Saturday, February 14, 2009

الفساد وحزام العفة

مداخل الفساد ثمانية، أولها أن أحدا لا يشير إليه بوضوح، وثانيها أن يفهم الناس صور الفساد حسب مزاجهم، وبقية المداخل أن تنسى العقول مقدمات كل فكر منطقى، ويتم التسليم بتصالح الفساد مع كل عصر.

فى العصر المشاعى الأول، دب الإنسان على الأرض فى جماعات مستترا بوريقات توت وخصلات شعر وبعض الأحجار، لم يعرف البشر خصوصية امتلاك حضر أو مضر، الرجال يسيحون فى الدروب بحثا فى الغابات والسهول عن الصيد والطعام، والنساء يسيطرن على البيوت والأطفال والمقعدين، فى ذلك العصر يكون صلاح أمر الرجال مرتبط بالعودة إلى الأهل برأس أسد أو فخذ ثور أو خرطوم فيل، عندها تزغرد النساء وينشبن أظافرهن فى الغنائم يوزعنها على الأطفال والمقعدين وبقايا الصيادين، فى مثل ذلك العصر تكون الفرصة سانحة لأى فرد كى يصبح مغامراً جميلاً، يجلب بجهده المزيد من الأخشاب وجلود الدببة والغزلان، ليستأهل الألقاب الطويلة ورئاسة المؤسسات، وما يكون بمقدور أحد أن يتاجر بأحزمة عفة تدارى فسادا أو تخاذلا، ذلك بأن الجميع واضحون، والقضاة قوانينهم معلنة فطرية بسيطة.

فى عصر الحريم والمماليك، انشغل الرجال بالفتوحات وبناء المدن، وحاكت النساء مؤامرات جلب السلطان وتوريث العاشقين، وأشيع أن للزوجات سطوة على أزواجهن وحظوة عند الأسرى والعبيد، وقتلت بعضهن رجالات حكم ضرباً بالقباقيب فى حمامات المتعة، فى ذلك العصر تماوج رجالات السلطة وأصحاب الجاه يستأثرون بكل حمامات المتعة، ويسطون على القضاة بأعراف وقوانين تصنع أحزمة العفة، وكان صلاح أمر الرجال والنساء قرين بانتشار الحرية ووضوح النوايا بين الجميع.

فى عصرنا الحديث، تخلو الساحة من ديمقراطية اختيار القيادات، وتمتلئ شاشات العرض العام بفضائل من يعيثون فى الأرض ظلاما وفسادا، وأصبح لبعض المسئولين سكرتيرات وألقاب طويلة ومكاتب مكيفة، يتواثبون كل يوم على مناصب كل سلطة، ويمرحون فى حجر كهنة كل منصب، فى مثل هذا العصر يفقد الناس معيار الحكم على الفساد، ويناور المسئولون فى تمهل وترقب قاصدين أن ينحاز القضاة فى أحكامهم على الفساد والمفسدين، هكذا تتهاوى القيم فى المجتمع، الضعفاء يلبسون أحزمة العفة والفاسدون يهربون من كل قيد.

فى كل عصور النهضة، لا يجهض الفساد غير الفحص العلنى لحزام عفة كل الموظفين وجالبى الرزق وصانعى القيم.

Post a Comment