Tuesday, February 02, 2010

مزاد علنى



كان أبى يؤمن أن الحياة أعطته خيرات كثيرة، زوجة وفدان أرض وفرن خبيز، ودارا من الطين تعجّ ساحتها ببنين وبنات وحمارا ودجاجا وبطّا وحماما وأرانب، كان أبى حريصا على تعطيل مبررات الحسد لدى الأهل والجيران، فجعل من جلبابه وسرواله جيوبا يخفى فيها كل ما يجلبه لنا من لحم وبلح رطب وحبات برتقال، وكانت أمى تجيد قراءة علامات الجوع على وجوه صغارها من الأطفال والفراخ، وتتحسّس فى الجميع ملامح السّعادة كلما عاد أبى منتفخ الجلباب، وكنا نعرف أن الحياة لنا، نحن المتكاتفين من أهل القرى.

فى طفولتى المبكّرة، كثيرا ما صارعت الدواجن فى وسط دارنا من أجل الحفاظ على لقيمات خبز ممسوسة بالسّكر تعوّدت أمى أن تلقيها فى حجرى، أحيانا كنت أنجح فى التهام الفتات مختلطا بالتراب وما علق به من أفواه المهاجمين، وأحيانا ينجح المهاجمون فى اغتصاب طعامى ونقر جسدى فى أماكن العفّة فيعلو بكائى، كانت حركة أفواه الأرانب تحوّل بكائى إلى ضحكات وحبور، من يومها عرفت مطاردة الدّجاج وكراهية البطّ وحُب للأرانب.

فى طفولتى المتأخرة، حملت سبات البوص محشوة بالخبز الحاف والجبن القريش والبيض المسلوق، أنتقل من قرية إلى مدينة، أدرس الكتب وأحفظ النصوص فى ضوء الشمس ووهج الكهرباء وبصيص لمبات الكيروسين، وحين توطنت البلهارسيا فى أجسادنا، أصبح لأطفال حارتنا بطولات خاصة يكسبها كل من يتبول قطرات أكثر من الدم.

فى شبابى تصالحت مع البلهارسيا والأنيميا وصديد البول، ودخلت الجامعة أدرس الاقتصاد والبورصات والقانون والمحاسبة، وحصلت على الدكتوراه فى إحصاء الناس والأرزاق، وشغلت بالدكتوراه منصبا جامعيا، مؤمنا بأن بلدى هى كل مصر.

فى شيخوختى عرفت أن مصرنا ثلاثة أمصار، أولها مصر البلد، حيث أعيش ويدبّ الناس من حولى فى حياة فقر وطلوع رّوح، وفيها دكتوراه العلم لا تطعم خبزاً أو سكّر، وثانيها مصر المحطة، حيث يعيش متعددو الولاء، يمتصون الدّماء ويتلصصون سعيا للهروب خارج كل وطن، وثالثها مصر الكَفُر، حيث يعيش المماليك الجدد فى قصور مشيدة، يتاجرون فى القيم والأقوات، تتحجر قلوبهم على كراسى الحكم دون إيمان بوطن، لا يعنيهم حال أهل مصر البلد ولا يرون أهل مصر المحطة.

أيها العظماء من أهل مصر المحطّة أو مصر الكَفر، فتح المزاد، إنى أبيعكم دكتوراه صناعة بلدى، سأعطي المشترى الورقة واللقب، وأعطيه من تاريخى قصصا باهرة تزيد عظَمَته، مقابل أن أضطجع على سُرر مفروشة فى جنان من نخيل وأعناب، وأقيم مباخراً من الطّيب لدرُء كل حسد.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر - الثلاثاء 2 فبراير 2010م

Post a Comment