكان قبلى بلدنا فى الجانب الأخر من الخراب حتى أقاموا قبرا ومولدا لولى آخر أختصوه برعايتهم وأقاموا بجوار قبره نصف جامع ومضيفة يستقبلون فيها الأغراب وضيوف المآتم.

لعبت الكلاب دورا حاسما فى سيرة حياة ديمشلت، كلابنا تسرح وراء بهائمنا للحقول وتسهر عند السواقى وتنبح وراء مسحراتية شهر رمضان، تحرس بيوتنا وتعض أطفالنا ونتشاءم بالإناث منها خصوصا كلبة خالتى زهرة، كانت كلبة خالتى زهرة كلبة سوداء كسرت رجلها الخلفية فى علاقة جنسية مشهودة مع كلب غريب وسط القرية وفى لحظة الاشتباك الحميمة طاردهما بعض من حراس القيم والموتورين جنسيا وكسروا رجل كلبة خالتى زهرة وتولى الأطفال مهمة طرد الكلب الغريب بعيدا عن حمى أرض ديمشلت، لكن الكلبة الدءوب انتقمت من الجميع فعاشت سنوات وسنوات تطارد القطط وتختبئ عن العيون فى وصالها المحموم مع كلاب غريبة وقريبة وذئاب وتعاشر بعض الثعالب وملأت شوارع ديمشلت بنسل متباين من كلاب الحراسة والكسل والزهو الضعيف.

لعبت المقابر دورا كبيرا فى حياة ديمشلت، فى وضح النهار وبعض من الليل تدفن جثث الأطفال والآباء والأجداد وعلى مقربة من المقابر كانت ترعة مغلقة جعلها كثير من اهلنا مقبرة للحيوانات النافقة من الحمير خصوصا، جثث القتلى والثأر والعار لا تدفن فى العلن، مقابرنا تضم أعمال سحر للخراب وفك المربوط وربط القوى وإصابة الحمل وتسهيل ولادة الذكور وزيادة اللبن فى أثداء نسائنا وجاموسنا، وتلعب أعالى أشجار الكافور والجميز والتوت ومفارق الطرق ودورات مياه الجوامع دورا سريا فى الاحتفاظ بتعاويذ ديمشلت صاحبة الجموح والطموحات غير الشرعية.

كل هذه الأحداث مرت على ذاكرتى فى شريط رائع حين زرت قريتى ديمشلت خلال الأيام الماضية فى زيارة شوق بعد أن جاوز عمرى الستين عاما.

الآن ديمشلت قرية يزيد عدد سكانها على ثلاثين ألف نسمة تخلصت كثيرا من ثيابها التراثية الفلكلورية، تتراص فى غير جمال مبانيها الأسمنتية الضيقة على شوارع وحوارى من طين وتراب وعراء أشجار، هكذا أصبحت ديمشلت قرية تتراقص على مشارف المدن الفقيرة.

نحن فى كل أرجاء مصر بحاجة لتسجيل تراثنا الحضارى الذى عشناه فى بيوتنا وكفورنا وقرانا ومدننا قاصدين فى كل الوقت أن يكون التسجيل علميا بهدف تأصيل آليات انتمائنا إلى كل بقعة فى بلادنا.
إن وقائع جدلنا مع الحياة يحتاج إلى جهود علمية وفنية لفحص وتسجيل ما هو موجود من تراثنا نصا وشفاهة وبحثا لكل دروب حياتنا المعلنة والسرية، واننى أهيب بالجمعيات الأهلية ومراكز الشباب والبؤر الثقافية فى القرى والمدن أن تقوم بهذا العمل الجليل، هكذا تفعل كل المدن والقرى فى البلاد المتحضرة، فنحن لدينا ثراء تراثى نهدره بينما يسعى الآخرون لإضافة تراث فوق تراثهم.
=========
فى اليوم التالى لكتابة هذا المقال قرأت اضافة ثرية كتبها الأستاذ سامى حرك المحامى بالنقض فى مدونته علم مصر، واننى اشكر له جهده فيما تناول من فروض علمية حول تسجيل التراث.
=========

