Sunday, March 01, 2009

الفقر وأحواله


لو تمثل الفقر رجلا لأصبح على كل العقلاء أن يقتلوه، هكذا يلقى إلينا ميراثنا الحضارى طريقة للتعامل مع الفقر، وفى حياتنا اليومية يطل الفقر فى صورتين متشابكتين صورة فقر فى الوعى الثقافى وصورة فقر فى الموارد الاقتصادية، يهتم رجال الاقتصاد والاجتماع بشرحهما وإيجاد تعريفات واضحة للفصل بينهما.

فقر الوعى الثقافى هو فقر مفاهيم ثقافية تحول دون الاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية المتاحة، فلحم الخنزير محرم تناوله فى بعض الديانات، واللون الأبيض دليل حزن فى ثقافات افريقية، هكذا تتغير الحاجة إلى موارد اقتصادية بعينها تبعا لثقافة بعينها، أما فقر الموارد الإنتاجية فهو فقر علمى وتكنولوجى يضعف إمكانات الأفراد فى التعامل مع الطبيعة، ويوقف تراكم جهودهم فى البحث عن موارد وثروات اقتصادية جديدة، وتدفع صور الفقر الناس للعيش جثثا تحت خط الحياة الإنسانية الكريمة.

التخلص من فقر الوعى يفرض على مؤسسات المجتمع أن تصنع جوا ثقافيا يساعد المواطنين على إيجاد وعى فاعل يفرق بين طموحاتهم الموجودة فى الخيال وبين إمكانياتهم المحصورة فى الواقع، ويدفعهم للبحث عن قيم موضوعية للتحضر، قيم يتجاوز وجودها خصوصية الأفراد فى التقليد الأعمى والمحاكاة البليدة، وعلى سبيل المثال بعض أفراد مجتمعنا يشعرون بالفقر لأنهم لا يملكون حجرة طعام فخيمة، بينما ثقافتنا القومية لا تلقى لوما على من يتناولون طعامهم على طبلية من خشب، هكذا ترجع أزمة الإحساس بالفقر لدى هؤلاء الأفراد لافتقارهم إلى وعى ثقافى ناضج يفصل بين ضرورة الأشياء وبين صورتها، وعى يفرقون به بين طبلية متواضعة من البلاستيك تؤدى وظيفتها فى تناول الطعام لا يرى العقلاء معها إحساسا بالفقر وبين طبلية فخيمة من خشب مطعم بالصدف تقوم بنفس الوظيفة لكنها تضخم إحساس السذج بالغنى.

علاج فقر الموارد الاقتصادية، يلزم المجتمع بإتباع خطط وبرامج تبدأ من واقع اقتصادى يمكن قياسه فى موارد متاحة وتصب فى واقع جديد يستوعب حركة التطور الاقتصادى، إنها خطط تهدف لتطوير التعليم كأداة للتقدم التقنى وتهدف لتفعيل الثقافة كوعاء لاستيعاب التقدم الحضارى، وتزكى لدى الأفراد وقائع الانتماء القومى بقصد دفعهم للمشاركة الإيجابية فى صنع التحضر.

هكذا يصبح قتل الفقر مهمة حضارية لا يقدر عليها إلا من يملكون حبا كبيرا للحياة.
المقال نشر في جريدة العربي الناصري – الأحد الاول من مارس 2009م

Post a Comment