Sunday, February 22, 2009

النكد الجميل


فى الزمن الأخير هاجمتنى أعراض الكتابة، فقررت زوجتى أن تعالج ما أصابنى من هوان أصحاب القلم فى بلادنا، مزقت بعضا من ملابسى وأوراقى ثم طوحت بكفيها فى الهواء ومصمصت شفتيها معلنة ( الكتابة سخام اسود)، وحين تأكدت أن الليل أوغل فى الظلمة، وأن جيراننا يسترقون السمع ويقلبون الهزار بين الأزواج الطيبين إلى نميمة وفضائح، ظلت تلقى فى وجهى سيلا من التبكيت والتنكيت وتردد قول الطغاة الحاكمين ( قابلنى إذا فلحت) فوجدتنى أنزوى فى ركن الحجرة شاخصا وجهى للحائط، تساورنى فكرة أن أستدير فجأة لأغرس أصابعى فى عنقها طالبا الإعدام لكل من حضر حفل عرسنا القديم، وظللت انتظر قطع اللسان وفتح البطن، وحين إنهد حيل زوجتى وانسحبت جيوش السّب والقذف من لسانها، استعدت قدرتى على المقاومة فعبرت ضوء الصالة متسللا إلى ظلام شرفتنا المطلة على الخلاء الفسيح.

حاصرتنى قشعريرة برد على مرأى من النجوم والمصابيح البعيدة، فأعلنت للخلاء إيمانى بوقائع محددة رافضا التصالح مع زوجتى، فواقعة أن زوجة تستقبل صباح يوم أول الشهر باسمة فى وجه زوجها، إنما هى طقوس تستبدل فيها الابتسامات براتب الزوج، وواقعة قيام زوجة بفتح الشبابيك فى الصباح الباكر، تضرب المراتب بالعصا وتنشر البطاطين فى الشرفات بينما زوجها غاط فى نومه، إنما هى دعوة صريحة توجهها الزوجة لذات الزوج بمغادرة الفراش، معلنة أن أصبح ظل الحائط أكثر جدوى من ظل وجوده، تلألأت النجوم غير عابئة بوقائعى فغمغمت أعاتب الخلائق مستعرضا وقائع إيمانى بالكتابة.

زوجتى الطيبة فعلا، فى مجتمع يؤمن الكثير من أفراده بنظرية التآمر يدافع الفاسدون عن تآمرهم بحبك خطط جديدة للتآمر، يدسون للحكام أن أصحاب القلم نوع من المعارضين يزلزلون كراسى كل حكم.

زوجتى الطيبة خالص، الكاتب يتجرع الألم، فى مراعاة قوانين النشر، والحفاظ على مقتضيات الصلاح الاجتماعى والوظيفى، والاصطبار على ممارسات إعلامية لفاسدين يفتحون أبواب تدليس وشراء ذمم كى يصمت الجميع عن كل فساد.

زوجتى الطيبة جدا، الكاتب لا تبرد أحلامه فى صقيع الشرفات، وأنت من أهلى، فهل سمحت لى بالعودة من الشرفة إلى الدفء؟، فرغم نكدك الرائع ولسانك المفتول، سأبقى مقتنعا بأن الكتابة نكد جميل لا يحرمنى حق التسكع بين السطور.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 22 فبراير 2009م

Post a Comment