Monday, March 24, 2008

!! سياسة التعليم وخرابنا القومى

تطوير العمل بجامعاتنا يتطلب معايير علمية للجودة بما يعنى جودة تنظيم مدخلات عملية التعليم من طلبة وأساتذة وموارد يتبعها جودة العملية التعليمية بهدف إخراج طلاب علم نابهين، هذا الكلام النظرى يتولى مسؤولية تحقيقه على ارض الواقع الوزير ذو المنصب السياسى، والوزير السياسى يأتى بأفكاره ممن أتوا به إلى كراسى الوزارة، نعم كراسى الوزارة فللوزير أكثر من كرسى وأكثر من مكتب يجتمع عليها بلجان التطوير، ولجان التطوير تتكون من خبراء متخصصين أغلبهم من أهل الثقة ممن يقولون آمين وينتظرون رضا الوزير ليرثوا مكانته وقدراته السياسية، من أجل هذا الطموح السياسى تأكل اللجان أفكارها العلمية وتمشى مع الحركة الرائجة، يقولون هذه إرادة الله ثم إرادة الوزير، القليل من أعضاء اللجان ينتظرون تحويل أفكارهم العلمية إلى خطط وأساليب عمل، لكن الخطط والأساليب والتكتيك والاستراتيجية مرهون وجودها بتوقيع الوزير والوزير مشغول بالتواجد فى أماكن الرضا الإعلامية، هكذا تدور حلقة انهيار نظامنا التعليمى بين الوزير وبين اللجان المتخصصة.

فى كل أسبوع وشهر وسنه، تقام فى بلادنا احتفالات لإنشاء مؤسسات تعليم حكومية أو خاصة، بعضها يتبع خفارة شرقية أو سفارة غربية، وبعضها تديره حكمة "خالتى زهرة" أو خبرة "عمّو سيد"، هكذا يتردى أولادنا حيارى فى الالتحاق بمحلات علم تنتشر بين شقق غير صالحة للسكن وبين مبانى ضخمة تصلح للفنادق المتواضعة، ومع تعدد "محلات التعليم" تتعدد اتجاهات أصحابها وتفقد الأمة شخصيتها القومية المتميزة.

صحيح أن دول العالم تعيش فى قرية صغيرة نتيجة لثورة الاتصالات، إلا أن التمايز بين الأمم سيبقى أمرا طبيعيا ومطلبا إنسانيا أيضا، فحركة التاريخ الإنسانى تبقى وجود أمم تحافظ شعوبها على هويتها القومية فى الإمساك بزمام العلم والتكنولوجيا، وتنهى وجود أمم تتنازع شعوبها سياسات تعليم تتناثر بعيدا عن انتمائها القومى.

كل مؤسسات التعليم فى بلادنا، تخضع لإشراف هامشى مدفوع الأجر، مؤسسات التعليم العام تخضع لمناورات سياسية ضيقة لأحزاب غير واضحة المنهج تخترق توجهاتها كثيرا من ثوابت تواجدنا القومى والحضارى، ومؤسسات التعليم الخاص يمتلكها أفراد يخترقون كثيرا من القوانين المالية والاجتماعية ينتهزون الفرص للإمساك بسلطة يديرون بها عقولنا، كلها مؤسسات تدين بالولاء لمن يملك صوتا أعلى فى سوق التجارة بوعينا القومى، هكذا تتحول "خصخصة" التعليم إلى تجارة الخاسر فيها كل أفراد الأمة.

إن مهمة الحفاظ على هويتنا القومية انتماء ووجودا، تتطلب فحص توجهات كل مؤسسات التعليم فى بلادنا وإخضاعها لفاعلية الرقابة والتقييم على أسس موضوعية تتجاوز التوجهات السياسية أو الحزبية لهذا الوزير أو ذاك، توجهات توضع أسسها فى دستور واضح لا تتأثر ملامحه بتغير وزير أو بنقل خبير.
=============================

