Thursday, February 21, 2008

كتابنا الجامعى .. فساد صغير

كثير من الناس يرهبون ضخامة الفساد ويستكثرون وقائعه، تتعثر جهودهم فى الإصلاح ويشيع بينهم الاستسلام لكل فاسد، لكن القليل منهم يرى أن محاربة الفساد والقضاء عليه أمر ممكن، فالفساد الكبير مجموع كبير من أشياء صغيرة فاسدة، أشياء يمكن الإمساك بها والتعامل معها بالبتر والتعديل فى سلسلة من توجه المجتمع نحو الإصلاح.

إن صناعة الكتاب الجامعى فى بلادنا من الأشياء الصغيرة الفاسدة، هى صناعة تقوم على مقومات فاسدة ومتداخلة يمكن تصنيفها إلى ثلاث، طبيعة إنتاج الكتاب وطرق توزيعه وتقسيم العائد بين أصحابه.
محددات الكتاب الجامعى:
يقصد بالكتاب الجامعى ذلك المرجع الكتاب أو المذكرة الذى يتم تداوله بين الأساتذة والطلاب الجامعين للمساعدة على تدريس مادة علمية معينة.

يتوقف إنتاج الكتاب الجامعى على طبيعة السياسة التعليمية الحاكمة فى المجتمع التى تحدد بطبيعتها توجه كل جامعة، هل هى جامعة أقسام علمية، يناط بكل قسم علمى فيها مهمة تدريس مواد بعينها على مستوى الجامعة؟ وتطبيقا لذلك يقوم قسم الرياضيات بكلية العلوم بإعداد وتدريس مناهج الرياضيات الأساسية فى كل كليات الجامعة، أم هى جامعة كليات علمية، تستقل كل كلية بتدريس مناهجها الدراسية مجتمعة؟ وتطبيقا لذلك تصبح هناك رياضيات أساسية للتجاريين فى كلية التجارة وثانية للزراعيين فى كلية الزراعة وهكذا، وجامعاتنا الآن لم يستقر نظامها على طبيعة بعينها، فكل جامعة تتراوح طبيعتها بين هذه وتلك حسب أهواء قياداتها.

كذلك تحدد طبيعة الكتاب الجامعى على أساس مناهج البحث العلمى السائدة فى المجتمع، هل هى مناهج علمية مغلقة يتصدرها منهج واحد يغلب عليه فرض نظرى بأن الأيمان أولى من المعرفة؟ أم المجتمع يبنى مناهج علمية مفتوحة تقبل تناول المناهج المختلفة وتدخلها طول الوقت فى دائرة الاختبار المعرفى، بناء على ذلك يتحدد دور الجامعة فى نشر العلم بين أفراد المجتمع، هل دور الجامعة تلقين معلومات بعينها لطلاب بعينهم؟ أم أنها مكان تفتح فيه أبواب التأصيل العلمى لمناهج التفكير المختلفة؟.

الإجابة على هذه التساؤلات الكبيرة واضحة، التعليم فى بلادنا حفظ وتلقين لملصقات تفرضها سلطة العصر الغالبة، ووجداننا الثقافى يرفض حرية التعامل مع مناهج الفكر.

يبقى تساؤل عن هوية الكتاب الجامعى بين أيدى الطلاب، هل هو مخزن منظم لمعلومات منهجية؟ يحتاجها الطلاب فى بناء وجودهم العلمى والفكرى، أم أنه وسيلة ضمن وسائل متعددة للارتزاق؟ لكثير من أعضاء هيئة التدريس بالجامعات وغيرهم من تجار الورق الردىء ومن الباحثين عن شهادات علمية مضروبة للبيع؟.

الإجابة على هذه التساؤلات الصغيرة واضحة، الكتاب الجامعى أحد وسائل الارتزاق الضرورية للغالبية العظمى من الأساتذة وبعض تجار الورق الرديء.

اللعب مع الحيتان :
حين ينتهى عام دراسى جامعى، تبدأ مناقشات داخل الأقسام العلمية بالجامعات لإعداد الكتاب الجامعى للعام الدراسى الجديد، فى ظاهر الأمر تبدو تلك المناقشات مجرد دردشة بين أصدقاء تلفهم روح المصلحة العامة يغازلون تصريحات ووعود برفعة شأن العلم والطلاب والجامعات، أما باطن الأمر فإن تلك المناقشات تتحول إلى دوامات من الصراخ والعويل والمؤامرات تلف جمعاً من حيتان كبيرة بأقدمية تواجدها الجسدى داخل الأقسام، هى أقدمية ترهل أجساد بالتعيين والصدفة لا أقدمية امتلاء أدمغة بالفكر والثقافة، ويتضارب المختصون وغير المختصين تحت وفوق الحزام من أجل الظفر بأية مكاسب فردية، وبعد أن يجهدهم الصراع يتصالح الحيتان ويرتكبون مظالم تقع على آخرين من دونهم، ظلم يقع على طلاب الجامعات من حيث مضمون وهيئة الكتاب الجامعى، وإهانة صغار أعضاء هيئة التدريس من حيث توزيع عوائد بيع الكتاب، ويشترك الجميع فى إيقاع مظالم تخسف بمستقبل العلم فى المجتمع.

