Tuesday, August 10, 2010

ثقافة التحول المهنى


منذ سنوات بعيدة سمعت الرئيس أنور السادات يشيد فى احدى خطبه بشاب من بورسعيد ترك الهندسة ليعمل فى النقاشة وتركيب البلاط، ومنذ أيام ذكرت جريدة قاهرية كبيرة فى تحقيق صحفى أن شيخا مصريا من محافظة كفر الشيخ يعمل موجها أول للمواد للرياضيات فى مدارس الحكومة ومع ذلك يعمل سبُاكا صحيا، تلك الأيام القديمة لواقعة الشاب المهندس كانت بداية عصر الانفتاح الاقتصادى فى مصر وظهور الدخول الطفيلية، وهذه أيام واقعة الشيخ مربى الأجيال حيث تسريح العمال وبيع مؤسسات المجتمع الإنتاجية بأقل من سعرها السوقى، وكلها أيام لا تقيم وزنا للتعليم أو لجودة الإنتاج.

وقوع الحادثتين يرصد توجها إعلاميا حكوميا لتشجيع العمال على التحول بين المهن بمبررات تتسق مع توجه الحكومة نحو الاقتصاد الحر، لكن غير المبرر أن تدعو الحكومة لثقافة عمل غاية فى التخلف تقيس الفروق بين الأعمال بمدى ما يحصل عليه العاملون من دخل مباشر، مهملة عوائدها التربوية والاجتماعية.

أصحاب هذه الثقافة الإنتاجية لا يعرفون القدر الاقتصادى والاجتماعى للأشياء، فإذا أتينا بطالبين علم حاصلين على شهادة الابتدائية وأراد المجتمع من أحدهما أن يكون مهندسا ومن الآخر أن يكون نقٌاشا، فعلى المجتمع أن يدفع احدى عشرة سنة من التدريب والتعليم للأول حتى يحصل على شهادة البكالوريوس فى الهندسة، بينما يحتاج المجتمع إلى ثلاث سنوات فقط لتدريب الثانى كى يحصل على شهادة إعدادية فى النقاشة، إذن هناك فارق قدره ثمان سنوات من التعليم بين المهندس والنقاش، فإذا تم التحول من مهندس إلى نقاش فإن المجتمع يخسر تكلفة تلك السنوات العجاف.

إن الدعم الإعلامى لهذا النوع من التحول الوظيفى يمثل غباء تربويا يلقى فى وجدان المجتمع بقيم فاسدة تقضى بتفاهة التعليم ورخص أهدافه، وتقضى على فكرة الجودة فى الإنتاج، فحين يقوم مدرس بالعمل سباكا، فلن يكون هو بالمدرس التربوى الجيد ولا هو بالسباك المحترف، لا هو بقادر على التقدم الإبداعى هنا أو هناك، والخاسر هو مجمل أفراد المجتمع.

الأصل فى التقدم الإنتاجى أن يتوسع العمال فى مهاراتهم رأسيا، مثلا من سباك إلى صاحب ورشة إلى مخترع سيفونات لتوفير الماء، ومثلا من مدرس رياضيات إلى موجه إلى صاحب نظريات فى تدريس الرياضيات، أو أن يتوسع العمال فى مهاراتهم أفقيا، من ميكانيكى فى ورشة إلى مدير صيانة فى مصنع إلى استشارى فى مؤسسة تصميم محركات، لكن أن يتم الانتقال عرضيا بين المهن دون ثقافة طموح فى التقدم فإن قيم العمل المنتج تنهار ويصبح محزنا أن نرى من هو طبيب ويعمل سائق تاكسى، ونرى من هو حاصل على ليسانس اللغة العربية ويعمل بوابا فى عمارة.

إن أمر تخلفنا الحضارى والاقتصادى ليس راجعا لفقرنا فى الإمكانيات والموارد بقدر ما هو راجع لتخلفنا عن صنع ثقافة متحضرة للتحول المهنى.
المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 10 أغسطس 2010م

Post a Comment