Saturday, March 08, 2008

قداسة لغتنا العربية

اللغة العربية إحدى اللغات الرسمية الست فى الأمم المتحدة ـ الإنجليزية والفرنسية والأسبانية والعربية والروسية والصينية ـ ومع ذلك الوجود السياسى للغة العربية إلا أننا كناطقين بها لا نشارك بالقدر الكافى فى إنتاج الحضارة المعاصرة، ونعانى من تعثر ثقافتنا فى استيعاب مفردات تلك الحضارة.
تقول الدراسات الإحصائية إن عدد الناطقين بالعربية بلهجاتها المختلفة لا يزيد عن ثلاثمائة مليون نسمة، قيمة إنتاجهم الاقتصادى لا تزيد عن قيمة إنتاج أربعين مليون إنسان هم سكان أسبانيا، الدولة الأوروبية المتوسطة القوة، ونسبة الأمية فى القراءة والكتابة بين أهل العربية تصل إلى ستين فى المائة، أى أن من يعرفون العربية كلغة تواصل حضارى لا يزيدون عن مئة وعشرين مليون إنسان، وعدد هؤلاء يماثل أربعين فى المائة من سكان الولايات المتحدة، ويماثل ربع سكان أوروبا الموحدة، ويزيد قليلاً عن عدد سكان اليابان0
الوقائع من حولنا ترصد أن لغتنا العربية المعاصرة ضعيفة المشاركة فى صنع مفردات الحضارة الحديثة مقارنة باللغة الإنجليزية، وهى اللغة الدولية المعاصرة، ويتكلم بها أكثر من أربعمائة مليون نسمة، ويدون بها أكثر من خمسة وثمانين بالمئة من كافة العلوم الإنسانية والتطبيقية المعاصرة.
وضعف أى لغة يرجع لضعف أهلها، ونحن نعانى من ضعف الترجمة العلمية، فلا نقف على أسباب الحضارة، ونعانى من ضعف البحث العلمى، فلا نشارك فى صنع تلك الحضارة، ونعانى من الكبت السياسى، فلا تحمل لغتنا ثراء التواصل الإبداعى بين الأحرار، هكذا لا يبقى للعربية من وجود فاعل غير قداسة دينية يؤمن بها المسلمون وعددهم يفوق المليار إنسان، حوالى سدس سكان العالم، هم أقرب للتخلف منهم إلى التحضر.
الراصد المحايد للغتنا العربية بين طلاب العلم وفى المؤسسات الإعلامية، يرى أنها لغة تتجه للسكون فى المتاحف، بعد أن كانت لغة قوم عاشوا متحضرين ردحاً من الزمن. وسبيلنا للنهوض الحضارى أن نضرب فى الأرض تقدماً بأسباب العلم، ولا نضرب تخلفاً بخرافات قوم كسالى يستهلكون عوادم الحضارة ويكتفون بالتبرك بقداسة لغتهم.
================================

Tuesday, March 04, 2008

مطرب بالصدفة

فى ستينات القرن الماضى، عند مداخل الشباب، طرقت مدينة القاهرة أدرس علوم التجارة فى الجامعة، مقتنعا أن لدى قدرات خاصة تصلح لتشغيلها فى وظائف تدر دخلا كبيرا وتحقق شهرة واسعة.
فى تلك الأيام قامت حياتى الاقتصادية فى القاهرة على وصول حوالة بريديّة يرسلها أبى من القرية فى ضواحى المنصورة، حوالة بريدية تحمل ستة جنيهات مصرية هى كل مصروفى الشهرى للطعام والسكن والترفيه أيضا.

ذات مرة تأخر وصول حوالة المصروف فعضّنى ضنك الأيام تمرُّ فى انتظار الفَرَج ولا فرج، وفى صبيحة يوم الخميس، السّابع من تاريخ تأخر وصول الحوالة، قرأت إعلانا عن مسابقة لتعيين مطربين جدد ستجرى فى مساء نفس اليوم ، فقررت تشغيل قدراتى بالدخول فى المسابقة، واثقا أن السّويعات الباقية أمامى تكفى جداً لتجهيز مُعدّات شغٌل أية وظيفة.

ذهبتُ للمكوجى حاملاً جاكتّتى الوحيدة، خضراء اللون مشقوقة الجانبين، متأبّطا بقايا صحيفة لففت بها بنطلونى الرّمادى، مرتديا قميصى الأبيض، وأخبرت المكوجى بما أنا مقدم عليه، فأخذ بتلابيب هدومى يكويها ويقدم النّصح لى، واستعرضت أمام رواد المحل إمكانياتى الصوتية، منفرطا فى تقليب وتعديل ما أحفظه من أغنيات، وانفرط صديقى المكوجى يدندن بمواويل وأنغام وطرف ويدس فى أذنى أنها نبراس وهدى لأدائى الجميل.

