Tuesday, April 15, 2008

جدل التمييز الدينى والدولة المدنية

من المؤكد أن الحياة هى ما نحياه فعلا، والحياة البشرية جمع من وقائع تتحرك عبر الزمن، والزمن له حالات من التواتر والتتابع، قد يكون الزمن خطا أو مجموعة من الخطوط تبدأ من نقطة تتواثب بعدها نقاط لتصل إلى نقطة النهاية وقد يكون الزمن منحنى أو مجموعة من المنحيات تتواصل بدايتاها مع نهاياتها لتصنع دورات تتراوح بين التكرار والثبات بين مطلق أو نسبى.

سواء أكان الزمن فى وجوده الخاص مستقيما أو لولبيا أو دائريا، إلا أن الإنسان فى جدله مع الحياة قد جرى على تقسيم الزمن إلى ثلاث مناطق قد تتشابك أو تنفصل، ماض نعرف بعضا عنه من ذاكرة احتمالية تطغى عليها المعرفة الإيمانية، وحاضر نحياه بحواس يطغى عليها المعرفة العلمية، ومستقبل نصنعه بأحلام تطغى عليها المعرفة الإيمانية مرة أخرى، وانتقال الزمن بين تلك المناطق هو انتقال محتوم بضرورة الوجود الجدلى للحياة.

الإيمان منهج فردى لمعرفة وتفسير العالم يعتمد على مصادرات عقلية، لذلك فهو منهج يحتمل كثيرا من الاتساع فى مجال تفسير وجود العالم، فإذا كان البشر قد خلقوا من نطفة حصان فان الوجود البشرى يقبل تفسيرا على مصادرة وجود هذا الحصان، وإذا كان البشر قد كان أبوهم آدم فان العالم يقبل تفسيرا آخر على مصادرة وجود آدم، وإذا كان لون دم البشر يختلف بين دم أزرق ودماء أخرى فان للجنس الأبيض مصادرة التفوق على باقى الأجناس وهكذا تتعدد التفسيرات بتعدد المصادرات.

العلم منهج موضوعى جماعى لمعرفة وتفسير العالم لا يقبل المصادرات ويناقش وجودها، العلم منهج يعتمد على البديهيات العقلية والحواس الغريزية فى فهم العالم، فلا حصان بدون زيل، ولا آدم بدون حواء، ولا دم بشرى غير أحمر، هكذا الإيمان يستخدمه الإنسان فى تفسيره للماضى وفى صناعته للمستقبل، والإيمان يعايش الحاضر بقدر بما يحقق من مصالح فردية لبعض البشر.

الإيمان هو مدخل أوسع للإنسان لتفسير لكل من الماضي والحاضر، مثال ذلك وجود الأهرامات المصرية لها تفاسير فى الماضى، هناك من يقول إنها معجزات أقامها عماليق من غير البشر وهناك من يقول إنها نتاج حضارة بشرية ممكنة الحصر والنقل، وغير ذلك من تفاسير، ووجود الأهرامات المصرية له تفاسير فى الحاضر، تفسير يرى فيها صلابة أحجار وعبقرية بنيان، وتفسير يراها رموزا للعبر وصلاحيتها كأحد موارد السياحة، وغير ذلك من تفاسير والعلم يرى الأهرامات أبنية هندسية ونسق اجتماعى وتطور تكنولوجى وتنظيم إدارى، هكذا يكون العلم هو المدخل الأكثر انضباطا لتفسير كل من الماضى والحاضر واستشراف المستقبل، وهكذا يعمل العلم يصنف المعلومات ويصنع معرفة موضوعية.

الإيمان إذن هو مدخل الإنسان لتصور المستقبل، بعض الناس يرى أن الحياة من صنع خالق فوق مستوى الإنسان وأن مستقبل البشر واقع حيث قدّره الخالق، وبعض الناس يرى الحياة فى متناول يد الإنسان ويمكن صناعتها تجديدا وإضافة وتطويرا وأن مستقبل البشر واقع فى أيديهم، وأبعاض أخرى من البشر ترى نظرات مغايرة وربما متناقضة للحياة ومستقبلها، هكذا الإيمان إذا تجاوز المصادرات وخفض من أعدادها انضبطت رؤية الأفراد المؤمنين للعالم واقتربوا مناهج حياتهم أكثر إلى المنهج العلمى.

