Tuesday, August 03, 2010

البحث عن ثقافة


منذ قرون تعانى عائلتنا مشاكل الانقراض الحضارى وتتسرب خارج التاريخ، لذلك اجتمع أصحاب الأمر من رجالنا مع الحكيمات من أمهاتنا، وقرروا أن تحتل عائلتنا مواقع الفخار فى كل البقاع، فانعقد أمر تفوّقنا على امتلاك دابّة ثقافية تكفينا مشقة السفر عبر التاريخ حفاة عراة جائعين.

فى القرن الأول، كنّا نرحل فى الوديان وفى شقوق الجبال وراء الماعز، طلبا للمرعى وسعيا فى الخفاء وراء دواب الآخرين، وكانت الماعز دوابنا التى أبدعنا امتلاكها وركوبها، نأكل لحمها ونشرب لبنها ويكسونا شعرها، وبها نصف الجميلات من نسائنا، وحين بلغ صيت عائلتنا كل القفار، انتشرت الأحقاد والدّسائس ضدنا، حتى أن كل ولاة أمورنا أهملوا شكاوانا من هجوم الضباع على ماعزنا، فعاد أهلنا حفاة فقراء من جديد، لكن الرّائع أن المأساة لم تكتمل، فقد فرح الكثيرون من فقرائنا بما فعلته الضباع، ذلك بأن الماعز لم يركبها من عائلتنا غير قصار القامة، أولئك الذين أورثونا قدرا كبيرا من حنكة ضرب الأسافين وزرع الشقاق بين البشر.

فى القرون التالية، كنّا نرحل فى الوديان والصحارى وراء الجمال، طلبا للمرعى وسعيا فى الخفاء وراء دواب الآخرين، فكانت الجمال هى دوابنا التى أبدعنا امتلاكها وركوبها، نأكل لحمها ونشرب لبنها ويكسونا وبرها، وبها نصف الصبورين من رجالنا، وحين بلغ صيت عائلتنا كل الفيافى، انتشرت الأحقاد والدّسائس ضدنا، وتناسى ولاة أمورنا شكاوانا من هجوم الذئاب على جمالنا، عاد أهلنا حفاة فقراء من جديد، لكن الرّائع أن المأساة لم تكتمل، فقد فرح الكثيرون من فقرائنا بما فعلته الذئاب، ذلك بأن الجمال لم يركبها من عائلتنا غير طوال القامة، أولئك الذين أورثونا قدراً كبيرا من البلاهة والسّفه.

فى القرن الأخير، بعنا كل ما ورثناه من ثقافات الماعز والجمال، واشترينا ثقافة العبيد، نسعى وراء أكل عيشنا فى تجارة المماليك وجلود المضحكين وآبار الزيت، وأقمنا كشوف بركة يغشاها الشّحاذون وبعض الفقراء، ونشَرٌنا مسارح رقص وخطب وصالات دُعاء واستغفار يملأها روّاد المآدب وصانعوا القرار، وحين ذاع صيتنا لدى كل البنوك ومخرجى الأزمات، ترصّدنا الحسّاد وقاطعوا الطريق وولاة أمورنا، يدفعوننا كى نختبئ داخل حفر من موائد طعام وصدقات تنصب فى مواسم الغفران وشراء الرضى المقدس.

واقعنا الحى الآن أن الصورة الثقافية لعائلتنا لم تكتمل، فبرغم أننا نمارس الحجاب والنقاب وستر العورة على ضعف عقولنا، إلا أن فصيلا من أقويائنا لم ينقرض بعد، ومازال بيننا من يفكّر ويبحث عن دواب ثقافية أكثر تحملنا إلى الزمن المتحضر وتقصى عن مسيرتنا عصبة الجهلاء.

آه يا تخلفنا، فسلطة القهر فى بلادنا ترى المفكر النابه قاطع طريق ومتآمر، ذلك بأن المفكرين النابهين يرون أن ثقافتنا الحاضرة فقيرة لا تملك غير الخديعة بأننا أقوياء.


المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 3 أغسطس 2010م

Post a Comment