ولما كانت الأحداث تعرف الدوران لصالحى انطلق راديو صديقى يقلد صوت ليلى مراد ( يا شحاتين الغرامّ)، وأصغيت أنا للمطربة العظيمة مقلدا ومردّدا ومُؤلّفا، وعند نهاية الأغنية أصبحت مدينا بثلاثة قروش لمكوة الجاكته، وبقرش ونصف لمكوة البنطلون، وبعض التعاطف من المارة، وحين علم المكوجى بأننى سأتسابق بنفس قميصى الأبيض طلب منّى خلٌع القميص وكوى اليَاقة والصَّدر مجانا.

أخذتنى حمى الطرب، أتراقص فى الشارع وأتواثب على السّلم، أدرَّب حنجرتى على مقاطع اقتدار لمطربين ومطربات أحبهم، صالح البرش وعيشة المنصورية وأبو دراع، ومررت بحنجرتى على أصوات لا أحبها، عبد الحليم وشادية وفيروز، ودخلت الشّقة رافعا حنجرتى بالغناء، أدسُّ صوتى فى أذن زميل يسكن معى ويقرضنى بعض النقود، ولسبب غير واضح امتعض زميلى وامتشق فردة حذاء وتأسد يطارد جثتى فى أرجاء الشّقة، فانفردت فى الحمام استكمل تدريباتى الأخيرة، وأرطّب الجثّة المنهكة بالماء البارد، كان رجعُ صَّدى صوتى فى الحمَّام يملأنى ثقة فى أننى سأحصل على ذهب كل المطربين، وسأسدّد ديونى لكل البشر.

فى الموعد المحدّد، وقفت على خشبة مسرح متسع، تراصت أمامى لجنة استماع وتراص خلفها عدد من المتسابقين والمتسابقات، هدومهم مكوية وشعر بعضهم منكوش، وتراصّت خلفى فرقة موسيقية، وفى اللحظة المناسبة سألنى قائد الفرقة، ماذا ستقدم يا أستاذ؟ فأجبته واثقا ( الست ليلى، يا شحاتين) .

من الصالة أشار أحدهم ( سَمَعٌ هُسّ) فصمت كثيرون، وخفتت إضاءة المسرح، وتجسدت أعضاء الفرقة أشباحا تلعب موسيقى لا أعرف لها ضبطاً أو ربطاً، وانصرفت بعيدا عن الجميع أقضب الجبين وارفع الحواجب وأغمض العينين، أتحسس بالإبهام شحمة أذنى اليسرى، أرجع أدائى بثقة الحافظ المُردّد، وحين رأيت كثيرا من العيون تشعٌّ بتيه الطّرب من أدائى، رفعت عقيرتى بالغناء، ناظراً إلى ظلمة سقف المسرح ومستمرا فى الغناء، فجأة شعرت بأن الموسيقى توقفت، ولمحت إشارات حانية من اللجنة تستأذننى التوقف، عندها أيقّنت أننى أحرزت انتصاراً فنيا، فاستمرأت ترديد المزيد من كلمات الأغنية حتى صدمنى قول أحدهم (قَرَفتُونا الله يخرب بيوتكم)، وفجأة هاجمتنى الأنوار المبهرة تكشف المسرح، وبانت لى اللجنة تأمرنى بالتّوقف.

لم أعرف نتيجة تلك المسابقة الغنائية حتى اليوم، ومازلت أتساءل، لماذا تتسلط إضاءة المسرح على عيال من مطربي هذه الأيام، صوتهم دون صوتى، وكثير منهم لا يكوى الهدوم؟0

Thursday, February 21, 2008

كتابنا الجامعى .. فساد صغير

كثير من الناس يرهبون ضخامة الفساد ويستكثرون وقائعه، تتعثر جهودهم فى الإصلاح ويشيع بينهم الاستسلام لكل فاسد، لكن القليل منهم يرى أن محاربة الفساد والقضاء عليه أمر ممكن، فالفساد الكبير مجموع كبير من أشياء صغيرة فاسدة، أشياء يمكن الإمساك بها والتعامل معها بالبتر والتعديل فى سلسلة من توجه المجتمع نحو الإصلاح.

