Sunday, April 26, 2009

مواسم التطهير


فى بعض مواسم التطهير من الجرائم وفى بعض المناطق تنشط أدوات الشرطة فى القبض على الخارجين على القانون، تفتش الأرض والسقوف والمنازل والجيوب، ويتم القبض على العشرات من المشتبه فيهم، وحين تخبو طبول مواسم التطهير، تهدأ المعمعة ويدخل بعض المقبوض عليهم فى محابس تحت سيطرة الشرطة فى سجن مغلق أو فى متابعة مكشوفة، هكذا يكون التمهيد لإعادة القبض عليهم وقت الحاجة لتسوية جرائم لم تستدل الشرطة على مرتكبيها.

كثير من المجرمين يعيشون أحرارا يروعون الناس ويفسدون فى الأرض، الناس تعرفهم والشرطة تعرفهم ولا تنالهم يد القانون، يتعاملون مع الشرطة كأنهم أصدقاء قدامى، الشرطة تتحرك تجاهم لتنفيذ حالات موسمية ترتبط بتنفيذ سياسات فردية محددة، هى ترقية هنا أو منصب هناك، هكذا يتربى شعور لدى الناس بأن الأمور غير منضبطة، ويحاصر الجميع إحساس بأنهم مشاريع جاهزة لحالات اشتباه تديرها الشرطة، ذلك بأن إغماض الأعين عن الجرم المشهود إنما هو مساومة يمارسها لصوص يتبادلون المواقع.

كلنا يعرف جناة من كل نوع، ويعاشر خارجين على القانون فى أكثر من نص، كلنا يخالط زوجات وأولاد وأقارب وموظفين وتجار وفنانين وطلاب علم وأساتذة جامعات وصحفيين، لكن الخوف القاتل كامن فى صدورنا من سطوة الجناة ونوم القانون وفساد الذمم، وهشاشة ضعفنا الإنسانى يضعنا فى دوائر خوف دائمة بأننا فى وقت ما صالحون لأن نكون جناة من نوع ما.

نظرا لطبيعة ضعفنا الإنسانى وخوفنا المبرر وتعثرنا السياسى فى تناول قضايا الحرية، نرضى لأنفسنا ما نرفضه لغيرنا، نستدرج كل القوانين لتخدم مصالحنا، نطرح أنفسنا أمام المجرمين وأمام الشرطة كلعب صالحة للاستخدام فى مواسم توريد الجناة لقضايا الناقصة أو محتملة.

لا سبيل أمامنا للهروب من دوائر الخوف غير الإمساك بأدوات الحرية، حرية الفكر بالعلم، وحرية الإرادة بالوعى، وحرية الفعل بالديمقراطية، كل هذه الحريات يحتاج تطبيقها إلى أدوات علمية تساعدنا على الفصل بين الجناة باعتبارهم موضوع اتهام للشرطة وبين الشرطة باعتبارها أداة لتنفيذ أحكام القضاء وبين القضاء باعتباره أداة لكشف للعدالة، نحن بحاجة إلى مناهج علمية ترفع الوعى لدى الناس ليدركوا طبيعة حرياتهم، فلا يخيفنا الجانى الشرس ولا يسجننا الشرطى القبيح ولا يفصل بيننا القاضى الضعيف.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 26 ابريل 2009م

Post a Comment