Sunday, December 28, 2008

حقنة شفافية

مثل موظف غلبان فى حكومة غير رشيدة، جلست مع بعض الزملاء نمارس متعة النميمة واغتياب بعض قياداتنا، عينتهم القيادات الأعلى فى مناصبهم دون اختيارنا، إمكاناتهم مثل إمكاناتنا، أجسادهم مثل أجسادنا، مرتباتهم الرسمية مثل مرتباتنا، ومع ذلك يهبرون أموالا كثيرة بتخريجات قانونية وغير قانونية تضاعف من دخولهم، هكذا ارتفع مستوى النميمة فى جلستنا تجهيزا لمتعة التآمر.

تكاثرت أقاويل القيادات والحكومة والجيران عن الشفافية، فحملت فى صدرى طموحات أطرق بها المكتب الفخيم لمديرنا الكبير، قاصدا أن أكون رئيسا كبيرا أو على الأقل نصف رئيس.
اليوم المناسب للتعامل مع العظماء، قابلت مديرنا الكبير وحين انفرجت أساريره عن ابتسامة مدير كبير، سررت فى أذنه أقاويل غيرى من الموظفين الحاسدين المتآمرين، بأن قياداتنا الأعلى تهبر أموالا كثيرة تجاوز الآلاف من الجنيهات سنويا، يحصلون بسيف السلطة أو عصا الحياء على موافقات قانونية تصدرها مجالس إدارة خاصة، تدير صناديق خاصة وتتحكم فى بنود خاصة، ولا يرصد هذه الأموال إلا حاسد أو متآمر.

بحكمة بالغة وبصوت واثق أقسم مديرنا الكبير بالعيش والملح، أن حكومتنا تعمل كل شيء بكل شفافية، وان قياداتنا تبذل فى سبيل الوطن كثيرا من جهودها التطوعية، لا تريد جزاء ولا شكورا، وأن مرتبات الكبار لا تزيد عن مرتبات الصغار إلا جنيهات معدودة تنفق على الشاى والقهوة لاستقبال الضيوف وعابرى السبيل.
كان على أن انتشى كموظف كبير يمارس الشفافية مع المدير الكبير، فهتفت له بطول العمر مديرا وحكيما، وحين أعلنت رغبتى فى أن يطول عمرى سنوات للعمل تحت قيادته، نطبق الشفافية وننزع الفساد من الأرض دون مقابل، باغتنى برغبته السامية فى إنهاء اللقاء.

فى مساء نفس اليوم، رقدت فى السرير محموما، أعانى من فشل الحصول على منصب قيادى، أرغى بكلمات وانثرها فى وجه زوجتى، الشفافية يا أختى، تعنى وضوح القانون لمن يطبق بينهم، تعنى إعلاما موضوعيا يصنع تحضرا فى الرأى العام، تعنى سلامة المنطق فى بناء الفكر، تعنى ثقافة الانتماء لمصالح الأغلبية.
عند تلك الوصلة من الشفافية، وترويجا لطرق الحكومة فى علاج حمى صغار الموظفين، كانت زوجتى قد أعدت الماء والصابون والحقنة الشرجية.

المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 28 ديسمبر 2008م

Post a Comment