إن صناعة الكتاب الجامعى فى بلادنا من الأشياء الصغيرة الفاسدة، هى صناعة تقوم على مقومات فاسدة ومتداخلة يمكن تصنيفها إلى ثلاث، طبيعة إنتاج الكتاب وطرق توزيعه وتقسيم العائد بين أصحابه.
محددات الكتاب الجامعى:
يقصد بالكتاب الجامعى ذلك المرجع الكتاب أو المذكرة الذى يتم تداوله بين الأساتذة والطلاب الجامعين للمساعدة على تدريس مادة علمية معينة.

يتوقف إنتاج الكتاب الجامعى على طبيعة السياسة التعليمية الحاكمة فى المجتمع التى تحدد بطبيعتها توجه كل جامعة، هل هى جامعة أقسام علمية، يناط بكل قسم علمى فيها مهمة تدريس مواد بعينها على مستوى الجامعة؟ وتطبيقا لذلك يقوم قسم الرياضيات بكلية العلوم بإعداد وتدريس مناهج الرياضيات الأساسية فى كل كليات الجامعة، أم هى جامعة كليات علمية، تستقل كل كلية بتدريس مناهجها الدراسية مجتمعة؟ وتطبيقا لذلك تصبح هناك رياضيات أساسية للتجاريين فى كلية التجارة وثانية للزراعيين فى كلية الزراعة وهكذا، وجامعاتنا الآن لم يستقر نظامها على طبيعة بعينها، فكل جامعة تتراوح طبيعتها بين هذه وتلك حسب أهواء قياداتها.

كذلك تحدد طبيعة الكتاب الجامعى على أساس مناهج البحث العلمى السائدة فى المجتمع، هل هى مناهج علمية مغلقة يتصدرها منهج واحد يغلب عليه فرض نظرى بأن الأيمان أولى من المعرفة؟ أم المجتمع يبنى مناهج علمية مفتوحة تقبل تناول المناهج المختلفة وتدخلها طول الوقت فى دائرة الاختبار المعرفى، بناء على ذلك يتحدد دور الجامعة فى نشر العلم بين أفراد المجتمع، هل دور الجامعة تلقين معلومات بعينها لطلاب بعينهم؟ أم أنها مكان تفتح فيه أبواب التأصيل العلمى لمناهج التفكير المختلفة؟.

الإجابة على هذه التساؤلات الكبيرة واضحة، التعليم فى بلادنا حفظ وتلقين لملصقات تفرضها سلطة العصر الغالبة، ووجداننا الثقافى يرفض حرية التعامل مع مناهج الفكر.

يبقى تساؤل عن هوية الكتاب الجامعى بين أيدى الطلاب، هل هو مخزن منظم لمعلومات منهجية؟ يحتاجها الطلاب فى بناء وجودهم العلمى والفكرى، أم أنه وسيلة ضمن وسائل متعددة للارتزاق؟ لكثير من أعضاء هيئة التدريس بالجامعات وغيرهم من تجار الورق الردىء ومن الباحثين عن شهادات علمية مضروبة للبيع؟.

الإجابة على هذه التساؤلات الصغيرة واضحة، الكتاب الجامعى أحد وسائل الارتزاق الضرورية للغالبية العظمى من الأساتذة وبعض تجار الورق الرديء.

اللعب مع الحيتان :
حين ينتهى عام دراسى جامعى، تبدأ مناقشات داخل الأقسام العلمية بالجامعات لإعداد الكتاب الجامعى للعام الدراسى الجديد، فى ظاهر الأمر تبدو تلك المناقشات مجرد دردشة بين أصدقاء تلفهم روح المصلحة العامة يغازلون تصريحات ووعود برفعة شأن العلم والطلاب والجامعات، أما باطن الأمر فإن تلك المناقشات تتحول إلى دوامات من الصراخ والعويل والمؤامرات تلف جمعاً من حيتان كبيرة بأقدمية تواجدها الجسدى داخل الأقسام، هى أقدمية ترهل أجساد بالتعيين والصدفة لا أقدمية امتلاء أدمغة بالفكر والثقافة، ويتضارب المختصون وغير المختصين تحت وفوق الحزام من أجل الظفر بأية مكاسب فردية، وبعد أن يجهدهم الصراع يتصالح الحيتان ويرتكبون مظالم تقع على آخرين من دونهم، ظلم يقع على طلاب الجامعات من حيث مضمون وهيئة الكتاب الجامعى، وإهانة صغار أعضاء هيئة التدريس من حيث توزيع عوائد بيع الكتاب، ويشترك الجميع فى إيقاع مظالم تخسف بمستقبل العلم فى المجتمع.

