Tuesday, May 04, 2010

إنهم لصوص


وقائع كثيرة يخلط فيها الناس بين الأرزاق المجانية، تأتيهم من حيث لا يعملون ولا يجهدون، كالهواء والماء وحرارة الشمس والميراث والغباء ومديح بعض المنافقين، وبين الدخول المنتجة، تأتيهم من حيث يعملون ويجهدون، كالمرتب والأجر والذكاء وإنكار تفوق الرؤساء.

وقائع كثيرة فى مجتمعنا تخلط بين الرزق المجانى والدخل المنتج كثيرة، ويؤدى وجودها إلى خلط أخلاقى بين الشرفاء واللصوص، فهذا موظف بسيط فى الحكومة يتقاضى راتبا متواضعا لا يكفى مسح دموع شكواه من ضنك الأيام وتأخر الترقيات، وحين تدخل بيته يلقاك بترحاب ويغرقك فى اللحم المشوى والشراب المثلج، ويدعوك لمشاهدة هزائمنا فى المباريات الرياضية على الطبق الفضائى، وذاك مدرس يحصل بشق الأنفس على شهادة جامعية، وحين يفتح بالوعة لتسليك الدروس الخصوصية يمتلك شاليها للمصيف فى الساحل الشمالى، وهذا مطرب متواضع فنا وقيمة، يشترى بملايين الجنيهات مصانع ومؤسسات لتربية الدواجن والعجول، وذاك رجل قحف لا علم لديه أو معرفة فجأة تدخل أرضه الزراعية نطاق زمام المدينة، هى شهور قليلة بعدها يجلس القحف على المقهى مرتديا جلباب الصوف ويحشو سجائره بالمخدرات، يبيع متر الأرض بآلاف الجنيهات، وهذا أستاذ جامعى يدلس فى أبحاث الترقية ويزور فى امتحانات الطلاب، يعلن فى كل إعارة أو سفارة أن ولاءه لمن يدفع أكثر فيصبح ثريا ومسئولا كبيرا ومرشحا لمسئوليات اكبر، وتلك امرأة تفرك كعبها فى العمل بضع سنوات فى الملاهى، تهدهد عن بعض العابثين متاعبهم فتصبح مليونيرة وصاحبة فضل وصدقات وفنانة كبيرة.

مجتمعنا ملئ بلصوص يتنطعون على إمكاناتنا الاقتصادية والاجتماعية والدينية، يخترقون القوانين بالفساد والرشوة، يحصلون على دخول صغيرة معلنة فى مرتباتهم وإقراراتهم الضريبية، ينفقون من المال أكثر من دخولهم المعلنة، ينتهكون بسلوكهم الاجتماعى كثيرا من لوائح العدل والشفافية، ويحاولون إقناع السذج والبسطاء بأن مسألة الفرق بين دخولهم الشحيحة وبين إنفاقهم المسرف إنما هى مسألة أرزاق تأتيهم من الغيب وتكفى حاجاتهم بفضل بركات دينية.

مجتمعنا فى حاجة ماسة لأن يتبنى قيما فكرية جديدة لا يهين معها فضل علم أو تكسر عندها قواعد حساب، قيم تكفل حرية أن يتخذ المواطنون لأنفسهم أنشطة اقتصادية مشروعة يجلبون منها دخولهم المنتجة، وتكفل وجود آليات علمية يضعها رجال الدين والاقتصاد والاجتماع لمحاسبة المواطنين على دخولهم المعلنة والخفية.

نحن بحاجة إلى قيم وآليات موضوعية تظهر بجلاء تلك الفروق بين عمل الشرفاء وتنطع اللصوص.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 4 مايو 2010م

Post a Comment