Tuesday, March 04, 2008

مطرب بالصدفة

فى ستينات القرن الماضى، عند مداخل الشباب، طرقت مدينة القاهرة أدرس علوم التجارة فى الجامعة، مقتنعا أن لدى قدرات خاصة تصلح لتشغيلها فى وظائف تدر دخلا كبيرا وتحقق شهرة واسعة.
فى تلك الأيام قامت حياتى الاقتصادية فى القاهرة على وصول حوالة بريديّة يرسلها أبى من القرية فى ضواحى المنصورة، حوالة بريدية تحمل ستة جنيهات مصرية هى كل مصروفى الشهرى للطعام والسكن والترفيه أيضا.

ذات مرة تأخر وصول حوالة المصروف فعضّنى ضنك الأيام تمرُّ فى انتظار الفَرَج ولا فرج، وفى صبيحة يوم الخميس، السّابع من تاريخ تأخر وصول الحوالة، قرأت إعلانا عن مسابقة لتعيين مطربين جدد ستجرى فى مساء نفس اليوم ، فقررت تشغيل قدراتى بالدخول فى المسابقة، واثقا أن السّويعات الباقية أمامى تكفى جداً لتجهيز مُعدّات شغٌل أية وظيفة.

ذهبتُ للمكوجى حاملاً جاكتّتى الوحيدة، خضراء اللون مشقوقة الجانبين، متأبّطا بقايا صحيفة لففت بها بنطلونى الرّمادى، مرتديا قميصى الأبيض، وأخبرت المكوجى بما أنا مقدم عليه، فأخذ بتلابيب هدومى يكويها ويقدم النّصح لى، واستعرضت أمام رواد المحل إمكانياتى الصوتية، منفرطا فى تقليب وتعديل ما أحفظه من أغنيات، وانفرط صديقى المكوجى يدندن بمواويل وأنغام وطرف ويدس فى أذنى أنها نبراس وهدى لأدائى الجميل.

ولما كانت الأحداث تعرف الدوران لصالحى انطلق راديو صديقى يقلد صوت ليلى مراد ( يا شحاتين الغرامّ)، وأصغيت أنا للمطربة العظيمة مقلدا ومردّدا ومُؤلّفا، وعند نهاية الأغنية أصبحت مدينا بثلاثة قروش لمكوة الجاكته، وبقرش ونصف لمكوة البنطلون، وبعض التعاطف من المارة، وحين علم المكوجى بأننى سأتسابق بنفس قميصى الأبيض طلب منّى خلٌع القميص وكوى اليَاقة والصَّدر مجانا.

أخذتنى حمى الطرب، أتراقص فى الشارع وأتواثب على السّلم، أدرَّب حنجرتى على مقاطع اقتدار لمطربين ومطربات أحبهم، صالح البرش وعيشة المنصورية وأبو دراع، ومررت بحنجرتى على أصوات لا أحبها، عبد الحليم وشادية وفيروز، ودخلت الشّقة رافعا حنجرتى بالغناء، أدسُّ صوتى فى أذن زميل يسكن معى ويقرضنى بعض النقود، ولسبب غير واضح امتعض زميلى وامتشق فردة حذاء وتأسد يطارد جثتى فى أرجاء الشّقة، فانفردت فى الحمام استكمل تدريباتى الأخيرة، وأرطّب الجثّة المنهكة بالماء البارد، كان رجعُ صَّدى صوتى فى الحمَّام يملأنى ثقة فى أننى سأحصل على ذهب كل المطربين، وسأسدّد ديونى لكل البشر.

فى الموعد المحدّد، وقفت على خشبة مسرح متسع، تراصت أمامى لجنة استماع وتراص خلفها عدد من المتسابقين والمتسابقات، هدومهم مكوية وشعر بعضهم منكوش، وتراصّت خلفى فرقة موسيقية، وفى اللحظة المناسبة سألنى قائد الفرقة، ماذا ستقدم يا أستاذ؟ فأجبته واثقا ( الست ليلى، يا شحاتين) .

من الصالة أشار أحدهم ( سَمَعٌ هُسّ) فصمت كثيرون، وخفتت إضاءة المسرح، وتجسدت أعضاء الفرقة أشباحا تلعب موسيقى لا أعرف لها ضبطاً أو ربطاً، وانصرفت بعيدا عن الجميع أقضب الجبين وارفع الحواجب وأغمض العينين، أتحسس بالإبهام شحمة أذنى اليسرى، أرجع أدائى بثقة الحافظ المُردّد، وحين رأيت كثيرا من العيون تشعٌّ بتيه الطّرب من أدائى، رفعت عقيرتى بالغناء، ناظراً إلى ظلمة سقف المسرح ومستمرا فى الغناء، فجأة شعرت بأن الموسيقى توقفت، ولمحت إشارات حانية من اللجنة تستأذننى التوقف، عندها أيقّنت أننى أحرزت انتصاراً فنيا، فاستمرأت ترديد المزيد من كلمات الأغنية حتى صدمنى قول أحدهم (قَرَفتُونا الله يخرب بيوتكم)، وفجأة هاجمتنى الأنوار المبهرة تكشف المسرح، وبانت لى اللجنة تأمرنى بالتّوقف.

لم أعرف نتيجة تلك المسابقة الغنائية حتى اليوم، ومازلت أتساءل، لماذا تتسلط إضاءة المسرح على عيال من مطربي هذه الأيام، صوتهم دون صوتى، وكثير منهم لا يكوى الهدوم؟0

Post a Comment