رزم الورق الرديء :
فى معظم الكليات الجامعية ذات الأعداد الكبيرة من الطلاب، مثل التجارة والحقوق والآداب، يولد الكتاب الجامعى مريضا لاعتماد صدوره على الوقائع التالية :

أولا: تقوم الأقسام العلمية بتقرير المواد الواجب تدريسها للطلاب بناء على خطط باهته ومهلهلة يقتتل عليها الأساتذة وتابعوهم، فيفوز بعضهم بسيف الحياء أو سيف الجوع أو تقنيات لعبة التوازن بين الأقسام وبقصد تحقيق أكبر عائد مالى يغله الكتاب، هكذا يتم تفصيل المنهج الدراسى إلى ثوب خرق ومرتوق يرتديه الكتاب الجامعى.

ثانيا: تأليف الكتاب الجامعى يخضع لمهارات تجارة احتكار على أسس من الغبن والإرهاب يديرها الأساتذة الأقدم وظيفياً ضد زملائهم الأحدث وظيفيا،ً غبن يتعلق بمدى الجهد المبذول من الأصغر فى الإعداد والتجهيز ثم الشرح للطلاب، وإرهاب يتعلق بقضايا الترقيات والتزكيات والإعارات وغالباً ما يقوم الأحدث بمعظم العبء كتابة وتجهيزا وشرحا للطلاب، وأحيانا يكتفى الأقدم بوضع اسمه على صدر كتاب علمى دون ادنى اعتبار لمبدأ التخصص العلمى.

ثالثا: كثير من المادة العلمية يعاد اقتباسها أو ترجمتها من بين كتب سبق تقديمها فى سنوات قريبة سابقة، ويتم إعادة العرض بطريقة أوراق اللعب، فمثلا ما كان منها يحمل عنوان الباب الأول فى كتاب العام السابق يصبح نفسه حاملاً لعنوان الباب الخامس فى الكتاب الحالى.

رابعاً: يتضمن الكتاب الجامعى كثيراً من معلومات درسها الطالب فى سنوات سابقة أو أنه يدرسها فى نفس العام الدراسى تحت مسمى آخر فى قسم أخر، وحين يكتشف الأمر صدفة يتدخل العارفون بطرق العلاج فى أواخر العام الدراسى، يفتتحون موسم الشطب وتقليص المنهج وسط تصفيق الطلاب الذين خدعوا بشرائهم كتبا رديئة.

خامساً: يتم طباعة الكتاب بشكل تعسفى ليضم أكبر عدد من الصفحات ليحقق أكبر سعر بيع ممكن، ويتم توزيع الكتاب بأساليب بيع مبنية على أسس من ترهيب الطلاب أو ترغيبهم، بأن عمليات دخول الامتحان والنجاح قرينة بشراء ما يقرره الأستاذ من كتب.

الغلّة .. وحسبة برمة :
حين يجمع المختصون إيراد الكتاب، يحشد قدامى أعضاء هيئة التدريس مهاراتهم فى الحساب والاغتصاب والتكتل، يحسبون حسبة - برمة- بناء على أعراف يضعونها دون سند من قانون أو تشريع، ويتم تقسيم الغلّة بين أعضاء هيئة التدريس بطريقة تضمن السيطرة المالية للأقدم، وطبقا لمستوى أخلاقيات الأساتذة القدامى يتوزع عائد الكتاب بنسب تتفاوت بين كلية وأخرى بل تتفاوت بين قسم وقسم داخل نفس الكلية، فمثلا قد يحصل مدرس حديث التخرج فى كلية تجارة كثيرة الطلاب على إيراد من الكتاب الجامعى يتجاوز ما يحصل عليه مجموع أعضاء قسم كامل فى كلية علوم قليلة الطلاب.

