Saturday, July 18, 2009

انقلاب سلمى



كان الشيخ عنتر رجلا من أعيان قريتنا، يملك فدانين ونصف الفدان من كبد أرض البلد، لا يعرف القراءة ولا الكتابة، يؤمن بأن الكتابة هى صنعة لعمل أحجبة وتعاويذ لربط زوجين عن الإنجاب، أو توفيق رأسين فى الحرام، أو إلقاء الشلل فى يد لصوص النحاس، كان سياسيا خبيرا بأحوال الأهل والجيران وعابرى السبيل، ومعارضا قويا للحكومة، وحين عاد الشيخ عنتر من أول حجة له، رفعه ناس قريتنا من مقام الأعيان إلى مقام الحجاج أصحاب الرأى والفعل المتين.

فى حديث استعراض وفخار، شكك أحد المنافسين فى قدرات الحاج عنتر السياسية، فأقسم الحاج عنتر أن يبسط نفوذه على ناس الحكومة، فى يوم جمعة بالذات، وفى قلب مسجد الأوقاف التابع للحكومة بالذات، وعلى مرأى من جموع المصلين وبعض الأثرياء الطامعين فى مكاسب سياسية.

اختار الحاج عنتر يوم جمعة شديد الحرارة، وتأكد أن خطيب مسجد الأوقاف شاب غريب عن قريتنا، وأن هذه أول جمعة يقيمها الخطيب فى المسجد، وبدأ الحاج عنتر تنفيذ الخطة، امتطى حماره واتجه عابرا الطرقات فى خيلاء نحو مسجد الأوقاف، شاهرا جلبابه الأبيض ورافعا شمسية خضراء وهازا قدميه ببلغة بيضاء، وفى كبرياء ربط حماره بجوار المسجد ثم تأبط بلغته واتخذ طريقة داخل المسجد متخطيا صفوفا ورءوسا حتى وصل إلى المنبر وجلس بجوار صديقه الشيخ مرزوق، ذلك الشيخ الفقير العارف بالقراءة والكتابة والحافظ لأحاديث ونصوص دينية والمعارض للحكومة.

ألهبت الشمس ظهر المسجد بالسخونة وصعد خطيب الحكومة إلى المنبر يلقى وعودا وويلات وثبورا، فأزعج صوته من اعتادوا النوم فى المساجد، هكذا أصبح الخطيب جاهزا لتوريط الحكومة، فحين أخطأ فى نص دينى لم يغفر له الشيخ مرزوق وقام يجادله أمام الشهود، زجر الخطيب الشيخ فحقر الشيخ من الخطيب، طالت المكلمة وهاج المصلون وبدأ الحاج عنتر تنفيذ خطته فى إحراج الحكومة.

أمسك الحاج عنتر بقفا صديقه الشيخ مرزوق وصعد المنبر بجسد الصديق ليثبته خطيبا، ونزل من فوق المنبر خالعا جسد خطيب الحكومة، وحين تبادل الخصمان أماكنهما تراوحت أراء المصلين بين القبول والرفض، وفى وقت الحسم، ارتفع صوت أثرياء يؤيدون الشيخ مرزوق خطيبا، وارتفع نهيق حمار الحاج عنتر، فخرج الحاج عنتر من المسجد ليركب حماره ويتجه إلى الغيط مرددا شعاره الجديد: الصٌح صح يا حمار، الزرع عطشان وناس الحكومة فاضيه.

Post a Comment