رزم الورق الرديء :
فى معظم الكليات الجامعية ذات الأعداد الكبيرة من الطلاب، مثل التجارة والحقوق والآداب، يولد الكتاب الجامعى مريضا لاعتماد صدوره على الوقائع التالية :

أولا: تقوم الأقسام العلمية بتقرير المواد الواجب تدريسها للطلاب بناء على خطط باهته ومهلهلة يقتتل عليها الأساتذة وتابعوهم، فيفوز بعضهم بسيف الحياء أو سيف الجوع أو تقنيات لعبة التوازن بين الأقسام وبقصد تحقيق أكبر عائد مالى يغله الكتاب، هكذا يتم تفصيل المنهج الدراسى إلى ثوب خرق ومرتوق يرتديه الكتاب الجامعى.

ثانيا: تأليف الكتاب الجامعى يخضع لمهارات تجارة احتكار على أسس من الغبن والإرهاب يديرها الأساتذة الأقدم وظيفياً ضد زملائهم الأحدث وظيفيا،ً غبن يتعلق بمدى الجهد المبذول من الأصغر فى الإعداد والتجهيز ثم الشرح للطلاب، وإرهاب يتعلق بقضايا الترقيات والتزكيات والإعارات وغالباً ما يقوم الأحدث بمعظم العبء كتابة وتجهيزا وشرحا للطلاب، وأحيانا يكتفى الأقدم بوضع اسمه على صدر كتاب علمى دون ادنى اعتبار لمبدأ التخصص العلمى.

ثالثا: كثير من المادة العلمية يعاد اقتباسها أو ترجمتها من بين كتب سبق تقديمها فى سنوات قريبة سابقة، ويتم إعادة العرض بطريقة أوراق اللعب، فمثلا ما كان منها يحمل عنوان الباب الأول فى كتاب العام السابق يصبح نفسه حاملاً لعنوان الباب الخامس فى الكتاب الحالى.

رابعاً: يتضمن الكتاب الجامعى كثيراً من معلومات درسها الطالب فى سنوات سابقة أو أنه يدرسها فى نفس العام الدراسى تحت مسمى آخر فى قسم أخر، وحين يكتشف الأمر صدفة يتدخل العارفون بطرق العلاج فى أواخر العام الدراسى، يفتتحون موسم الشطب وتقليص المنهج وسط تصفيق الطلاب الذين خدعوا بشرائهم كتبا رديئة.

خامساً: يتم طباعة الكتاب بشكل تعسفى ليضم أكبر عدد من الصفحات ليحقق أكبر سعر بيع ممكن، ويتم توزيع الكتاب بأساليب بيع مبنية على أسس من ترهيب الطلاب أو ترغيبهم، بأن عمليات دخول الامتحان والنجاح قرينة بشراء ما يقرره الأستاذ من كتب.

الغلّة .. وحسبة برمة :
حين يجمع المختصون إيراد الكتاب، يحشد قدامى أعضاء هيئة التدريس مهاراتهم فى الحساب والاغتصاب والتكتل، يحسبون حسبة - برمة- بناء على أعراف يضعونها دون سند من قانون أو تشريع، ويتم تقسيم الغلّة بين أعضاء هيئة التدريس بطريقة تضمن السيطرة المالية للأقدم، وطبقا لمستوى أخلاقيات الأساتذة القدامى يتوزع عائد الكتاب بنسب تتفاوت بين كلية وأخرى بل تتفاوت بين قسم وقسم داخل نفس الكلية، فمثلا قد يحصل مدرس حديث التخرج فى كلية تجارة كثيرة الطلاب على إيراد من الكتاب الجامعى يتجاوز ما يحصل عليه مجموع أعضاء قسم كامل فى كلية علوم قليلة الطلاب.

البولَة .. وتوزيع السحت :
هيئة الكتاب الجامعى الحالية، تضع من يفكرون فى إصلاح أحوالنا أمام فساد مهنى وأخلاقى يمارسه كثير من أساتذة الجامعات، أساتذة ينشرون فيما بينهم أعرافا من المقامرة لتوزيع عائد بيع الكتاب يسمونها -البولَة-، يضعون نقاطا ونسبا لا يسندها غير منطق رديء وقانون واسع الفتحات، يوزعون بها على أنفسهم أموال -سُحت- حرام يجمعونها من تجارة كتب دراسية رديئة.

