Thursday, December 04, 2008

الضعف فى تنفيذ القانون


فى حادثة انهيار مبنى جديد تم القبض على المهندس (فلفل) وتبين انه أدين فى قضايا تجارة عملة وحيازة سلاح ابيض واغتصاب مدير بنك، وفى هوجة اشتباه فى تجارة الممنوع تم القبض على الولد (عنتر) وتبين انه ماسح أحذية هارب من إحدى زوجتيه ويتفاوض على عقد عمل فى الخارج، وقضى الحاج (فلته) عشرين يوما فى الحبس حتى تم القبض على رجل تشتبه الشرطة فى انه القاتل الوحيد لحصان رجل عظيم.

فى بعض المواسم تتحرك أدوات الشرطة فى تطهير منطقة من الخارجين على القانون، تفتش الأرض والسقوف والمنازل والجيوب، ويتم القبض على العشرات من المشتبه فيهم، وحين تخبو طبول مواسم التطهير، تهدأ المعمعة ويسترخى المتعبون من رجال ضبط ومنتفعين ووشاه, يخرج المقبوض عليهم من محابس تحت السيطرة تمهيدا لإعادة القبض عليهم وقت الحاجة لتسوية جرائم لم تستدل الشرطة على مرتكبيها.

حين يتكرر قبض الشرطة على نفس المشتبه فيهم يحتار الجميع فى تفسير بقاء كثير من المجرمين أحرارا لا تنالهم يد القانون، ينشرون فى الأرض فسادا ويروعون الآمنين، يتعاملون مع الشرطة كأنهم أصدقاء قدامى، هكذا يصل إلى فهم البسطاء أن إغماض عين الشرطة على نشاط كثير من المجرمين والفاسدين ليس راجعا لطبيعة الجرم أو لتنوع أسباب الفساد، بل راجع لأن يد الشرطة تتحرك لتنفيذ حالات موسمية ترتبط بحالات الترقية أو بتنفيذ سياسات فردية محددة، ويبقى لدى الناس شعورا طاغيا بعدم الأمان، ويحاصرهم إحساس دفين بأنهم مشاريع جاهزة لحالات اشتباه محتملة من الشرطة، ذلك بأن إغماض العيون عن جرائم مشهودة إنما هو مساومة يمارسها مجرمون قاصدو الهروب من كل مسائلة.

كلنا يعيش ضعفه الإنسانى ويعرف جناة من كل نوع، يعاشر خارجين على القانون فى أكثر من نص، يخالط زوجات وأولاد وأقارب وموظفين وتجار وفنانين وطلاب علم وأساتذة جامعات وصحفيين، لكن الخوف القاتل كامن فى صدورنا من سطوة الجناة ونوم القانون وفساد بعض الذمم، هذا الخوف يجعلنا طوال الوقت صالحين لأن نكون جناة من نوع ما.

إن ضعفنا الإنسانى وتخلفنا الثقافى وتعثرنا السياسى فى تناول قضايا الحرية كلها أسباب تدفعنا لأن نعيش خوفا يجعلنا لعبا سهلة أمام عشوائية السلطة, نستدرج القوانين لتخدم مصالحنا فقط، نطرح أنفسنا صالحين للاستخدام فى مواسم توريد الجناة للقضايا الناقصة أو المحتملة، ونحاول جلب الأمن لأنفسنا بأنفسنا، فنتحسس العصى ونشحذ السكاكين قاصدين أن نهش أهل خوالبلطجة من حولنا وأن تلامس أيادينا عدالة تطبيق القانون.

لا سبيل أمامنا للهروب من دوائر الخوف الشخصى والجماعى غير الإمساك بأدوات الحرية، حرية الفكر بالديمقراطية، وحرية الإرادة بالوعى، وحرية الفعل بالعلم، نحن بحاجة إلى إدارة علمية تساعدنا على الفصل الحاسم بين عناصر اللعبة، بين الجناة باعتبارهم موضوع اتهام للشرطة وبين الشرطة باعتبارها أداة لتنفيذ أحكام القضاء وبين القضاء باعتباره أداة لكشف للعدالة، نحن بحاجة إلى إدارة علمية ترفع الوعى لدى الناس ليدركوا طبيعة حرياتهم، ترفع كفاءة الشرطة فى جمع المعلومات وتحليلها وإدارة نشاطاتها، ترفع درجة تطبيق نصوص القانون لتشمل الجميع، ترفع سرعة التقاضى وسرعة الحسم فى الأحكام، ترفع صلاحية السجون لحبس كل مخالف.

إن الطريق نحو رفع خوفنا من ظلم محتمل يطرح علينا كمصريين أسئلة محورية، كيف لنا أن نعرف واجباتنا ونطالب بحقوقنا؟، كيف لنا أن نتخلص من عشوائية السلوك الشرطى؟ كيف لنا أن نتجاوز ضعفنا فى تنفيذ القانون؟.
المقال نشر فى مجلة المصور - الجمعة 5 ديسمبر 2008م

Post a Comment