Monday, January 26, 2009

الكذب خيبة

حين تبش فى وجه زوجتك بعد سنوات من تعودك على طعامها الماسخ، وتلقى عليها شعرا وغزلا بأنها قمر الزمان وست الستات، فأنت منافق تمارس الكذب الأبيض، تبدو طيب القلب قادر على ابتلاع ليال سوداء قضيتها مع زوجتك المناكفة، وأنت أيضا سيئ النية، تسعى لأن تتجاوز زوجتك الطيبة عن أخطائك المعاصرة.

وحين تهتف باسم مديرك فى العمل، فى الخفاء تسر لأصدقائك انه نصف حمار وربع بغل وبقرة كاملة، وفى العلن تلقى على الجماهير شعرا وغزلا، بأنه روح الديمقراطية العادلة، تشع عيناه ذكاء وموهبة، فأنت منافق تمارس الكذب الأسود، تضم حناياك قلبا حقودا يحفظ لرؤسائك كل قلم رسموه على قفاك، وأنت ماكر تتربص بهم الدوائر فى كل منحنى.

وحين تعيش مواطنا عاديا، تملأك رغبة امتلاك الحياة، تحب أحيانا من يستحق الكراهية، وتكره أحيانا من يستحق المحبة، فأنت طفل نزق تمارس الكذب الثالث، كذب الإحصاء وتحليل والبيانات، تحب من يؤيدون وجهة نظرك، وتكره من يرفضون جهلك.

حتى نهاية السبعينات، كان لخريج الجامعة قيمة علمية واجتماعية، فبعد أسابيع قليلة من حصوله على الشهادة الجامعية يحصل على عمل يرفع عنه حرج الحاجة، كانت سياسة الدولة ترى أن ذل البشر يبدأ من ذل أفواههم طلبا للقمة والهدمة، فى وقتنا الحالى تسببت سياسات الدولة فى وجود ملايين من العاطلين تطل حوادثهم علينا كل يوم فى وسائل الإعلام بصور تبعث الخوف على مستقبلنا جميعا، ويصبح على المسؤولين أن يتناولوا ظاهرة البطالة بأساليب علمية تقف على أسبابها وتطرح وسائل معالجتها.

كثير من المسئولين فى بلادنا يعالجون مشاكلنا بالكذب الثالث، يخدعوننا فى جمع وتفسير الإحصائيات، يستدلون بها على نتائج تتفق مع وجهات نظرهم، يقولون أن البطالة منتشرة فى العالم، ولا يذكرون أن نسبتها لدينا اكبر من مثيلاتها فى كثير من الدول، يقولون أن نسبة موظفى الحكومة فى بعض الدول أقل بكثير من نسبة الموظفين لدينا، ولا يذكرون الاختلافات الاقتصادية والسياسية بيننا وبين تلك الدول.

الناس فى مصر يقتلها الكذب الأسود وكذب الإحصاءات، تجامل القيادات الضعيفة طمعا فى أن يتولى أمرها قيادات علمية لا تستجدى المجاملة، ولا ترضى بالكذب.

Post a Comment