Tuesday, March 31, 2009

ذكريات أسوانية



منذ أربعين سنة تقريبا انتهى بناء السد العالى جنوب مدينة أسوان، تحديدا سنة 1970م، وانتهت ثلاث سنوات قضيتها موظفا فى بناء هذا السد، كان عدد سكان مصر وقتها حول الثلاثين مليون نسمة، وكانت مدينة أسوان قليلة السكان تعتمد حياتها على نشاط خمسة وعشرين ألفا من العاملين فى السد العالى ونشاط عمال مناجم الحديد والعاملين فى مجال السياحة، كانت أسوان أرضا لتنوع الإنتاج الاقتصادى.

منذ أيام استضافتنا وزارة الكهرباء كمجموعة من قدامى العاملين بالسد العالى فى رحلة لزيارة أسوان، رحلة حج لجمع من الشيوخ انتظم خيط تواصلهم عبر جمعية بناة السد العالى، فى كل موقع زرناه أطلت علينا ذكريات ما قبل الأربعين سنة حول السد العالى.

هنا حدث تفجير داخل نفق بالجبل فانهار جزء منه واستشهد تحت الصخور حوالى العشرين من العاملين وحين علم المهندس صدقى سليمان وزير السد العالى بالخبر نزل فورا إلى موقع التفجير وأقام صلاة الجنازة على الشهداء ثم تقدم الرجل العاملين إلى داخل النفق وواصلنا العمل، هنا تم تركيب أول توربينة لتوليد الكهرباء يزيد وزنها على ألف وخمسمائة طن، هنا وبإرادة سياسية أتت سيارات النقل الانجليزية لتنافس سيارات النقل الروسية تحمل الواحدة منها خمسة وعشرين طنا من الصخور، هنا أكلنا وشربنا فى البيت النوبى بمناسبة زواج زميلنا شحاتة من فتاه نوبية، هنا ودعنا محمد صالح فى سفره إلى أبو سمبل جنوب أسوان بثلاثمائة كيلومتر عبر بحيرة السد وطلبنا منه أن يأتينا بسمك وتمساح صغير، هنا فى قصر الثقافة سمعنا أشعار حجاج الباى وقصص محمد مستجاب ومسرحيات على سالم، هنا أكلنا وجبة الغداء فى مطعم صحارى بخمسة قروش، هنا اشترينا كيلوا اللحم بستين قرشا، هنا تناولنا أول أقراص الملح مع الطعام لتخفيف أثار ضربة الشمس، وهنا ظهرا أمسكنا بعقرب اختبأ عند مدخل شقة ماهر بركات.

الآن بلغ سكان مصر الثمانين مليون نسمة، وفقدت مدينة أسوان كثيرا من صفات مجتمع العمال المنتجين، ففى مواجهة علاقات اقتصادية تعتمد أساسا على السياحة، انتشرت مظاهر التدين السطحى والتعصب القبائلى وتقلص النشاط الثقافى، وعدنا نحن الشيوخ نشكر لوزارة الكهرباء جهدها فى استضافتنا، ونحمل ذكريات يجب تسجيلها حفاظا لذاكرة الوطن ورصدا لتغيرنا الحضارى خلال الخمسين سنة الماضية.

Post a Comment