Saturday, July 25, 2009

الفاضل مستجاب


من طين الأرض خرج المصريون، يعيشون بين النخيل والصحراء والحقول ومقابر الأولياء وأديرة الرهبان، بعضهم اختار أن يسكن روح مصريته بين هامات الشجر والجبل الغربى ونصوص الأهرامات وعمال التراحيل وأثار المبدعين، ساعيا أن يعيش مصريا فاضلا وأن يموت شامخا على قارعة الوطن، وقليل منهم سطى عليه فكر بداوة جاهلية متخلفة، فأصبح عبدا لا يقيم وزنا للأحرار المبدعين.

من طين مصر وفى ديروط الشريف بصعيد مصر، نبت الأديب محمد مستجاب، طفلا فقيرا يلعب على حواف الترع ولا يكمل تعليما نظاميا، شابا فقيرا يصوغ الشكاوى على أوراق فى مكتب محام بأسوان، عاملا فقيرا يصيبه الدرن من تراب المحاجر فى بناء السد العالى، وأصبح كاتبا مبدعا يجمع أشلاء تخلفنا الاجتماعى متناثرة تحت المياه الأسنة فى قصته (كوبرى البغيلى)، ويمسك بأعمدة بنائنا الثقافى الفقيرة فى قصته (التاريخ السرى لنعمان عبد الحافظ)، ويلمس نهايات حزينة لوجودنا الحضارى، نستجدى طعامنا ونبيع أثداء الوطن للغرباء فى قصته (عباد الشمس).

كان مستجاب أديبا يكتب عن أهل مصر، يكتب بشفافية المفكر وجرأة المبدع وسخرية الحكيم، يرى أن مصر هى إيزيس الأسطورة، تسعى لجمع أشلاء حبيبها المنثورة فى أرجاء الوطن قاصدة أن يقيل الحبيب عثرتها، وحين تنجح فى تجميع أشلاء تكتشف أنها ليست للحبيب الموعود فتعاود البحث والشقاء من جديد، هكذا نادى مستجاب بأن الفاضل الوحيد هو طفل يحب الحياة ويؤمن بأن قلوب البشر المبدعين أكثر تسامحا مع كل ضعف بشرى.

فى هذه الأيام مرت الذكرى السنوية الثالثة لرحيل الأديب محمد مستجاب، عاش عصاميا سبعا وستين سنة (1938- 2005م)، سعى أن يكون فاضلا جميلا، ومات فقيرا، وبعد شهور منحته مصر جائزة الدولة التقديرية فى الآداب، وتحققت لمصر بشارة كتبها مستجاب عن نفسه فى مقدمة مجموعته القصصية المسماة قيام وانهيار آل مستجاب ( ويكون لك ولد ذكر من صلبك، تضيع عينه اليمنى جهلا واليسرى ثقافة، يكون رءوما قلقا جامحا، جامعا لصفات الكلاب والعصافير والحنظل والحشرات والأنبياء والأبقار، يداهمكم بقصصه القصيرة، حتى يقضى نحبه مجللا بآيات الفخار فى العراء على قارعة الوطن).

آه يا مصر، تنجبين عظماء فى كل علم وفن، وتتركينهم نهبا لطيور ظلام جارحة، باسمك يا أم الغلابة، أسأل الله رحمته ومغفرته لأصيل من أبنائك، أقصد ذلك الفاضل محمد مستجاب.

Post a Comment