البولَة .. وتوزيع السحت :
هيئة الكتاب الجامعى الحالية، تضع من يفكرون فى إصلاح أحوالنا أمام فساد مهنى وأخلاقى يمارسه كثير من أساتذة الجامعات، أساتذة ينشرون فيما بينهم أعرافا من المقامرة لتوزيع عائد بيع الكتاب يسمونها -البولَة-، يضعون نقاطا ونسبا لا يسندها غير منطق رديء وقانون واسع الفتحات، يوزعون بها على أنفسهم أموال -سُحت- حرام يجمعونها من تجارة كتب دراسية رديئة.

بحثا عن المعنى العربى لكلمة -بولَة-، يذكر المعجم الوسيط تحت كلمة -بول- أن -البال- اسم يطلق على نوع من الحيتان كبيرة الرأس من نوع منقرض، وهو حال بعض من أعضاء هيئات التدريس الجامعية، ويذكر نفس المعجم مزيدا من المعانى مما يجعلنا نرى أن معنى كلمة -بولَة- يقترب من انشغال الفكر والبال بقضايا التبول وإخراج فاسد، وهو حال كثير من محتويات الكتاب الجامعى، وعن المعنى الإنجليزى لكلمة بوول Pool فان البعلبكى يذكر فى قاموسه المورد، أنها البركة القذرة تنشا عن تجمع الأمطار فى أخاديد الشوارع، وأنها الاتفاق بين شركاء للقضاء على المنافسة، أما كلمة -بولَة- نفسها فهى ضرب من لعب البليارد المعتمد على المقامرة.

وعن معنى -السُّحت- يقول المعجم الوسيط، السّحت ما خبث وقبح من المكاسب، فلزم عنه العار، وفى التنزيل العزيز - سمّاعون للكذب أكّالون للسُّحت-، وفى كتاب آداب القاضى من سنن البيهقى، قال ابن مسعود السّحت أن يستعينك رجل على مظلمة فيهدى لك فتقبله، هكذا يمكن وصف ذلك النوع من التعاون بين أعضاء هيئة تدريس فى الجامعات، إنهم يشتركون فى ظلم الطلاب بإعطائهم كتبا رديئة ويأكلون من أموال الطلاب سحتا.

للأسف إن كثيرا من فقهاء النفاق فى جامعاتنا يرون فى –البولة- آلية من آليات الحفاظ على حقوق تأليف فكرية لأصحاب الكتب، والواقع أن قلة نادرة من الأساتذة هى التى تسهم فى عمليات الإبداع والمؤلفات العلمية، الغالبية من أعضاء هيئة التدريس بجامعاتنا يعتمدون فى كتاباتهم على القص واللصق من كتب أبدعها الآخرون، يتعايشون مع تجارة الرقيق الفكرى ويبررون أكلهم السحت.

الخروج من الجب :
الخروج من هذه الصورة المأساوية للكتاب الجامعى يتطلب معرفة موضوعية تقرر أن لكل علم منهجاً ومبادئ وأساسيات لا تتغير طوال فترات طويلة نسبيا، عشر سنوات مثلا، وأن طلاب مرحلة الجامعية قبل الدراسات العليا فى حاجة ماسة لكتب مرجعية واضحة الأسلوب جيدة الخصائص، والكتب الجيدة علميا تحتاج إلى خبرات وسنوات لإنتاجها.
فيما يلى نضع بعض الحلول المقترحة لتحسين هيئة الكتاب الجامعى:

أولا: وضع ميثاق شرف بين العاملين بهيئات التدريس بالجامعة يشعرون معه انه قادة فكر ويلزمهم بأخلاق مهنية، فلا يلجأ أحدهم لحل مشاكله الاقتصادية أو الاجتماعية عن طريق الاستغلال غير الأخلاقى لطبيعة عمله.

ثانيا: تشكل لجان علمية متخصصة على مستوى الجامعة لتحديد المناهج الدراسية وتقوم تلك اللجان باختيار الكتب المناسبة شراء أو تأليفا أو ترجمة.

