Tuesday, August 24, 2010

رحلة إفطار


لأننى موظف حكومة مصرى، أعمل مغتربا فى مدينة تبعدنى عن صحبة الأهل والوزراء والمحافظين ومسئولى الأمن الغذائى، هكذا أصبحت أحوالى الاقتصادية أكثر فقرا وأجاز بعض الفقهاء استحقاق الموظفين أمثالى لكثير من الرشاوى والزيت والدقيق وأموال الزكاة.

مع غربتى فى أيام شهر رمضان الكريم، طرحت على زميل فى العمل مغترب مثلى أن نتناول الإفطار على أقرب مائدة رحمة، وحين وافق اشتعل رأسنا بطموحات أن يكون طعام إفطارنا فخيما على مائدة عامرة، وشحذنا عقولنا نرسم الخطة الحكيمة.

قبل غروب اليوم العاشر من رمضان، انطلقنا بسيارتنا كيلومترات قليلة قاصدين الوصول إلى مدينة يشتهر أهلها بالتجارة وصناعة الفسيخ والأثاث ويسكنها مئات من الأثرياء، قلوبهم تحب جمع المال مثلما تحب أيدينا إنفاقه، وبدأنا رحلة الإفطار نمنى النفس بموائد عامرة تتنوع ذنوب أصحابها فتتنوع أصناف طعامها، نهبر فيها أنواعا من اللحوم والأسماك والحلوى.

ظللنا نلف شوارع المدينة والجوع يراقصنا، الشارع الأول ملئ بسيارات النقل الكبيرة ولم يكن به مائدة رحمة، الشارع الثانى ملئ بورش الحدادة الضخمة ولم يكن به مائدة رحمة، الشارع الثالث ملئ بمحلات تبيع أفخر أنواع البطارخ ولم يكن به مائدة رحمة، بقية الشوارع مليئة بتجار الذهب والممنوع والعملة ومكاتب السفريات ومعارض السيارات ولم يكن بها مائدة رحمة واحدة، فحصنا الأزقة ولم نعثر على طعام يقدمه أصحابه تكفيرا أو زكاة أو رحمة.

عضنا الجوع وهدنا العطش واقتربنا من وقت الإفطار فأصابتنا جرأة السؤال، لله يا محسنين، وأطلت رؤوسنا خارج السيارة نستوقف واحدا من أهل المدينة بانت عليه ملامح الشبع، سألناه عن موائد الرحمة، استنكرت عيناه جهلنا بمطالع الأثرياء، وسألنا هو بعين فاجرة عن شيء نعطيه لواحد من أهل المدينة، ابتسمنا بكاء وشماتة وحقدا وبخلا، وهرولنا نغادر المدينة غير مودعين أو ملاطفين أحدا من أهلها، يملأنا الغيظ من كرم أثريائها ويملكنا الأسى من بخل أنفسنا.

تهادت سيارتنا على طريق الإسفلت نطرد المدينة خلفنا، وحين لحقنا موعد الإفطار على مشارف قرية صغيرة، استوقفنا أناس من أهلها يسدون الطريق على العابرين، ويصرون على تقديم أكياس مجانية تضم وجبات إفطار مصحوبة بالماء والتمر، إنهم مثل أهل قرى فقيرة يقدمون إحسانهم مخلصين، ويمضى شهر رمضان فى قلوبهم كريما.

بعد أول منحنى على الطريق، وتحت أول كوبرى اقتسمنا ما جمعناه من زكاة أهل القرية، بلح وجوافة وعرقسوس وأرغفة مليئة باللحم والأرز وقطع من الكنافة وملأنا البطون بالجميع، وحين ابتلت عروقنا وعاد الشبع إلينا، انصرفنا نسفه أحلامنا الكسولة بالشبع من بطون الأثرياء.


المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 24 أغسطس 2010م

Post a Comment