Monday, November 10, 2008

الدمايطة الجدد

فى شهر مايو الماضى قابلت صديقا ابدى اهتماما بالحركة الشعبية لمقاومة تلوث البيئة فى مدينة دمياط والتقت رغباتنا على زيارة المدينة، وحين ركبنا سيارتى القديمة هاجمنا صوتها الفاضح وانتابتنا رجفة الانطلاق وقليل من الحذر، وغادرنا القاهرة فى التاسعة صباحا لنقطع حولى 200 كيلومتر شمالا إلى دمياط.

اسمع يا صديقى، فى زياراتى السابقة لدمياط رايتها مدينة تقع على الشاطئ الشرقى لنهر النيل، كتلة من المبانى غير المنظمة تتخللها حارات وشوارع ضيقة تنتشر فيها مئات من ورش صناعة الأثاث والحلويات ومنتجات الألبان، لا يملك أهلها البسطاء متنفسا على نهر النيل، فشاطئ النهر الطويل استولت عليه أندية الصفوة، ومجرى النهر الضيق استولت عليه مزارع سمك يعيش على النفايات فأصبح ضارا بالإنسان والنهر، انه سمك لا يعرف العوم، وماء النهر الكسول اختلط بمياه صرف صحى تلقيها البيوت المتاخمة للشاطئ، هكذا امتلكت دمياط شاطئا نهريا فقيرا ملوثا نفاذ الرائحة، يعبرون النهر إلى محطة القطار فوق كوبرى ضيق من المعدن لا يزيد طوله عن مئة متر تم بناؤه فى أوائل القرن الماضى.

اسمع يا صديقى، رأيت فى معظم الدمايطة صناع وحرفيون يعيشون وفقا لنظام قاسى من العمل المنتج، ساعات طويلة يقضونها فى الورش الصغيرة تحكمهم ثقافة عمال المصانع قاصدين الكسب من الإنتاج والتجارة، ونتيجة لذلك أصبح متصورا لدى أمثالى ممن يعيشون على ثقافة الزراعة أن يصدقوا ملح ونوادر تشاع عن الدمايطة، حين يلاقوك ( تشرب شاى وإلا إنت مش كيُيف) وحين يستضيفونك ( تحب تتعشى وإلا تنام خفيف).

وصلنا مدينة دمياط ظهرا، وفى أول مقهى بالميدان الكبير ألقينا جثثنا على كراسى مريحة وطلبنا اثنين شاى، فجأة واجهتنا لافتة سوداء علقت على البناية المقابلة ( لا لمصنع السموم) ولافته أخرى ( نريد حياة أفضل لأطفالنا)، وثالثة (بالروح والدم نفديك يا دمياط) ، وحين بانت ملامحنا الغريبة عن المكان، لعله إجهادنا أو تكاسلنا أو لوحة أرقام سيارتنا أو تساؤلنا عن اللوحات، هى دقائق قليلة مرت علينا حتى اقبل علينا رجل هاش باش فى الأربعينات من عمره، رحب بنا وقدم لنا نفسه بأنه صاحب المقهى، ثم قال:

- أهلا بالضيوف شرفتونا، إحنا دمايطة صحيح، يعنى الشاى على حسابنا، فابتسمنا نلاطفه وجاوبناه:
- ربنا يكرمك، قل لنا الحكاية يا كريم، فجلس بجوارنا وأخبرنا:
هذه اللافتات ومئات مثلها منتشرة فى منطقة دمياط وضواحيها حتى مدينة رأس البر، الحكاية إن فيه ناس أكل العمى قلوبهم، من أجل مصالحهم الشخصية يحاولون بناء مصنع لسماد الأمونيا الملوث للبيئة والضار بصحة الناس، واختاروا أجمل موقع فى بلدنا على جزيرة رأس البر، هذا المصنع وأمثاله لا يقيمه الأوربيون أو الكنديون أو الأمريكان فى بلادهم لأنهم يعرفون أضراره على الصحة والبيئة، نحن فى نظرهم الحيطة المائلة يركبوها ببعض الأساليب الملتوية وغير الشريفة، إنهم يريدون أن يكسبوا بلايين على حساب صحتنا وعلى حساب أولادنا، مصنع سماد الأمونيا لو قام هنا فانه سيضر بحياة ومصالح مليون شخص ويقتل أكثر من ثلاثة مليون شجرة مثمرة من النخيل والفواكه، ولا يحقق فرص عمل لأكثر من مائتين وخمسين فردا فقط، يعنى عدد عماله لا يزيدون عن عدد عمال مصنعين أو ثلاثة لصناعة الحلويات، إحنا فى دمياط عاوزين الناس تشتغل وتكسب بالحلال والأصول، ويمكن إنشاء المصنع فى منطقة ثانية بدون ضرر لأحد.

كان الرجل صاحب قضية متحمس، يؤكد لنا أنه واحد من عشرات آلاف الرافضين لإنشاء المصنع، وحين تعاطفنا مع موقفه النبيل طلب لنا مزيدا من المشروبات وأقسم على أن مشروباتنا مجانية وأصر على أن يصطحبنا مودعا إلى باب السيارة.

