Sunday, April 19, 2009

أزمتنا الثقافية


نحن المصريين نعانى من أزمة ثقافية حادة، فعقلنا الجمعى يفتقد المعايير الموضوعية للحكم على القيم، ويقنع بأحكام شخصية تمليها الأساطير والخرافات والتجارب الفردية، وعلاقاتنا المتبادلة مع أنفسنا ومع الغير تحكمها شريعة الغاب، القوى يأكل الضعيف، ومنطق القبيلة يسيطر على فكرنا الفردى فتموت الإبداعات الفردية وتتقلص طموحات الجماعة، أسباب هذه الأزمة ترجع إلى عاملين، أولهما ضعف تواصلنا مع مصادر الفكر المؤثر حضاريا، وثانيهما ضعف الأداء فى العناصر الفاعلة لثقافتنا.

يرجع ضعف مصادر فكرنا المؤثر حضاريا إلى انعزالنا الموضوعى فى التعامل مع العالمين القديم والحاضر، فتناولنا للعالم الماضى يقتصر على أوعية ثقافية قديمة نسحب منها معلومات بدائية غير منقحة حضاريا، وتناولنا العالم الحاضر تنقصه فاعلية البعثات العلمية ومهمات التبادل الثقافى مع الآخرين، هكذا تصبح مصادر ثقافتنا المعاصرة بناء من هشيم.

والعناصر الفاعلة للنشاط الثقافى ثلاثة، أولها إنسان يرسل معلومة، وثانيها إنسان يتلقى نفس المعلومة، أما الثالث فهو نقل المعلومة عبر أدوات صالحة لنقل نفس المعلومة، وضعف هذه العناصر يجعل ثقافتنا مشوهة يختلط فيها الموضوعى بالشخصى والحقيقى بالأسطورى، هكذا تنتشر فى ثقافتنا آليات تقديس الأفراد وتغيب عن أدمغتنا طرق الحلول الحضارية لما نواجهه من مشاكل.

بلادنا ليست فقيرة فى إمكانياتها المادية، فجامعاتنا ومقار الأحزاب والمقاهى ودور العبادة والمصانع، تستخدم موسميا لإلقاء المواعظ والتسامر والحملات الانتخابية، وبهذه المقار يوجد أكثر من مكان يصلح لأنشطة المسارح ودور العرض السينمائى وقاعات المحاضرات، إنها أماكن يمكن توظيفها لتفعيل النشاط الثقافى بين جموع المواطنين بدلا من غلقها واقتصار دورها على تلقين البسطاء أدعية الصبر وشكر أصحاب النعم.

فى بلادنا كثير من القادرين مادياً على التبرع لتبنى أنشطة ثقافية مختلفة، من باب الإيمان بضرورة التقدم أو من باب الكسب المادى أو من كلا البابين معا، ويمكن توجيه التبرعات لإقامة فرق ثقافية تعيش فكريا وماديا على أرض الواقع، فرق لا يقتصر وجودها على مجرد التسجيل فى أوراق حكومية، ولا يخشى العاملون عليها فكرة السعى نحو التنوير.
الطريق واضح لتجديد ثقافتنا الوطنية، الخنوع يجعل الإقدام على التنوير أمرا عسيرا، والوصول إلى ثقافة حية لشعب متحضر أمر دونه الكثير من الجهد والأسى والشوق الجميل.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى – الأحد 19 ابريل 2009م

Post a Comment