Sunday, May 10, 2009

دوابنا الثقافية



منذ قرون، اجتمع أصحاب الأمر من رجالنا مع بعض النّساء، وقرروا أن تحتل عائلتنا موقع التفاخر بين البشر، كان رجالنا أكثر التحاما بالطبيعة، يدبّون فى الأرض حفاة ويحتفظون بما يستر أبدانهم، فانعقد أمر تفوّقنا على امتلاك دابّة للركوب.

فى القرن الأول، كنّا نرحل فى الوديان وشقوق الجبال وراء الماعز، طلبا للمرعى وسعيا فى الخفاء وراء دواب الآخرين، فكانت الماعز هى دابتنا التى أبدعنا امتلاكها وركوبها، وبلغ صيت عائلتنا كل القفار، وانتشرت الأحقاد والدّسائس ضدنا، حتى أن كل الولاة أهملوا شكاوانا من هجوم الذئاب على دوابنا، فعاد رجالنا حفاة من جديد، لكن الرّائع أن المأساة لم تكتمل حين فرح كثير من فقرائنا بما فعلته الذئاب، ذلك بأن الماعز لم يركبها غير قصار القامة ممن أورثونا حنكة ضرب الأسافين وزرع الشقاق بين البشر.

فى القرن التالى، كنّا نرحل فى الوديان والصحارى وراء الجمال، طلبا للمرعى وسعيا فى الخفاء وراء دواب الآخرين، فكانت الجمال هى دابّتنا التى أبدعنا امتلاكها وركوبها، وبلغ صيت عائلتنا كل الفيافى، وانتشرت الأحقاد والدّسائس ضدنا، حتى أن كل الولاة تناسوا شكاوانا من هجوم الضّباع على دوابنا، فعاد رجالنا حفاة للمرّة الألف، لكن الرّائع أن المأساة لم تكتمل حين فرح كثير من فقرائنا بما فعلته الضّباع، ذلك بأن الجمال لم يركبها من عائلتنا غير طوال القامة ممن أورثونا قدراً من البلاهة والسّفه.

فى القرن الأخير، وصلنى بعض ما فعله أجدادى، فبعت كل ما ورثته من ماعز وجمال، واشتريت دابّة ثقافية يجرها النفط ومسحوق العبيد، وسعيت وراء أكل عيشى فى تجارة المماليك وأمراء القصور، وأقمت موائد طعام وكشوف بركة، يغشاها الشّحاذون وبعض الفقراء، ونشَرٌتُ مسارح وصالات دُعاء، يملأها روّاد المآدب وبعض صانعى القرار، وذاع صيتى لدى كل البنوك ومخرجى الأزمات، فترصّدنى الحسّاد وقاطعوا الطريق، حتى عرف النّاس أن ولاة أمورنا تحصّنوا مثلى داخل موائد من تبرير وأدعية فى مواسم الغفران من الفكر والبطولة.

الصورة لم تكتمل بعد، فمازال بين عائلتنا من يفكّر ويحمل رأيا وتعامله السّلطة على أنه حاسد وقاطع طريق، يدعو بالتّلف على أعمدة تحمل ثقافة عقلنا العربى، ويشيع بأنها دواب ثقافة لا تحمى غير ولاة أمورنا من بعض الشرر.

المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 10 مايو 2009م

Post a Comment