Sunday, February 08, 2009

مسرح الدولة


فى دولة تشيع فيها روح الدّيمقراطية يحتفظ المواطنون بالأسماء والألقاب فى مكانها، ويتنادون فيما بينهم بألقاب الأخوة، ولأننا دولة كذلك، فإننى أتوجه لأخينا المسئول فى وزارة الثقافة، بحديث عن مسرح الدولة يمتلئ سماحة ومودة وتعقلا.

أخانا الذى فى وزارة الثقافة، إن طول العمر وقسوة ظروفنا الاقتصادية هما الذّين سمحا لى بأن أكون أحد روّاد المسرح فى السّنوات الأخيرة، فقد طال عمرى منذ ولادتى عند منتصف القرن الماضى، ورأيت الفنان المُواوى يقيم السّهرات على أجران القرية ويقدّم المونولوج المسرحى ويحكى قصص عنترة والزناتى، ويشيع قيم البطولة بين مئات من المستمعين، ورأيت القرداتى عند تقاطعات الحوارى فى قريتنا، يقدم الدّيالوج المسرحى مع القرد فى عجين الفلاحة ونوم العازب، ويشيع الغمز واللمز ومصمصات الإعجاب بين عشرات من المشاهدين، وجريت وراء عربات مسرح مزركشة تجرها الحمير ويدفعها الممثلون، ويقوم القراقوز بدعايات تجمع الزبائن ليشاهدوا العروض، وفى كل مرة نسمع قصصا ومسرحيات جديدة نعيد تأليفها فى كل مرة.
وعن قسوة ظروفنا الاقتصادية، فإننى مصرى أعانى مثل الغالبية من ضيق ذات اليد، وأصاحب بشرا يهتمون بالمسرح، فلا نملك إلا أن ندخل المسارح مجانا.

أخانا الذى فى الوزارة، عشرات المرّات التى ذهبتُ فيها للمسرح هالنى ما أراه من قصور فى الأداء، مسارحكم مجرد صالات عرض فقيرة الإمكانيات، المسرحيات يعرضها فنانون أكثر عددا من المشاهدين، المشاهدون أصحاب دعوات مجانية، المؤلفون كتبة متواضعون، النقاد ينشرون ما يكتبه لهم المخرجون، وكثير من الممثلين يسعون لتسليك أمورهم من الأبواب الخلفية مع المديرين.

أخانا الذى فى الوزارة، إنكم تنفقون ملايين الجنيهات فى نشاط مسرحى لا يخدم غير مئات قليلة من الأفراد، هم كل كليلة أهل المسرح من فنيين ورواد، ومن المؤكد أن لدينا إمكانات فنية قادرة على تغيير وضعنا الثقافى المتردى إلى وضع حضارى معاصر، فقط نحن بحاجة إلى إجراء بحوث علمية تدرس ظاهرة مسرح الدولة على اعتبار أن العمل الثقافى والمسرحى منه بالذات هو صناعة ثقيلة يلزمها احتشاد الدولة لانجاز مفردات التقدم بأدوات العصر.

أخانا الذى فى الوزارة، أمر التغيير ضرورى فسياستنا الثقافية الحالية تكرّس لأن يحيا الجميع فى جو خانق.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 15 فبراير 2009م

Post a Comment