Sunday, November 16, 2008

حديث منزلى

الشخص الوحيد الذى أستطيع أن أقرفه هو زوجتى، أخرج عينيها بعشرات من الطلبات والأوامر والنواهى المستحيلة، أعدها برئاسة مؤسسات ووزارات وجامعات وامتلاك قصور وخدم، ومع كل هذه الطلبات والوعود أعجز عن مناولتها هدمة أو كسرة خبز أو شربة ماء، فتلقانى ببكاء وشتائم وشكوى للأهل والجيران وعابرى السبيل، هكذا أفعل ما افعل مدركا أن الأحلام الكبيرة لا يقدر على تحقيقها فقراء يشحذون اللقمة والهدمة، وأن العجز يواكب عبيدا لا يسعون نحو الحرية.

ذات مرة مازحتنى زوجتى ما الذى يجعل رجالنا فى مصر أزواجا طغاة متسلطين داخل بيوتهم، عبيدا فى مجتمع يحتاج لأحرار؟ فأجبتها دون مزاح: نحن معظم رجال مصر لدى كل منا سبعا من جليل الصنائع، نغنى فى الحمامات وقادرون على التطريب، نشترك فى معاجن الطين وقادرون على إنشاء مصانع للطوب والسيراميك، نحصل على الإعدادية وقادرون على الإمساك بالدكتوراه وجوائز التفوق، نسافر لأراضى الغربة وقادرون على أن يكونوا شيوخا وأصحاب معالى، نتاجر فى النخالة وقادرون على امتلاك المطاحن والمخابز، نركب برادع الحمير وقادرون على إدارة مصانع السيارات والطائرات، نفكر فى الزواج وقادرون على إنجاب الذكور والإناث، ومع كل هذه الصنائع فان حظنا فى الحياة قليل.

نحن معظم رجال مصر، تغشانا سلطة قهر وفساد حكم، لا نملك ظهرا من خال أو نسيب يجلسنا فى حجر رعايته، يرصنا حبات فى عقد منظومته، يجمع ضعيف قدراتنا ويضخ فيها قدرات الآخرين، فنصبح فاهمين عباقرة ومتكلمين مفوهين وقادة حكماء، تصب مواهبنا مالا وسلطة فى بطون الأهل والصحاب، وتفيض دخولنا فتاتا يملأ جيوب الأتباع والمريدين.

نحن معظم الرجال فى مصر، جوعى لا نتكلم ولا تدخل الحكمة أبواب عقولنا، تتلعثم ألسنتنا عند الفطور بين خبز وبصل، ونخشى الكلام حتى أخر النهار، يأتينا غدائنا ناقصا ونكمل شبعنا بالماء، ونصمت بقية الليل نقضى عشائنا فى النوم، عاجزون عن إطعام أنفسنا.

يا زوجتى الطيبة، وحياتنا مأساة نعيشها فى مصر، ينخر الفساد فى عظامنا، وتبلى الأساطير رباط عقولنا، وتحبس قوانين الطوارئ دبيب أنفاسنا، كيف لنا إذن أن نكون رجالا عادلين فى بيوتنا، ودودين مع زوجاتنا، عطوفين على أولادنا، عظيمى القيمة بين أهلنا، أحرارا طول الوقت؟.

Post a Comment