ثالثا: تتولى الجامعة تحديد الأتعاب الحقيقية لعمليات التأليف أو الترجمة، وتتولى بنفسها عملية نشر وتوزيع الكتاب الجامعى بين الطلاب وغيرهم من المستهلكين.

رابعا: يقتصر التدريس والشرح للطلاب على الكتب المختارة على أن يقوم بالتدريس من يملك كفاءة علمية وقدرة شخصية، على أن تتوفر بالجامعة آليات لتحديد قدرات أعضاء التدريس والاستفادة منها، فهناك من يجيد شرح المناهج للطلاب وأخر يجيد الكتابة والتأليف وثالث يجيد البحث والتقصى، وهناك من لا يصلح أن يكون أستاذا جامعيا بالمرة.

خامسا: تشكيل لجان علمية تتولى وضع امتحانات الطلاب وتصحيح النتائج، ليدرك الطلاب أن الفهم والنجاح فى الامتحان غير مرتبط بشخص معين أو بكتاب معين.

أخيرا، إن حل مشكلة الكتاب الجامعى يتطلب من أهل الاختصاص أن يضعوا من المناهج والآليات عصا غليظة فى يد المجتمع، يهش بها جوعى يعتبرون عائد الكتاب الجامعى بمثابة حصتهم المفقودة من عائد الدروس الخصوصية، ويوقف بها نزيف سحت فكرى وأخلاقي يعصف بمستقبل شباب هذه الأمة الوطن.

Monday, February 18, 2008

الكتابة على باب مصر

الكتابة أمر مزعج، إنها بعض من كلامنا لتفسير الوجود، وفى محاولاتنا نحو التفسير لحياتنا نظل نعانى فى اختيار الموضوعات والمضامين المصاحبة لكلامنا، ويصيبنا شوق الحياة بالرغبة فى الحفاظ على كلامنا صالحا للبوح.

الكتابة فى بلاد العربية أمر أكثر إزعاجا، فكتّابنا بشر يملأ وجدانهم العيش فى بلاد تحفّ بواديها وحواضرها نتف من حضارة مشوهة، كتاباتهم على الأوراق والصحف ووسائل الإعلام، حاضرنا كلام ساكت يضيع الوقت ويهين الفكر، لا يقترب من واقع حياتنا، لا يسعى نحو التحليل والتفسير واستشراف حلول حضارية تدفع بنا بعيدا عن واقع تخلفنا المهين، حاضرنا كلام ساكت لا تحركه من الرقاد غير قلوب محبة لا تخشى فعلة البوح ولا تألم من حرية التجريب.

شكرا لتجارب عشتها وأعيشها، تسمح لى بأن أعلن فخراً، على سطح منزلى فى حى الهرم بمدينة الجيزة، تلثم عينى كل يوم ضوء أهرامات الفراعنة، أعيش فى تمازج مع قاهرة المعز مدينة الألف مئذنة، أفتح بيتى وأطعم أولادى من العمل فى مدينة المنصورة، حيث أقدام جند الملك الصالح وزوجته الملكة شجرة الدر، تأسر لويس التاسع ملك فرنسا فى الحروب الصليبية.

شكرا لتجارب رسخت فى وجدانى أنى إنسان حر، فأنا قارب أعشق ماء النيل وأسبح فى طين الأرض المصرية، وأنا مشروع كاتب أصوغ وجدانى بكلمات عربية، أنا مصرى أدق بكل الأكف حياة لأرض الكنانة، أرض مصر.

ولأنى كاتب أسعى نحو الحرية، أتجرع مشاكل نشر الكتابة فى وسائل إعلامنا الرسمية داخل الحدود، مكبل بموروثات ومحاذير وعوائق، من رشوة وفساد ومداعبة غرائز سلطات تعبث بالعقول وتفسد القلوب، فشكرا لحضارة علمية حديثة ( حضارة النّت ) تسمح لى أن أنشر عبر الحدود بعضا من معاناتى، قاصدا شرح مفاهيمى دون معاقرة كثير من الخوف.


إن ما أنشره هنا من كتابات أعرضه أمام أهل ( النّت )، ولا أرضى أن يكون من بين قرائى، أجلاف أو كهنة أو مندوبون عن السماء، فعلى باب مصر لا يلقى بالدر أمام الخنازير.