Sunday, April 05, 2009

أرضنا الخضراء


السفر نهارا بالقطار عبر وادى النيل من الإسكندرية حتى أسوان يصدم المشاهد بتنوع اللون الأخضر من حيث الدرجة والكثافة والاتجاه، فالأرض الزراعية المصرية مفتتة تماما، هى فى الأغلب الأعم جمع من وحدات زراعية صغيرة تبدأ مساحتها من أمتار قليلة على طرح النهر والترع والمصارف وتتصاعد إلى مساحات تقل عن الفدان الواحد، هذه الوحدات الزراعية المتلاصقة يتم إجهادها فى إنتاج محاصيل متباينة، وتبتعد مساحاتها كثيرا عن المساحة الاقتصادية للوحدة الزراعية.

تفتيت أرضنا الزراعية المصرية له عواقب اقتصادية سلبية تتمثل فى انخفاض خصوبة الأرض نتيجة إجهاد المساحات المتلاصقة والمتماثلة فى تكوينها الطبيعى بزراعة أكثر من محصول فى نفس الموسم، بما يلزمه من معالجات كيماوية وتسميد صناعى لاستعادة ما يضيع من الكفاءة الزراعية، وعواقب اجتماعية تتمثل فى الازدحام السكانى للبقاء بجانب الأرض الموروثة وعدم الرغبة فى المغامرة المحسوبة باستزراع أراض جديدة.

أصل تفتيت الأرض الزراعية فى مصر يرجع لطبيعة المنهج والثقافة الاجتماعية السائدة فى تطبيق مبادئ الميراث الشرعى، فالغالبية العظمى من صغار الفلاحين يخشون الحكومة ولا يثقون فى آلياتها المنتشرة من بنوك وجمعيات تعاونية وشركات تسويق، تمارس فى ظاهرها إدارة اقتصاد نظرى حديث يعتمد على النقود وتوزيع العمل حسب الكفاءة والإدارة الاقتصادية لكنها فى واقعها لا تستطيع تغيير نماذج إدارة اقتصاد واقعى متخلف يعتمد على المقايضة وتوزيع العمل وفقا لأخلاقيات التعاون الجماعى.

منذ عصر الفراعنة وحتى نهاية عصر محمد على، وعلى مدى خمسة آلاف سنة، كانت الأرض الزراعية المصرية ملكا مشاعا للقبيلة ثم الدولة ممثلة فى الحاكم، وكانت علاقة الفلاح بالأرض علاقة إنتاجية اقتصادية، الفلاح مسئول عن فلاحة الأرض وولى الأمر مسئول عن توزيع فائض العمل من الأرض الكبيرة، هكذا استطاع المجتمع المصرى حشد قواه لبناء والمعابد والأهرامات والمصانع والقناطر الخيرية.

من المؤكد إن هناك طرقا علمية للاستفادة المثلى من خصائص توزيع الأرض الزراعية فى مصر، أحدها يقوم على إعادة النظر فى أحقية مالك الأرض فى تفتيت أجزائها طبقا للشرعية الدينية والاقتصادية وذلك بتحويل هذه الحقوق إلى ملكية أسهم نقدية فى القيمة المشاع للأرض الزراعية، فهل لدينا من الفقهاء وأصحاب القرار من يسعى للمحافظة على المساحة الاقتصادية للوحدة الزراعية.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 5 أبريل 2009م

Post a Comment