Monday, March 23, 2009

فساد المرتبات


أكثر من خمسة ملايين موظف يعملون بالدولة المصرية، تدفع الحكومة مرتباتهم وتزيدهم علاوات سنوية، أنا واحد من هؤلاء الموظفين أتقاضى مرتبا هزيلا لا يكفى مواجهة أعباء حياة كريمة ويدربنى يوميا على الدخول فى زمرة العصاميين، أستعين بالصبر والشكوى والأحلام المجهضة على ضعف مرتبى، أدفع نقودا وضرائب وهبات ورشاوى لموظفى للدولة والمحليات والشركات والجيران، أدفع ما أدفع بموجب عقود إذعان تفرضها سلطات الأهل والجيران والحكومة وكثير من الطامعين، ومع ذلك لا أحصل على صفات العميل الجيد أو المواطن الصالح.

برغم أننى موظف مغلوب على أمره، أعانى إجحاف الحكومة وعجز قوانين العمل وتضارب لوائح العدالة، إلا أننى فى لحظات صفاء قادر على استعادة التفكير الموضوعى، وأطرح سؤالا عاما، ماذا يحدث لو قررت الحكومة مضاعفة مرتبات العاملين بالدولة خمس مرات؟ هل سترتفع الكفاءة الإنسانية والاقتصادية لظروف العمل فى بلادنا؟ وهل سيزيد دخلنا الحقيقى بناء على إنتاج حقيقى؟ الإجابة حاسمة بالنفى، وسنظل نعانى من تخلفنا الوظيفى وتسيبنا الإدارى، ذلك لأن زيادة المرتبات وحدها دون تغيير ببقية عناصر نظامنا الوظيفى تجعلنا ندور فى حلقة مفرغة من التخلف، حلقة زيادة المرتبات تتبعها زيادة الفقر، فحين ترفع الحكومة المرتبات دون أن تسعى لإصلاح النظام الإدارى والاقتصادى فإنها تعيد رسم الدخول بمقياس رسم جديد يضخم الصورة ويبدو مبهرا للبسطاء والسذج، دون أن تغير الزوايا أو العلاقات فى مكونات الصورة، هكذا يظل فقرنا الاقتصادى والاجتماعى جاثما على الصدور.

القيمة الحقيقية لزيادة للمرتبات تقاس بالقيمة العلمية لتغيير العلاقات الوظيفية، باعتبارها علاقات ديمقراطية أو استبدادية، وباعتبارها علاقات عادلة أو غير عادلة، وباعتبارها علاقات موضوعية عامة تحدد طرقا علمية لتقييم الكفاءة وإصلاح الأخطاء، أو باعتبارها علاقات ذاتية تحمل الطموحات الشخصية لبضعة أفراد فى التملك والسيطرة، فحين ترفع الحكومة مرتب موظف لديها بألف جنيه وتزيد مرتب رئيسه بعشرة آلاف جنيه دون أن يصاحب ذلك تقدم فى بيئة العمل، فمعنى ذلك أن الحكومة لا تعالج قضايا الفساد الإدارى والوظيفى ولم تقترب من زيادة الدخول الحقيقية، وأنها تدفع لموظفيها إعانات فقر تزيد التضخم وترفع الأسعار وتفتح مزيدا من أبواب الفساد.

Post a Comment