بحثا عن المعنى العربى لكلمة -بولَة-، يذكر المعجم الوسيط تحت كلمة -بول- أن -البال- اسم يطلق على نوع من الحيتان كبيرة الرأس من نوع منقرض، وهو حال بعض من أعضاء هيئات التدريس الجامعية، ويذكر نفس المعجم مزيدا من المعانى مما يجعلنا نرى أن معنى كلمة -بولَة- يقترب من انشغال الفكر والبال بقضايا التبول وإخراج فاسد، وهو حال كثير من محتويات الكتاب الجامعى، وعن المعنى الإنجليزى لكلمة بوول Pool فان البعلبكى يذكر فى قاموسه المورد، أنها البركة القذرة تنشا عن تجمع الأمطار فى أخاديد الشوارع، وأنها الاتفاق بين شركاء للقضاء على المنافسة، أما كلمة -بولَة- نفسها فهى ضرب من لعب البليارد المعتمد على المقامرة.

وعن معنى -السُّحت- يقول المعجم الوسيط، السّحت ما خبث وقبح من المكاسب، فلزم عنه العار، وفى التنزيل العزيز - سمّاعون للكذب أكّالون للسُّحت-، وفى كتاب آداب القاضى من سنن البيهقى، قال ابن مسعود السّحت أن يستعينك رجل على مظلمة فيهدى لك فتقبله، هكذا يمكن وصف ذلك النوع من التعاون بين أعضاء هيئة تدريس فى الجامعات، إنهم يشتركون فى ظلم الطلاب بإعطائهم كتبا رديئة ويأكلون من أموال الطلاب سحتا.

للأسف إن كثيرا من فقهاء النفاق فى جامعاتنا يرون فى –البولة- آلية من آليات الحفاظ على حقوق تأليف فكرية لأصحاب الكتب، والواقع أن قلة نادرة من الأساتذة هى التى تسهم فى عمليات الإبداع والمؤلفات العلمية، الغالبية من أعضاء هيئة التدريس بجامعاتنا يعتمدون فى كتاباتهم على القص واللصق من كتب أبدعها الآخرون، يتعايشون مع تجارة الرقيق الفكرى ويبررون أكلهم السحت.

الخروج من الجب :
الخروج من هذه الصورة المأساوية للكتاب الجامعى يتطلب معرفة موضوعية تقرر أن لكل علم منهجاً ومبادئ وأساسيات لا تتغير طوال فترات طويلة نسبيا، عشر سنوات مثلا، وأن طلاب مرحلة الجامعية قبل الدراسات العليا فى حاجة ماسة لكتب مرجعية واضحة الأسلوب جيدة الخصائص، والكتب الجيدة علميا تحتاج إلى خبرات وسنوات لإنتاجها.
فيما يلى نضع بعض الحلول المقترحة لتحسين هيئة الكتاب الجامعى:

أولا: وضع ميثاق شرف بين العاملين بهيئات التدريس بالجامعة يشعرون معه انه قادة فكر ويلزمهم بأخلاق مهنية، فلا يلجأ أحدهم لحل مشاكله الاقتصادية أو الاجتماعية عن طريق الاستغلال غير الأخلاقى لطبيعة عمله.

ثانيا: تشكل لجان علمية متخصصة على مستوى الجامعة لتحديد المناهج الدراسية وتقوم تلك اللجان باختيار الكتب المناسبة شراء أو تأليفا أو ترجمة.

ثالثا: تتولى الجامعة تحديد الأتعاب الحقيقية لعمليات التأليف أو الترجمة، وتتولى بنفسها عملية نشر وتوزيع الكتاب الجامعى بين الطلاب وغيرهم من المستهلكين.

رابعا: يقتصر التدريس والشرح للطلاب على الكتب المختارة على أن يقوم بالتدريس من يملك كفاءة علمية وقدرة شخصية، على أن تتوفر بالجامعة آليات لتحديد قدرات أعضاء التدريس والاستفادة منها، فهناك من يجيد شرح المناهج للطلاب وأخر يجيد الكتابة والتأليف وثالث يجيد البحث والتقصى، وهناك من لا يصلح أن يكون أستاذا جامعيا بالمرة.

خامسا: تشكيل لجان علمية تتولى وضع امتحانات الطلاب وتصحيح النتائج، ليدرك الطلاب أن الفهم والنجاح فى الامتحان غير مرتبط بشخص معين أو بكتاب معين.

أخيرا، إن حل مشكلة الكتاب الجامعى يتطلب من أهل الاختصاص أن يضعوا من المناهج والآليات عصا غليظة فى يد المجتمع، يهش بها جوعى يعتبرون عائد الكتاب الجامعى بمثابة حصتهم المفقودة من عائد الدروس الخصوصية، ويوقف بها نزيف سحت فكرى وأخلاقي يعصف بمستقبل شباب هذه الأمة الوطن.

Post a Comment