Monday, April 13, 2009

عزب ثقافية


لأن مصر بلد كبير يتمتع بالاستقرار عبر الجغرافيا والقدم عبر التاريخ، أصبح سهلا على حكامها أن يضعوا مؤسسات قوية تكرس لبقائهم وتقاوم فكرة تداول السلطة مع الآخرين، هكذا يتحول نشاط وزارات الإعلام والثقافة والصحف الحكومية فى مصر المعاصرة إلى عزب ثقافية تصنع من الحاكمين ملوكا وكهنة قديسين.

نشاط وزارة الإعلام يعتمد نظريا على أن الكلمة المثقفة تصنع وعيا حضاريا، وعند التنفيذ تستعين القنوات الإذاعية بمذيعين ينفرون من ثقافتنا القومية ويتهربون من وقائع حياتنا اليومية، ويقوم معدوا البرامج بمفاوضات للتعرف على المسموح به والمسكوت عنه إعلاميا، هكذا فى الوقت المناسب تظهر على شاشات العرض العام قوافل ثقافية تضم مذيعين مدربين يمسكون بمتحدثين مروضين ليرقص الجميع حول موائد طعام فكرى حامض، وتتحول وزارة الإعلام إلى عزب خاصة تشيد بعصمة الحاكمين.

نشاط وزارة الثقافة، يعتمد نظريا على أن الدولة القوية تصل جمهورها بالفنون الإبداعية، وعند التنفيذ تصطدم وزارة الثقافة بضعف الإمكانيات المادية والفنية، فهيئة قصور الثقافة فى حاجة لأكثر من اثنين مليار جنيه لتحسين البنية التحتية لقصور الثقافة القائمة، ونسبة المتفوقين دراسيا والمبدعين فنيا فى مجالات وزارة الثقافة لا تزيد عن خمسه فى المائة بين العاملين، وفى الوقت المناسب تنطلق قوافل إدارية تنشر إنتاجها فى المسارح والمعارض والاحتفالات تصاحبها وفود إعلامية تضم أشباه صحفيين ونقاد يجمعون بدلات السفر وينتقدون موائد الطعام، هكذا يتقلص نشاط إدارات الثقافة على تقديم عروض فقيرة ثقافيا لجمهور مغيب حضاريا، وتتحول وزارة الثقافة إلى عزب خاصة تشيد بعصمة الحاكمين.

نشاط الصحف الحكومية، يعتمد نظريا على أن الصحافة سلطة رابعة لصنع القرار فى يد المواطنين، وعند التنفيذ تقوم ماكينات الطباعة فى مصر بإخراج أكثر من خمسمائة صحيفة ومجلة ومطبوعة شهريا، تمتلئ بكتابات صحفية دون مستوى الوعى الثقافى اللازم لصناعة التقدم فيتفكك الانتماء العام وينحسر عدد قراء الصحف فى مصر دون المليون ونصف المليون قارئ، بنسبة لا تصل إلى اثنان فى المائة من عدد السكان، وتتحول الصحف الحكومية إلى عزب خاصة تشيد بعصمة الحاكمين.

هكذا فى عصور الملوك الكهنة، يدفع المصريون الضرائب والإتاوات من أجل تجهيز عزب ثقافية تكرس مركزية الدولة وتدعم دكتاتورية الحكم، ويتباكى الجميع على قتل الانتماء للوطن.

Post a Comment