بقى أن للإنسان أدوات يجادل بها وجوده فى الحياة، يستخدم الحواس والعقل كأدوات لمعرفة الحاضر من خلال منهج علمى تتساوى عنده الفروض مع المصادرات ويسمح للفرد البشرى بتخزين المعرفة ونقلها بين البشر، هكذا تتجاوز المعرفة العلمية إمكانيات الأفراد الخاصة والمتباينة بسبب ممارسة حياتهم فى موطن جغرافى بذاته أو قبيلة اجتماعية بعينها، بينما يكون الحدس والأحلام أدوات الإيمان للفرد البشرى، الحدس يفسر بها الماضى والأحلام يستشرف بها المستقبل، هكذا يكون المنهج العلمى هو المدخل الأكثر انضباطا لتفسير كل من الماضى والحاضر واستشراف المستقبل.

إن الإيمان منهج فردى يعتمد على مصادرات فى معرفة الحياة وتفسيرها، الإيمان منهج معرفة ذاتى لا يقبل الاعتراف بمنهج أخر وان قبل فكرة التصالح مع ذلك الآخر، فكل دين هو منهج إيمانى ناسخ لغيره من الأديان، هكذا لا يمكن تعميم الدين على جميع البشر كمصدر وحيد لمعرفة الحياة والتعامل معها، ويبقى أن المنهج العلمى منهج معرفة موضوعى لا يعترف بالمصادرات، يتجاوز الفروق الفردية ويصل إلى الجماعات المتباينة، ويعترف بوجود مناهج أخرى محتمله للبحث عن المعرفة ويطرق أسباب التقدم.

الآن البشر يعيشون فى كيانات سياسية تتعدد عوامل تكوينها ويتعاظم حجمها من أسرة إلى عائلة إلى قبيلة إلى دولة.

احدى النظريات لتفسير وجود الدولة هى نظرية العقد الاجتماعي ويرى أصحابها أن الدولة كائن مستقل جرى تعاقد بينه وبين الجماعات المكونة له على ضمان حماية الحريات وتأصيل الحدود بين مجموعات تتفق على الحقوق والواجبات يربطها أساس قانونى من الأهلية والكفاءة، هذا العقد يوضع فى دستور فوقى ثابت للدولة تنبع منه كافة القوانين التى تقود النسق المعرفى للجماعات المكونة للدولة.

هناك نظريات أخرى تطرح تفسيرات أخرى لوجود الدولة، من بينها نظرية ترى حب الحياة هو الأساس لوجود الأشكال المتباينة من صور الأسرة العائلة القبيلة الدولة، هذه النظرية تراعى حركة الجدل البشرى أخذا وعطاء وتأثرا بين العوامل المختلفة والحاكمة للوجود البشرى وترى أن دستور الدولة عمل وضعى يمكن تعديله كلما أقبلت المجموعات على أمر جديد, نظرية حب الحياة لا تقيم وزنا لذلك الفصل التعسفى بين حرية الجماعة على حساب حرية الفرد، الذى يضع حد للتوازن بين البشر هو جدل الإنسان، ويصبح للشمول الفكرى تمارسه الجماعة الغالبة فى حالة جدل مع التكلس الفكرى تمارسه الأقلية، جدل الإنسان هذا يترك الباب مفتوحا للتخلص من الشمول والتكلس.

الآن، إذا اعتبرنا أن الحياة وجود حقيقى تمارسه الأقليات والأغلبية تحت إطار الدولة فيلزم لصالح الجميع أن يسود نظام الدولة نسق معرفى يقود حركتهم فى الحاضر ويستشرف وجودهم فى المستقبل، هذا النسق المعرفى يتراوح بين الإيمان الفردى وبين العلم الموضوعى.

الآن، إذا اعتبرنا أن الوجود الإنسانى هو سعى بشرى للحرية، وإذا اعتبرنا أن الدولة هى كيان سياسى تضم بالضرورة جماعات بشرية، فلا سبيل لتقدم تلك الجماعات دون أن يحكمهم دستور يفصل بين أديانهم وبين سلطات الدولة، فللمواطنين حريات الانتقال والاعتقاد والعمل فى دولتهم، وللدولة سلطات مدنية على مواطنيها تنسق بين حرياتهم، سلطات الدولة المدنية تقوم على المساواة والعدالة بين المواطنين دون تمييز بسبب لغة أو ثقافة أو دين أو جنس.

Post a Comment