تركنا مقهى الرافض الأول لنجد أمامنا عربة كارو تحمل بعض الكراسى الخشبية يجرها حصان يسير برشاقة وضع صاحبه ( الرافض الثانى) على رأسه لافته صغيرة من ورق مقوى تقول ( لا للسموم)، ومر أمامنا شاب صغير (الرافض الثالث) يركب دراجة هوائية وفق رأسه لافته كتب عليها (حفاظا على أطفالنا)، وتتابعت أمامنا صور الرافضين.

عبرنا نهر النيل على كوبرى واسع من المعدن، فرأينا اختفاء مزارع الأسماك داخل النهر وقرأنا لافتة كبيرة ( إحنا الدمايطة اللى نقلنا الكوبري) وتعددت اللافتات تحمل عبارات الافتخار بنقل بقايا الكوبرى القديم ووضعه على شاطئ النيل أمام مكتبة عامه رائعة ليجتمع الكبرى والمكتبة فى شكل حضارى يستمتع به سكان المدينة.

هكذا أصبحت مدينة دمياط أكثر نظافة واتساعا، يصافح وجهها نهر النيل بكورنيش جميل رائع وبمياه نظيفة خالية من بقايا مزارع الأسماك ومياه الصرف الصحى.

على مقربة من وقت العصر، خفت الشمس وتمايلت سيارتنا على طريق زراعى لمسافة عشرة كيلومترات حوله أشجار وارفة وزراعات مثمرة وبينها عشرات من لافتات المقاومة المدنية، ( بالروح بالدم نفديك يا دمياط )، (لا للفساد، لا للتلوث)، ( نحن ننقذ أطفالنا )، واستمرت اللافتات تقابلنا حتى دخلنا جزيرة رأس البر وانطلقنا إلى طرفها الشمالى حيث تقع مدينه رأس البر، وعلى لسان راس البر عند ملتقى النيل والبحر بدأ نسيم البحر يلاطفنا فى أيام صيف رائعة والتقينا بثلاثة من الأصدقاء شاركناهم الجلوس على مقاعد خشبية رصت على أرض من أحجار الجرانيت الملون، قلنا لهم:

- المكان هنا رائع ذو تصميم حضارى، لابد انه تكلف كثيرا، فرد علينا أحدهم قائلا:

- هذا المكان الجميل مشروع تجارى أقامته المحافظة وتكلف ثلاثة مليون جنيه لم تدفع الحكومة منه مليما واحدا، تتبعه بعض المحلات السياحية تم تأجيرها بحوالى اثنى عشر مليون جنيه، هكذا أصبح لدينا تسعة ملايين جنيه إيراد صافى تستخدمه المحافظة فى إنشاء خدمات حضارية للمواطنين فى باقى قرى ومدن المحافظة، خدمات خاضعة بالكامل للرقابة الشعبية.

وقال الثانى:

- هذا جمال بلدنا ورثناه عن جدودنا ونحاول أن نضيف إليه، ومع ذلك تحاول شركة أجريوم الكندية وشركائها فى مصر إنشاء مصنع للسماد ينتج فى منطقتنا خليطا من الفساد والنشادر والأمونيا والصرف الصناعى قاصدين القضاء على هذه الجزيرة الجميلة والإضرار بحق أولادنا فى الحياة فى بيئة نظيفة.

وحين سألنا الأصدقاء الثلاثة من الذى ينظم هذه المقاومة الشعبية الرائعة ضد التلوث؟ أجاب الثالث:

- كلنا دمايطة، نجود على أنفسنا بكل ما نستطيع وإنا لفاعلون.

كانت مسحة التعاطف بينهم وانشغالهم بالهم العام لمدينتهم سببا كافيا لنطرح عليهم سؤالا حيويا ذو شقين، ماذا سيحدث لو أن القيادات الكبيرة المتعاطفة معكم تخلت عنكم ؟ وما هى آلياتكم الاستمرار فى مقاومتكم؟، أجابوا فيما يمثل رأيا واحدا:

- بعيدا عن وجود أشخاص بعينها، تكون الغلبة لمن هم أكثر تنظيما وامتلاكا لآلية الاستمرار، نحن واثقون من جدوى أسلوبنا الحالى، وبالتأكيد سنغير أدواتنا حين تتغير الظروف.

مع اصفرار الشمس وعلى بعد لا يزيد عن خمسة كيلومترات من قلب مدينة رأس البر مررنا على الأرض المزمع قيام المصنع عليها غرب الجزيرة، فرأينا الخراب قادم لا محالة إذا نجح التدليس ومشاريع العولمة الجهنمية فى إقامة مصانع للتلوث فى هذه المنطقة.

فى المساء حملنا بعضا من حلاوة دمياط هدية لأهلنا فى القاهرة، لنقص على الجميع صورة انتفاضة شعبية رائعة لدمايطة جدد تؤكد أن العمل الشعبى المنظم قادر على صناعة قرارات مصيرية لشعب رائع.

Post a Comment