Sunday, November 02, 2008

العدد فى السكان

أدبيات أجهزة إعلامنا الحكومية ترى أن زيادة عدد السكان فى مصر تأكل فرص النمو الاقتصادى المتاحة، وتؤدى إلى دوران مجتمعنا فى حلقة فقر حلزونية تضيق وتضيق حتى نستجدى المعونات على أبواب بعض الأصدقاء وكثير من الأعداء، إنها أدبيات لا ترى الزيادة السكانية حقيقة موضوعية يمكن التعامل معها سلبا وإيجابا حسب طبيعة الفلسفة السائدة فى المجتمع ومدى رغبة الحكومة فى التقدم.

فى الدول المتخلفة تتناول أدبيات الإعلام حقيقة الزيادة السكانية من طرفا السلبى باعتبارها زيادة من أفواه جديدة تطلب المزيد من الطعام والشراب، يفتح جوعها على القيادات أبوابا من جحيم المشاكل، هذه الأدبيات تؤيدها وجهة نظر فلسفية تشاؤمية طرحها بعض مفكرى القرن الثامن عشر فى أوربا، حين اعتبروا الإنسان مجرد حيوان يعيش ليأكل فقط، وتناسوا قدرة الإنسان على ابتداع علم وتكنولوجيا ترفع من كفاءة إنتاجه الاقتصادى بمعدلات تجاوز قدرته على التناسل، هكذا إعلامنا الرسمى يعتبر المصريين مجرد أجساد تعيش لتأكل ما يلقى لها من فضل حكومتنا الرشيدة، مثل هذا الطرح للمشكلة السكانية يترك الفرصة سانحة لضروب مختلفة من الفساد الفكرى والاقتصادى وبالتالى لضروب من التخلف الاجتماعى.

فى الدول المتقدمة تتناول أدبيات الإعلام حقيقة الزيادة السكانية من طرفها الايجابى باعتبارها زيادة فى عدد الأجساد تحمل معها زيادة فى عدد القلوب والعقول، وأن الأفواه الجديدة أفواه بشرية مهمتها أن تأكل لتعيش فى ثقافة وتحضر، هكذا تعاملهم حكوماتهم باعتبارهم مجال استثمار بشرى يؤتى أكله بعد حين، هذه الأدبيات تساندها فلسفة ترى الإنسان مشروع وجود قادر بالتعليم والتدريب والانتماء على أن تتضاعف قدراته الإنتاجية فى كل الميادين، هكذا تعمل معظم الدول المتقدمة على زيادة عدد السكان لديها.

إن المتخصصين فى علم السكان يرصدون ظاهرة الزيادة السكانية فى شكل هرم من فئات العمر المختلفة، وهرمنا السكانى فى مصر قريب من ثمرة الكمثرى، رأسها صغير من قلة أعداد الكبار والشيوخ، وقاعدتها عريضة مليئة بالشباب والأطفال، ويحسن بالحكومات المصرية أن تتوجه إلى قاعدة الكمثرى بالتعليم الجيد والحرية الفكرية والديمقراطية السياسة، ولو فعلت سيكون لدينا التفاؤل الموضوعى بأن مجتمعنا مقبل على صحة نفسية وجسدية واقتصادية ترفع مكانته بين الشعوب المتحضرة.

Post a Comment