Wednesday, May 26, 2010

خطاب الجامعة الثقافى


قديما قالوا إن الجامعة مكان يدرس فيه أصول العلوم الحديثة ويحتضن بين جنباته جليل الثقافة، من قالوا بذلك واراهم التراب وكانوا عند التاريخ من رواد النهضة المصرية، إنهم رفاعة الطهطاوى ومحمد عبده واحمد لطفى السيد وطه حسين وآخرين من دونهم يذكرهم من كان بهم خصاصة غيرة على مستقبل هذا البلد، إما الآن فالمتابع لحالة الجامعات المصرية فانه يرصد حالة من التردى الرهيب والساحق الماحق لأية بارقة أمل فى تقدم مجتمعنا المصرى، فجامعاتنا الآن بؤر متقيحة تنتج تعليما متدنيا وثقافة فاسدة.

تخلفنا الثقافى المرصود فى الجامعات يرجع إلى أن كثيرا من القائمين على أمور الأنشطة الثقافية فى الجامعات يمارسون منهجا كسيحا فكريا وسياسيا، يصرون أن يحبسوا تعاملاتهم على ذوى اتجاهات معينة ممن لا يقدرون على ممارسة حق الاختلاف مع المنهج الثقافى الذى تؤيده الحكومة، إنهم يتبعون منهجا متخلفا قائم على الولاء الإدارى فى مجتمع مغلق.

من المعروف أن القيادات الاجتماعية والإدارية فى المجتمعات المغلقة تتكالب على تحقيق مكاسبها الشخصية بنشر تعريفات متباينة للمحرّمات، قاصدة أن تحشر الوعي العام داخل أسوار من قداسة مزيّفة لا يملك معها الضعفاء فكاكا، ولأننا مجتمع مغلق فبفضل هذا النوع من القيادات تتحول جامعاتنا إلى مدرّجات حجرية وقاعات بحث خاوية من حرية الرأى وجدل الثقافة.

القادرون على مهام الأنشطة الثقافية وصناعة الوعى الجديد داخل الجامعة ينتظمون فى ثلاث مجموعات، مجموعة يقف أفرادها خارج الجامعة فى مصاف نجوم تدعمهم وسائل الإعلام الحكومية ولا تعترض عليهم أدوات الرقابة الفنية، ومع ذلك لا تسمح لهم إدارة الجامعة بدخول مدرجات الجامعة فى أنشطة ثقافية، وهناك مجموعة داخل الجامعة مثقفون بصفتهم الشخصية ولا ينظمهم إطار تنظيمى، وهؤلاء يبتعدون بأنفسهم أو بفعل فاعل عن ممارسة الأنشطة، المجموعة الثالثة مثقفون منتظمون فى أشكال قيادية بالجامعة، قد يكون من بينهم رئيس جامعة أو عميد كلية أو رواد أنشطة، لكنهم ولأسباب سياسية وإدارية يتناسون طبيعتهم الخاصة ويمتثلون لبيروقراطية الإدارة وسوء نوايا السلطة، هكذا بجهد غالبية القيادات الحالية تصبح جامعاتنا مجرد أبنية صماء تفتح مدرجاتها ثقافيا لمن يحملون موافقات سلطات إدارية وسياسية ويعيثون فسادا فى جليل الثقافة.

إن الخطاب الثقافى الحالى فى جامعاتنا مقاوم للتحضر، ويكرس للتخلف، لذلك فنحن بحاجة إلى ثورة ثقافية تحمل صياغة إدارية وفكرية تسمح بأن يتولى أمر الأنشطة الثقافية الجامعية أكاديميون على قدر كبير من الثقافة ولهم تماس أصيل مع الفن، قاصدين أن نقدم لطلابنا معارف موضوعية وثقافة راقية، وقاصدين من خلفهم وجه التحضر لهذا الوطن.
المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 25 مايو 2010م

Post a Comment