Thursday, May 27, 2010

الردع بالمعرفة


هب أنك وقفت فى محطة أتوبيس واسترعى انتباهك وجود ثلاثة رجال وامرأتان يقفون متجاورين ويلبسون جلابيب بلدى نظيفة، فانك بهذا الانتباه أصبحت تملك بيانات يمكن وضعها فى كشف حساب ترصد فيه حال مجموعة مكونة من خمسة أفراد من الواقفين تجمعهم صفات مشتركة، هكذا البيان مجرد أرقام تحمل صفات معينة يمكن رصدها فى كشف حساب.

حين يلفت انتباهك وجود هؤلاء الخمسة وتبذل مجهودا وتنجح فى التحدث معهم فيقول لك كبيرهم إنهم غرباء قادمون للكشف عند طبيب، فانك بهذا الجهد أصبحت تملك معلومة هى انك رأيت خمسة من الغرباء فى محطة الأتوبيس يتجهون إلى طبيب، هذه المعلومة يمكن نقلها بمفردها إلى آخرين، مثل زوجتك أو رئيس المحطة أو رجل الشرطة وكل منهم يمكنه استخدامها بطريقته ولصالحه، هكذا تتولد المعلومات من جهد فكرى يبذله الأفراد مع بيانات إحصائية مستفيدين من خبراتهم السابقة.

حين يشغلك أمر هؤلاء الغرباء الخمسة وتضع فروضا مختلفة تتعامل بها بطرق مختلفة مع معلوماتك عنهم فانه يمكنك أن ترفع حصيلتك تجاههم من مستوى معلوماتك إلى مستوى معارف، فإذا فرضت إن المرأة الشابة هى المريضة فانك تصل لمعرفة أنها بصحبة أهلها فى زيارة طبيب أمراض نساء، وإذا فرضت إن الرجل الكبير هو المريض فانك تصل لمعرفة انه بصحبة أهله فى زيارة طبيب يعالج أمراض الشيخوخة، هذه الفروض يمكن التأكد من إتباع أحدها عن طريق المتابعة والسؤال من الأسرة والاتصال بالأطباء والصيادلة فى المنطقة، وفى حالة التثبت من الفرض الأول مع استخدام الدواء الذى وضعه الطبيب فانك تصل إلى معرفة أن امرأة شابة مرضت فعالجها طبيب نساء وتم الشفاء أو لم يتم، هذه المعرفة تسمى معرفة علمية موضوعية يمكن التثبت من فروضها، هكذا فى المعرفة العلمية، نحن أمام بيان يتطور إلى معلومة ومع اختبار الفروض بطرق معينة على تلك المعلومة نصل بالمعلومة إلى معرفة موضوعية.

يبقى أمامك فروض آخرى، منها أن المرأة الشابة مريضة وأن الأسرة بصدد زيارة مشعوذ أو القيام بزيارة قبر ولى وبعد مرور الوقت تم الشفاء أو لم يتم، فى هذه الحال تصل إلى معرفة من نوع جديد، تسمى معرفة غيبية تجاه المرأة الشابة، يسميها الصوفية علم يأتى من لدن خبير، إنها معرفة تغيب عنا كثير من معلوماتها ولا يمكن التثبت من فروضها التجريبية.

المعرفة إذن تأتينا من طريقين، تأتينا من العلم الموضوعى الذى هو نتيجة إجراء فروض على معلومات بطرق يمكن التثبت منها، مثل هذه المعرفة نتعامل معها بالاختبار المعملى والتصديق العقلى، وتأتينا من طريق علم آخر غير موضوعى تتعدد مصادره فى الحدس والأديان السماوية والوضعية، ولا يمكننا إخضاع هذا الطريق للتجريب ولا يمكن إثبات وجود هذه المصادر بالمنطق والحساب، هذه المعرفة غير الموضوعية نتعامل معها بالإيمان القلبى والتسليم العقائدى.

عند هذا الحد أنهى المحاضر كلمته فى مؤتمر علمى عن طبيعة المعرفة، عندها هب أحد الأساتذة المتخصصين فى العلوم الإنسانية، ممن يصبغون شعرهم وقت الضيق، ويضيق أفقهم الفكرى على تخصصاتهم، ويمارسون إرهابا ساذجا على عقول طلاب العلم، وعقب على المحاضر قائلا: إن المصدر الغيبى لا يحتاج وجوده إلى إثبات، فضجت القاعة بالتصفيق، عندها أراد المحاضر أن يردع بالمعرفة فأجاب: إن الاشتغال الفكرى بالرياضيات والفلسفة يحتاج جهدا ومثابرة لا يستطيعها بعض المتخصصين فى العلوم الإنسانية، فضجت القاعة بالتصفيق.

Post a Comment