Saturday, December 06, 2008

شٌرًابة الخُرج

من لا يسعى لتغيير مظاهر التخلف فى إدارة المجتمعات، فان دوره فى الحياة لا يتجاوز دور شٌرًابة الخرج، كل ما يفعله هو الاهتزاز الجميل على برادع الحمير، لا أرضا قطع بالفهم ولا ظهرا أبقى للتغيير.

بعض مظاهر التخلف فى بلادنا أن كثيرا من قياداتنا الكبيرة والوسيطة تسعى لتثبيت ربطات عنق قاصدة إخفاء حناجرها المجروحة بالنفاق لكل رئيس، وتتحسس صلاحية رؤوسها الفارغة لارتداء طرابيش التزلف لكل قادر.

كان طربوش أبى هو الوعاء الأحمر الوحيد صاحب العزة فى بيتنا، يعلقه على مسمار خشبى مرشوق فى حائط حجرتنا الطينية، لا تناله أيادينا ونحن صغار، كانت صعوبات الطفولة تواجهنى فى جمع الخرز الملون وبكرات الخيط الفارغة، وأحلم طوال الوقت باستخدام الطربوش مخزنا يحفظ مقتنياتى بعيدا عن كل يد، كان طربوش أبى وعاء أحمر من الصوف ذو حافة جلدية بداخله خوصة من قشر الخيزران، يعامله أبى برفق وافتخار، يمسح زغب التراب على جسده الأحمر ويمشط خيوطه السوداء لتتدلى باتساق على جانب منه، وفى كل صباح يرفعه من زره بإصبعين ثم يضعه على رأسه، ويركب به الحمار ويروح بعيدا إلى الشغل، وفى أيام الهناء كثيرا ما أسقط أبى الطربوش فوق رأسى، فيسد أذنى ويطفئ النور فى عينى، وتصيبنى شهقة انتشاء من هوائه المضغوط دافعا البرودة نحو كتفى.

بعد سنوات أصبح حمارنا عجوزا لا يقاوم الانزلاق فى لبخة الطين بشوارع الشتاء، فوقع حمارنا أكثر من مرة، وداس على الطربوش فى كل مرة، وتعودنا أن ينسى أبى الطربوش على المسمار الخشبى، وبدأت أداعب أحلامى فى الطربوش، وحين طالته يداى أدخلت حبلا من خيوطه السوداء فى ثقوب ظهرت بجانبيه، وأصبح لدى وعاء أحمر أجره على الأرض بكرافتة قديمة جررت بها قططا صغيرة وكلاب، وحين مات أبى غسلت الطربوش وحفظته فى دولاب خشبى، هكذا صنعت لخرقة قديمة من صوف الجوخ تاريخا أقصه على أولادى.

تقدمنا الحضارى رهين بالتخلص من قيادات تمارس دور شُرًابة الخُرج، يعلقون احترام ذواتهم على الفصل بينهم وبين الجماهير، يمهدون الطريق لفساد القيم ويمارسون تخريب العقول، ينكسون رؤوسهم احتراما لطرابيش داستها حميرنا، ويربطون أعناقهم بكرافتات جررنا بها كثيرا من الكلاب.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 7 ديسمبر 2008م

Post a Comment